Date: Dec 17, 2012
Source: جريدة النهار اللبنانية
"نعم" ضعيفة للدستور تعمّق انقسام المصريين
المعارضة تدعو إلى التظاهر غداً رفضاً لـ"التزوير"

أيدت غالبية بسيطة من المصريين بلغت نسبتها 56 في المئة، استنادا الى نتائج أولية، مسودة الدستور المثير للجدل، في المرحلة الاولى من الاستفتاء التي أجريت السبت في عشر محافظات، بينها القاهرة والاسكندرية، ومن المرجح أن تأتي نتيجة المرحلة الثانية السبت المقبل مشابهة لها، نظراً الى أن المحافظات الاخرى تعتبر  أكثر تعاطفا مع الإسلاميين، الامر الذي يمهد لاقرار دستور غير توافقي لمصر الجديدة وضعته غالبية اسلامية ولا يحظى بقبول القوى الليبرالية والمسيحية.


وكان الاسلاميون، وفي مقدمهم جماعة "الاخوان المسلمين" التي يتحدر منها الرئيس محمد مرسي، يتوقعون تأييدا واسعاً لدستورهم ينهي  ثلاثة أسابيع من العنف والانقسامات والريبة بينهم وبين القوى الليبرالية في شأن القواعد الاساسية للديموقراطية المصرية. الا أن الهامش المحدود نسبيا للفوز ، كما النسبة الضئيلة للمقترعين (33 في المئة، في مقابل 41 في المئة في الاستفتاء على الدستور الموقت العام الماضي) بعيدان كل البعد عن رهاناتهم، ومن شأنهما أن يعززا حجج المعارضة غير الاسلامية التي كانت دعت مرسي الى الغاء مسودة الدستور وتأليف جمعية تأسيسية جديدة. 
 وفي رد فعل أول لها، قالت جبهة الانقاذ الوطني التي تضم أبرز تيارات المعارضة، إن الاستفتاء اتسم بانتهاك "الإخوان المسلمين وسلطتهم لكل معايير النزاهة"، مؤكدة أنها لن تعترف بنتيجة المرحلة الاولى.

 

دعوة إلى التظاهر

وفي بيان أصدرته ليلاً، دعت الجبهة جموع الشعب المصري الى الاحتشاد في كل ميادين المحافظات وميدان التحرير بوسط القاهرة غداً، احتجاجاً على ما وصفته بعمليات التزوير والتجاوزات التي شابت المرحلة الاولى من الاستفتاء.
وجاء ذلك عقب اجتماع عقدته الجبهة في مقر حزب الوفد بمنطقة الدقي في القاهرة بمشاركة وكيل مؤسسي حزب المؤتمر المصري عمرو موسى ورئيس الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي محمد أبو الغار ورئيس حزب التجمع رفعت السعيد ونقيب المحامين سامح عاشور وزعيم التيار الشعبي حمدين صباحي.


وصرح الناطق باسم حزب المصريين الاحرار احمد خيري العضو في الجبهة بأن المجتمعين قرروا تقدم طلب الى اللجنة العليا للانتخابات للرد على التجاوزات التي تمت ورصدتها منظمات المجتمع المدني خلال عملية الاستفتاء، مؤكداً انه بناء على ذلك ستحدد الخطوات، سواء بالتصعيد او مقاطعة المرحلة الثانية من الاستفتاء.
وقال عضو الجبهة عبد الغفار شكر: "ندعو المصريين الى التظاهر الثلثاء (غداً) لإسقاط مشروع الدستور".


وعلى رغم أن المرحلة الاولى مرت بسلام مقارنة بالاضطرابات التي سبقته، أكدت منظمات حقوقية وقوع كثير من "الانتهاكات" وطالبت في بيان "بتلافي الاخطاء في المرحلة الثانية للاستفتاء على الدستور وإعادة المرحلة الأولى مرة اخرى".


وصرح عضو اللجنة العليا للاستفتاء المستشار محمد الطنبولي بأن "الارقام الحالية غير موثقة من اللجنة العليا للاستفتاء، ولن تصدر النتيجة الا بنهاية الجولة الثانية...وذلك لعدم اثارة البلبلة وحرصا على الوطن". وقال إنه "لا تزال هناك طعون ربما تخرج صناديق بأكملها من النتيجة النهائية". وعن اتهامات المنظمات الحقوقية بعدم وجود اشراف قضائي في بعض اللجان، قال إن "الناس تخلط بين القضاة وهم كانوا موجودين في كل اللجان والموظفين الذين يعاونون القضاة... فوضنا الى القاضي انتداب من يراه مناسبا لمعاونته".
ونظمت هذه المرحلة الاولى من الاستفتاء بعد اسابيع من التظاهرات التي نظمها الجانبان وشهدت في بعض الاحيان اعمال عنف اسفرت عن سقوط قتلى.


وفي الساعات الـ48 الاخيرة، سجلت اعمال عنف بين مؤيدي المسودة ومعارضيها في القاهرة والاسكندرية.
وتصاعد التوتر ليصل مساء السبت الى حد محاولة الاعتداء على مقر حزب الوفد الليبرالي. وتصدت قوى الامن للاعتداء الذي اتهم مسؤول امني جماعة حازم ابو اسماعيل السلفية بأنها وراءه.
وعززت وزارة الداخلية المصرية أمس اجراءاتها الامنية امام قسم الدقي في محافظة الجيزة، تحسبا لدعوة الشيخ السلفي حازم صلاح ابو اسماعيل انصاره الى التجمع امامه مساء .


في غضون ذلك، بث التلفزيون المصري الرسمي ان المعتصمين أمام مبنى المحكمة الدستورية العليا، وهم من التيار الاسلامي، منعوا رئيس المحكمة من الدخول.
ويحاصر مناصرون للاحزاب والتيارات الاسلامية مبنى المحكمة منذ ما يقارب الاسبوعين متهمين المحكمة بالانتماء الى النظام السابق وتعطيل خطط الرئيس المصري محمد مرسي.

 

منظمات حقوقية

وطالبت منظمات مصرية تراقب حقوق الإنسان اللجنة العليا للانتخابات بإعادة المرحلة الأولى من الاستفتاء بسبب مخالفات شابتها، وتبنت مطلبها جبهة الإنقاذ .
وقالت المنظمات، ومنها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، كبرى المنظمات الحقوقية المصرية، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية في بيان لها عنوانه: "رغم الثورة.. استفتاء على الطريقة المباركية" انه سجل "بعض التجاوزات والانتهاكات التي تؤدي الى فساد العملية الانتخابية بالكامل وبطلان نتيجة المرحلة الاولى للاستفتاء"، منها "عدم توافر الاشراف القضائي الكامل وانتحال صفة قاض في عدد من اللجان، ومنع مراقبي المجتمع المدني من حضور عملية الفرز، والتصريح لاعضاء حزب الحرية والعدالة بدخول اللجان بتفويضات رسمية والدعاية الدينية الواسعة النطاق وتكفير الرافضين للدستور وتعطيل التصويت عمدا في بعض لجان السيدات واغلاق بعض اللجان قبل الموعد الرسمي للاغلاق والتصويت الجماعي نيابة عن السيدات في بعض اللجان".
وطالب رئيس المجموعة المتحدة للمحامين والمستشارين القانونيين نجاد البرعي اللجنة العليا للاستفتاء "ان تعترف بانها لم تكن قادرة على التنظيم الجيد وان تقوم باعادة عملية الاستفتاء".


مقر حزب الوفد

وعلى رغم الاحتجاجات التي شابت الفترة السابقة للاستفتاء، مرت عملية الاستفتاء بسلام مع وقوف الناخبين صفوفاً طويلة في القاهرة ومدن وبلدات أخرى أجريت فيها المرحلة الأولى من الاستفتاء. لكن العملية لم تسر بسلاسة، نظراً الى أن الكثير من القضاة قاطعوا الإشراف على العملية الانتخابية تعبيراً عن احتجاجهم. ومع اقتراب موعد اقفال مراكز الاقتراع مساء السبت، هاجم إسلاميون مقر صحيفة حزب الوفد، وهو من أحزاب جبهة الإنقاذ. وتصدت قوى الامن للاعتداء الذي اتهم مسؤول امني جماعة حازم ابو اسماعيل السلفية بأنها وراءه.
وقال مصدر امني مسؤول في وزارة الداخلية ان "نحو 500 شخص أطلقوا الخرطوش على قوى الامن المركزي اثناء تأمين مقر حزب الوفد، مما اضطر القوات الى التعامل معهم بقنابل الغاز المسيل للدموع حتى تم تفريقهم".


البرادعي

وكتب السياسي المعارض محمد البرادعي في موقع "تويتر" إن "الوطن يزداد انقساماً وركائز الدولة تتهاوى. الفقر والأمية هما الأرض الخصبة للتجارة بالدين. درجة الوعي تتنامى بسرعة ومصر الثورة ليست بعيدة المنال".
وقال المصري عصام أمين في أحد شوارع القاهرة إن الدستور يحتاج إلى توافق لا موافقة الغالبية البسيطة "وحتى إذا صحت النتيجة، فهذا لا يعني أن الدستور يمكن أن يمر لأنه يعني أن أكثر من 40 في المئة من الشعب لا يوافقون عليه".
وحتى الخسارة بفارق ضئيل يمكن أن تزيد جرأة اليساريين والاشتراكيين والمسيحيين والمسلمين ذوي الفكر الأكثر ليبرالية الذين يشكلون المعارضة المشتتة التي تعرضت للهزيمة في الانتخابات مرتين منذ اطاحة الرئيس السابق حسني مبارك العام الماضي.


ما بعد الاستفتاء

وفي حال الموافقة على الدستور، سوف تلي الاستفتاء انتخابات نيابية مطلع السنة المقبلة. ويقول زعماء معارضون إنه يمكن جبهة الإنقاذ أن تساعد على توحيد المعارضة في تلك الانتخابات، بعد انقسام في صفوفها في الانتخابات السابقة.
لكن محللين يشككون في قدرة مجموعة بهذه التشكيلة على الصمود حتى الانتخابات النيابية.
ورأى المحلل في المجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية اسكندر العمراني انه ايا تكن نتائج الاستفتاء "فان النتيجة الرئيسية للطريق الذي رسمه مرسي لمصر، ستكون اضرارا طويلة الامد بمدنية السياسة المصرية... اذا فازت اللا، تفقد رئاسة مرسي صدقيتها، ويتزايد الضغط من اجل استقالته، واذا فازت النعم فان حركة الاحتجاج لن تتوقف على الارجح وقد تصبح اكثر تطرفا".