Date: Feb 18, 2013
Source: جريدة النهار اللبنانية
الذكرى الثانية لـ"17 فبراير"... ثورة لم تحقق أهدافها تسعى إلى "تصحيح المسار"
تسابقٌ غربي على العودة إلى ليبيا من باب التدريب الأمني والعسكري

سوسن أبو ظهر
خلافاً لكل التوقعات، مرت احتفالات الذكرى الثانية لـ"ثورة 17 فبراير" من غير اضطرابات تذكر. ذلك أن ليبيا التي صار يُخشى أخيراً أن تتجاوز فوضى السلاح حدودها إلى الجوار بعد أزمتي مالي ورهائن الجزائر، استعادت مدة أيام ثلاثة بعضاً من ألق الثورة الذي بددته إخفاقات وخيبات. وبين المناطيد الملونة التي زينت سماء طرابلس وطائرات الأواكس الأميركية في فضاء بنغازي، كل تناقضات المشهد الليبي.

لم يحل تفجير سيارة أيمن صالح، آمر كتيبة التدخل السريع التابعة للواء الأول مشاة لبنغازي الجمعة، دون إحياء المدينة ذكرى الثورة. هو ليس رجل الأمن الأول يُستهدف فيها، حتى قبل مقتل السفير الأميركي كريس ستيفنس في 11 أيلول 2012. ولكن مذذاك تدهور الأمن، وسُجلت عودة جماعة "أنصار الشريعة" بعدما طردها السكان رداً على مقتل ستيفنس، وأقامت مستوصفاً طبياً، وهي تفاوض وزارة الداخلية على اتفاق للتعاون وتسليم مطلوبين.
إذاً احتفت بنغازي بالثورة، وهي مهدها. فعند مقر مديرية الأمن حيث تظاهرت قريبات لضحايا مجزرة سجن أبوسليم في 15 شباط 2011 تنديداً بتوقيف وكيلهن فتحي تربل، كانت البداية. وإلى هناك عادت الجموع الجمعة، على رغم مقاطعة أنصار الفيديرالية. ولتجنب "فتنة"، أرجأ المطالبون بـ"تصحيح المسار" تظاهرتهم. هؤلاء ينشدون التوازن التنموي والسياسي وتفعيل المادة 188 من دستور عام 1951 التي تنص على أن لليبيا عاصمتين، طرابلس وبنغازي. وغابت المهرجانات الرسمية عن العاصمة حيث أقيم 1400 حاجز تفتيش. لكن ميدان الشهداء، الساحة الخضراء سابقاً، غص بالمحتفلين، وبينهم من ليس راضياً عن الأداء الحكومي.

إحباطات
قبيل الذكرى، ألغت الدائرة الدستورية في المحكمة العليا القيود القانونية على تعدد الزوجات. تذكرون أن المستشار مصطفى عبدالجليل بشَر بذلك في إعلان "تحرير" البلاد؟
وفي ظل تنامي المد السلفي، حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بقصص نساء رفض سائقو سيارات الأجرة نقلهن لأنهن غير محجبات ومن دون محرم، وأخريات تعرضن للإهانة على هذه الخلفية مع أنهن كن في آليات تابعة لمراكز أعمالهن.

وأشارت منظمة "هيومان رايتس ووتش" في تقريرها لسنة 2013 عن "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بينها الاعتقال التعسفي والتعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز". وتشكو المحكمة الجنائية الدولية من قلة تعاون السلطات الليبية، وخصوصاً في ما يتعلق بمحاكمتي سيف الإسلام القذافي وعبدالله السنوسي. ولا يزال الفساد خطراً على الدولة الوليدة، واتهم رئيس المؤتمر الوطني العام محمد المقريف رئيس الوزراء السابق عبدالرحيم الكيب بإنفاق خمسة مليارات دولار لتأثيث مكاتب حكومية، مع العلم أن شباناً كثيرين يفتقدون دخلاً ثابتاً يهيئهم للاقتران بزوجة واحدة، لا اثنتين أو أكثر.

وفي المقابل، قرر المؤتمر الوطني العام العودة إلى الشعب لانتخاب أعضاء "لجنة الستين" التي ستضع الدستور الجديد، بعدما كان خيار تعيين الأعضاء هؤلاء وارداً بقوة. وهذه فرصة جديدة للمناهضين لتفشي التشدد الإسلامي لإسماع صوتهم في ما يُتوقع أن يكون معركة سياسية طاحنة. وللتذكير فإن انتخابات المؤتمر الوطني العام خذلت "الإخوان المسلمين" في مقاعد الأحزاب، وفاز إسلاميون بصفة فردية.
وفي بنغازي أمس تعهد المقريف إطلاق "مبادرة للحوار الوطني لإيجاد وفاق بين مختلف التيارات السياسية" واتخاذ قرارات جريئة "ترفع الظلم والجور عن المرأة الليبية".

الهاجس الأمني
بعد ستة أشهر من قرار الحكومة دمج الميليشيات بالجيش وقوى الأمن، يُعتقد أن مئة ألف مسلح لا يزالون منضوين في نحو ألفي ميليشيا، في مقابل 27 ألفاً صاروا يتبعون وزارة الداخلية. لكن المجلس الأعلى للأمن المكون من ميليشيات متعاونة مع الوزارة، تحوّل جهازاً أمنياً موازياً لها.
وكانت قناة "روسيا اليوم" بثت الأربعاء أن قوات ومعدات (120 آلية عسكرية) من إيطاليا وقطر دخلت ميناء النجيلة لمساعدة السلطات الليبية "إذا اندلع عنف في ذكرى الثورة".

ودور الدوحة المتعدد المظهر في ليبيا ليس خفياً، وهو منذ إطاحة النظام السابق يثير امتعاضاً متزايداً. لكن حضور روما في مستعمرتها السابقة استرعى الانتباه. وقال وزير الخارجية الإيطلي غويليو تيرزي في المؤتمر الوزاري الدولي لدعم ليبيا في مجالات الأمن والعدالة وسيادة القانون الذي استضافته باريس الثلثاء، إن لبلاده 35 مشروعاً أمنياً في ليبيا، في مقابل 36 لكل من فرنسا وبريطانيا. وأوضح أن إيطاليا تركز على الحدود الجنوبية لليبيا، وهي منطقة صحراوية تمتد على 4600 كيلومتر، وتعتبر الاستقرار الأمني في هذا البلد أولوية استراتيجية لأوروبا.
وأقر وزير الخارجية والتعاون الليبي محمد عبدالعزيز بتراخي الأمن الحدودي لبلاده، رافضاً بشدة وجود قوات دولية، مع العلم أن المؤتمر تبنى "نشراً سريعاً لخبراء أوروبيين" للمساهمة في بناء قوى الأمن الليبية في خطة تتطلب سنتين.

وتطرق المؤتمر إلى مخزون الأسلحة الليبية التي "لا تزال ترسانة كبيرة منها خارج سيطرة الحكومة وتمثل تهديداً مباشراً لأمن البلاد والمنطقة". ورأى محلل ليبي سألته "النهار" أن "أوراق المؤتمر لم تُكشف بعد. فالغرب قلق من اتساع نشاط تنظيم "القاعدة" في مالي وليبيا والجزائر، ويعتقد أن طرابلس لن تكون قادرة على حسم الصراع"، متوقعاً "فرض برنامج موحد للمواجهة قد يمس بسيادة بعض الدول".
أضف أن نجاح القوات الفرنسية في انتزاع شمال مالي من الإسلاميين المتشددين أدى إلى تسلل كثيرين من هؤلاء، عبر شرق النيجر وجنوب الجزائر، إلى جنوب ليبيا حيث لا يمكن الطائرات الفرنسية مطادرتهم. وثمة تقارير عن وصول بعضهم إلى دارفور بغرب السودان.

واستعادت مطبوعات ومراكز غربية بارزة نبرة التحذير من "عراق جديد" و"صومال على ضفاف المتوسط". ودعت "الكريستشن ساينس مونيتور" حلف شمال الأطلسي إلى إطلاق مهمة لتدريب حرس الحدود. وجاء في تقرير طويل لمركز "كارنيغي" أن واشنطن تركز على إنشاء قوة نخبة ليبية لمكافحة الإرهاب. وأورد موقع "ذا هيل"، وهو بمثابة صحيفة للكونغرس، أن مهمات الطائرات الأميركية من دون طيار في شرق ليبيا مستمرة منذ قتل ستيفنس، وأن الإدارة تدرس إقامة قاعدة في النيجر لتكثيفها، في استعادة لنهجها في منطقة القبائل بشمال غرب باكستان. ودعا إلى الحكمة حيال ليبيا، فالتجاهل خطأ، وكذلك اتخاذ قرار بقصف معسكرات المتشددين. وناشد وزير الخارجية جون كيري زيارة طرابلس لإطلاق برنامج تدريبي شامل.

ومع تسابق الأطراف الدوليين الذين تدخلوا عسكرياً لمواكبة الثورة، للعودة من باب التدريب العسكري، تُطرح تساؤلات عن الأثمان وحقيقة الأهداف. وكلنا يذكر الاتفاقات الأمنية لأفغانستان والعراق مع أميركا.
على رغم النقمة على العجز السياسي والأمني، لا يبدو أن ليبيا تشهد غلياناً كبيراً كما مصر وتونس. لا "ثورة ثانية" في "17 فبراير" والأيام التالية، وانما محاولات لـ"تصحيح المسار". ولكن هل هو مسار موحد لطرابلس وبنغازي، وماذا سيقول الدستور الجديد عن اللامركزية والإسلام وحقوق النساء؟