|
بعد أقل من سبعة أشهر من تسلم جماعة "الاخوان المسلمين" الحكم في مصر، أعاد الرئيس محمد مرسي المتحدر من صفوفها، فرض حال الطوارئ في ثلاث محافظات مصرية، في ما يشكل ضربة قوية للثورة ويعيد الى الاذهان حقبة سوداء عاش المصريون في ظلها عقوداً وخالوا أنهم طووها الى غير رجعة، بعدما نجحوا في إطاحة نظام الرئيس السابق حسني مبارك.
وأعلن مرسي الطوارئ بدءا من منتصف ليل أمس في المحافظات الثلاث التي شهدت أوسع أعمال عنف في الايام الثلاثة الاخيرة، وهي بور سعيد والسويس والاسماعيلية، كما أعلن منع التجول فيها ليلا، متوعدا بمزيد من الاجراءات "ضد مثيري الشغب"، ردا على موجة الغضب الشعبية التي اجتاحت المحافظات المصرية منذ الجمعة وأوقعت نحو 40 قتيلا ومئات الجرحى، وزادت التحدي لحكم جماعة "الاخوان المسلمين" تفاقماً.
وأطل مرسي على التلفزيون الرسمي قبيل العاشرة مساء أمس، بعد موجة جديدة من العنف في بور سعيد أوقعت ستة قتلى ومئات الجرحى في هذه المدينة التي يسودها غضب عارم أثاره حكم بالاعدام على 21 من مشجعي الفريق البورسعيدي لكرة القدم. وبوجه مقطب ولهجة حادة، أعلن فرض حال الطوارئ اعتبارا من منتصف ليل أمس ولمدة 30 يوما في المحافظات الثلاث للقناة. كذلك أعلن منع التجول بين التاسعة مساء والسادسة صباحا في المحافظات عينها، وهدد بالمزيد من الاجراءات الاستثنائية اذا "اضطر" الى ذلك.
ويذكر أن المجلس الاعلى للقوات المسلحة الذي حكم مصر منذ اطاحة مبارك والى حين تسلم مرسي الرئاسة أواخر حزيران 2012، رفع في الثالث من أيار 2012 حال الطوارئ التي كانت سارية في البلاد منذ 1981. وكان رفع العمل بقانون الطوارئ مطلبًا ملحًا للمعارضة وللمدافعين عن حقوق الانسان الذين يرون انه يشكل انتهاكا للحريات العامة. الى ذلك، دعا مرسي أمس قوى المعارضة الى حوار وطني اليوم في شأن الوضع الراهن، وذلك "لتحديد محاور النقاش وآلياته"، موضحا أن بيانا رئاسيا تفصيليا سيصدر في وقت لاحق في هذا الشأن.
عنف وقتلى
وتفجرت موجة جديدة من العنف على هامش جنازة كبيرة لضحايا اشتباكات السبت شارك فيها الالاف من اهالي بورسعيد الذين أطلقوا هتافات مناهضة لوزارة الداخلية ولجماعة" الاخوان المسلمين" التي ينتمي اليها مرسي، منها: "بالروح بالدم نفديكي يا بورسعيد" و"يا بلادنا يا تكية ضربوكي الداخلية" وصبوا جام غضبهم على جماعة "الاخوان المسلمين" قائلين: "يسقط يسقط حكم المرشد" ،في اشارة الى مرشد الجماعة محمد بديع .
بورسعيد
في أجواء من الغضب الشديد، شيع الالاف من اهالي مدينة بورسعيد 31 من 37 قتيلاً سقطوا في اشتباكات عنيفة شهدتها مدينتهم السبت، عقب صدور حكم بالاعدام على 21 متهماً في قضية "مذبحة بورسعيد"، فيما تواصلت أعمال العنف أمس في محافظات مصرية عدة.
نزل عشرات الآلاف من المصريين الى شوارع بورسعيد أمس لتشييع ضحايا الاشتباكات العنيفة التي دارت السبت في المدينة، وأطلقوا هتافات مناهضة للرئيس المصري محمد مرسي وجماعة "الاخوان المسلمين" التي يتحدر منها. وبينما كانت الجنازة تسير في شارع رئيسي بالمدينة، سمع اطلاق نار كثيف أثار الذعر بين المشيعين الذين تفرقوا في مختلف الاتجاهات، وسط فوضى عارمة وحال من الخوف والهلع استمرت فترة قصيرة، قبل ان يتابع الموكب سيره.
وكان الجنود ورجال الشرطة انسحبوا من الشوارع التي حددت لسير الجنازة من مسجد مريم القطري في وسط المدينة حيث ظلت المتاجر مقفلة لليوم الثاني تواليا. وقال مسؤولون إن الرصاص مصدره بعض المشيعين الذين استهدفوا ناديا للشرطة قرب المدفن، فيما روى شهود أن رجال الشرطة ردوا باطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع. وأعلنت مصادر أمنية أن ستة أشخاص قتلوا في المواجهات. وقبل ذلك، أفاد مدير مستشفيات بور سعيد أن 433 شخصا جرحوا خلال تشييع الجنازة ، موضحا ان "17 من الاصابات جاءت نتيجة طلقات الخرطوش وبقية الاصابات سببها الغاز المسيل للدموع".
وهتف المشيعون الغاضبون: "بالروح بالدم نفديكي يا بورسعيد" و"يا بلادنا يا تكية ضربوكي الداخلية" وصبوا جام غضبهم على "الاخوان المسلمين" بقولهم: "يسقط يسقط حكم المرشد"، في اشارة الى مرشد الجماعة محمد بديع. واظهر شريط فيديو بثه التلفزيون الرسمي سيدات متشحات بالسواد يشاركن في الجنازة في حزن شديد.
وسقط 31 قتيلاً ونحو 300 جريح في مواجهات عنيفة بين الشرطة ومتظاهرين حاولوا اقتحام سجن المدينة السبت عقب صدور حكم بالاعدام على 21 شخصاً، جميعهم من ابناء بورسعيد، كانوا ضمن 73 متهما في القضية المعروفة بـ"مذبحة بورسعيد"، وهي اعمال الشغب التي وقعت في ملعب المدينة مطلع شباط 2012 وقتل خلالها 74 شخصاً، بينهم 72 من "الالتراس الاهلاوي" مشجعي فريق النادي، كما يؤكد هؤلاء. وانتشر الجيش في المدينة لحماية المباني العامة والمواقع الحساسة. وقال مراسل "وكالة الصحافة الفرنسية" ان أرتالا من الدبابات وصلت الى المدينة في وقت متقدم من مساء السبت لتولي مهمة حفظ الامن. وشوهدت طائرات هليكوبتر عسكرية تحلق في سماء المدينة.
حكم "سياسي"
واعتبر بعض سكان بورسعيد الحكم سياسياً، وعبروا عن سخطهم الشديد من السلطات، قائلين إنها ضحت بأبنائهم لتفادي "الفوضى" التي هدد "الالتراس الاهلاوي" باثارتها في البلاد إذا لم يقتص القضاء من المسؤولين عن مقتل زملائهم في بورسعيد. وعلق الموظف البورسعيدي أشرف سيد على حكم الاعدام بأن "الحكومة أصدرت حكما سياسيا ضحى بأبنائنا لتجنب الفوضى". وفي المقابل، هدد القيادي في "الجماعة الاسلامية" طارق الزمر بأن الاسلاميين سينشئون ميليشيات لحماية المواطنين وممتلكات الدولة من الهجمات، قائلا:"إذا لم تتمكن القوى الامنية من تحقيق الامن، سيكون من حق الشعب المصري، وفي مقدمه نحن، انشاء لجان لحماية الممتلكات الخاصة والعامة والرد على الاعتداءات على المواطنين الابرياء". واتهم المعارضة العلمانية والليبرالية بالعنف الدموي الذي شهدته البلاد في الايام الاخيرة، وهو ما تنفيه المعارضة.
وزير الداخلية
وفي القاهرة أيضا خرجت مواكب تشييع لشرطيين قضوا في أحداث بورسعيد السبت. ومنع العشرات من ضباط الشرطة وزير الداخلية اللواء محمد ابرهيم، من حضور الجنازة احتجاجا على سياسته التي تقضي بعدم حملهم ذخيرة حية في مواجهة المتظاهرين. وقالت وكالة أنباء الشرق الاوسط "أ ش أ" المصرية: "أجبر العشرات من ضباط الأمن المركزي" الوزير على "الخروج" من مسجد الشرطة الرئيسي في القاهرة "أثناء الاستعداد لآداء صلاة الجنازة" على اثنين من رجال الشرطة قتلا في بورسعيد. واضافت ان الوزير "حاول التحاور مع الضباط وتهدئتهم"، كما اوضح لهم ان عدم تسليحهم بالذخيرة الحية "جاء حماية لهم ولأرواح المواطنين وخصوصاً في ظل انتشار الفتنة حاليا في الشارع المصري ووجود عناصر مجهولة تحاول الوقيعة بين رجل الشرطة والمواطن". غير أن الضباط لم يقتنعوا "واصروا على ان يغادر المسجد" قبل بدء الجنازة.
استمرار المواجهات
وكانت الصدامات استمرت حتى وقت مبكر من فجر أمس في مدن مصرية عدة، غداة تظاهرات نظمت الجمعة ضد مرسي وجماعة "الاخوان المسلمين" استجابة لدعوة المعارضة والحركات الشبابية في الذكرى الثانية لانطلاقة الثورة المصرية التي اطاحت الرئيس حسني مبارك. وكانت هذه التظاهرات تطورت في مناطق عدة الى اشتباكات بين المحتجين والشرطة، مما ادى الى سقوط تسعة قتلى، بينهم ثمانية في مدينة السويس وواحد في الاسماعيلية، واصابة قرابة 550 آخرين. ففي القاهرة، تواصلت الصدامات قرب ميدان التحرير بين مجموعات معارضة للرئيس مرسي وقوى الامن التي اطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريقهم. كذلك، حصلت مواجهات مساء السبت في السويس حيث حاول متظاهرون اقتحام المقر الرئيسي للشرطة في المدينة المطلة على قناة السويس، الا أن قوى الامن منعتهم مستخدمة قنابل الغاز المسيل للدموع. ودعا مجلس الدفاع الوطني في مصر السبت في ختام اجتماع عقده برئاسة مرسي الى الهدوء والحوار الوطني.
وتلا وزير الاعلام صلاح عبد المقصود بيانا جاء فيه ان مجلس الدفاع الوطني "يدين اعمال العنف ويطالب القوى الوطنية والسياسية بالتزام الشكل السلمي للتعبير عن الرأي... ويدعو الى حوار وطني موسع تقوده شخصيات وطنية مستقلة لدراسة قضايا الخلاف السياسي المطروح على الساحة".ولم يستبعد المجلس فرض حال الطوارئ في بعض المناطق.
"جمعة الغضب"
ودعت أحزاب المعارضة غير الاسلامية وحركات شبابية عدة الى مسيرة اليوم الى مجلس الشورى لاحياء الذكرى الثانية لـ"جمعة الغضب" التي كانت بمثابة البداية الحقيقية للثورة المصرية في 28 كانون الثاني 2011.
وأكدت هذه الاحزاب والحركات في بيان اصرارها على استكمال تحقيق اهداف الثورة مطالبة بـ "خطة واضحة لتطهير وزارة الداخلية واعادة هيكلة الاجهزة الامنية"، وتشكيل "حكومة انقاذ وطني تبدأ فورا باعلان خطة اقتصادية واضحة باطار زمني محدد لوقف انهيار الاقتصاد المصري وتحقيق العدالة الاجتماعية" و"وقف العمل بالدستور" الذي وضعته لجنة تأسيسية هيمن عليها الاسلاميون وحل جماعة "الاخوان المسلمين التي تعمل دون اي وضع قانوني".
وكانت جبهة الانقاذ الوطني، وهي الائتلاف الرئيسي للمعارضة المصرية، هددت في بيان السبت بمقاطعة الانتخابات النيابية المقرر اجراؤها في آذار او نيسان المقبلين، إذا لم تستجب السلطة مطالبها، كما دعت الى تظاهرات جديدة الجمعة المقبل. وأقفلت السفارتان الأميركية والبريطانية في مصر أبوابهما أمس بسبب الظروف الأمنية في القاهرة.
|