رام الله - محمد هواش فجرت استقالة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض وقبولها السريع تحديا جديدا امام الفلسطينيين، الى تحديات التهميش الآلي لقضيتهم في مسار التحول العربي المجهول الآفاق سياسيا واقتصاديا، ووضعت الاستقالة منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس امام استحقاق داخلي وخارجي كبير.
وجاءت الاستقالة مع محاولات واشنطن احياء عملية سلام مع الاسرائيليين وسعيها الى اقناع الافرقاء بالجلوس والتحدث والعمل معا لبعث الامل امكان التوصل الى "حل الدولتين" المستعصي والذي زاد استعصاء مع انهيار بيئة اقليمية وفرت لاسرائيل حجة اضافية لادامة احتلالها بحجة انها لا تستطيع تقديم تنازلات للفلسطينيين في بيئة اقليمية غير مستقرة.
ورأت واشنطن وحليفاتها الاوروبيات في سلام فياض شريكا للرئيس عباس في قيادة هذه المرحلة اذا ما تمسكت حركة المقاومة الاسلامية "حماس" بموقفها الرافض علنا لشروط الرباعية الدولية "نبذ العنف،الاعتراف باسرائيل والاتفاقات الدولية ". ورأت في استقالته امرا مؤسفا قد يعرقل محاولتها احياء المفاوضات مع تاكيدها القدرة على العمل مع فياض ومع غيره ايضا.
وفياض الذي عينه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وزيرا للمال في حكومة عباس تحت ضغط دولي لتوزيع صلاحياته على مؤسسات شفافة، قام بجهد مهني لتوحيد حسابات السلطة الفلسطينية ومنع تسرب المساعدات الدولية الى جهات فلسطينية بما فيها اجنحة عسكرية للفصائل، وحرر السلطة بالتعاون مع عرفات وعباس من تهمة خرق قوانين "مكافحة الارهاب" ماليا، وفكك قوانين احتكار السلطة مشاريع الاستثمار الكبرى وأوحد شركة اقتصادية مع القطاع الخاص، ووحد الاجهزة الامنية لاحقا في عهد رئاسة عباس وصار في عهده عنوان مالي وامني واحد للسلطة مكنها من معاودة ضخ الاموال الفلسطينية المجمدة لدى اسرائيل واجتذاب المساعدات الدولية.
لكن جهده الحقيقي المميز ظهر مع سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة، وتكليفه تأليف حكومة مقرها رام الله استطاعت ايفاء الديون الخارجية والداخلية للسلطة للقطاعين العام والخاص. وبفضل سياساته المالية والاقتصادية شهدت الضفة استقرارا اقتصاديا واجتماعيا نسبيا، كما استمر تقديم خدمات الصحة والتعليم في قطاع غزة. أضف انه هو من قدم اقتراحا الى حركة "حماس" لقبول مبدأ انهاء الانقسام من طريق تأليف حكومة كفايات وتوزيع صلاحيات الامن في غزة لـ"حماس" وفي الضفة لـ"فتح" وعدم انتظار دمجها كي تصير السلطة الفلسطينية موحدة برئيس وحكومة واحدة تتمكن من سحب ذريعة الانقسام امام الامم المتحدة كي تعترف بفلسطين دولة في مجلس الامن. وقد وافقت "حماس" على اقتراحه مما فتح الباب امام اتفاق الوحدة الوطنية في القاهرة وبعده اتفاق الدوحة لتأليف حكومة برئاسة عباس بعد تعثر المصالحة بحجة عدم التوافق على اسم رئيس حكومة الكفايات. وعرض اجراء انتخابات بمن وافق وحضر. بعد اعتراف الامم المتحدة بفلسطين دولة بصفة مراقب جمدت اسرائيل المستحقات الضريبية للفلسطينيين مما تسبب بأزمة حادة لم تتمكن السلطة طوال اشهر من الوفاء خلالها بالتزاماتها بما في ذلك رواتب موظفيها ، حتى بدت السلطة على شفا افلاس تام.
وقد أعدّ وزير المال نبيل قسيس موازنة تقشفية للسنة الجارية اثارت احتجاجات ومواجهات في الشارع سارع فياض الى رفضها، فاستقال قسيس ورفض عباس استقالته، فيما سارع فياض الى عقد اجتماع طارئ للحكومة وقبل الاستقالة، فطلب منه عباس التراجع عن قبولها، فوافق شرط ان يحلف قسيس اليمين من جديد، الامر الذي خلّف انطباعا انه يريد شركة سياسية مع عباس فثارت ثائرة "فتح" واتهمته بالمسؤولية عن الازمة الاقتصادية والتعاون مع واشنطن. والحقيقة ان فياض لا يريد لـ"فتح" ان تستولي على وزارة المال وتعطي اسبابا جديدة لمنع تدفق المساعدات العربية والدولية بحجة تسريب اموال عامة الى اركان الحركة ليصنعوا بها مراكز قوة شخصية او سياسية.
وقال امين سر المجلس الثوري لحركة "فتح" امين مقبول لـ"النهار": "فتح مرتاحة لاستقالة فياض وقبول الرئيس لها، لان فتح كان لها انتقادات لسياساته الاقتصادية والاجتماعية وحتى الادارية التي ادت الى كثير من الازمات والديون وافقار المواطن . وادار المال العام في غياب مجلس تشريعي وعندما جاء وزير مال جديد هو نبيل قسيس اختلف معه ورفض التزام سياسات مالية جديدة، مما يدل على انه تجاوز دوره في رئاسة حكومة تتبع سياسات الرئيس وتدخل في سياسة هي من اختصاص الرئيس وحده في النظام السياسي الفلسطيني، اضافة الى اختلافه مع الرئيس في الكثير من السياسات مثل التوجه الى الامم المتحدة وغير ذلك. وظهر بهذه السياسات واشادة الرئيس الاميركي باراك اوباما بسياساته كما لو انه رجل اميركا، مما أثار حفيظة فتح وجددت مطالبتها باقالته".
وقال النائب عن حركة "حماس" في الضفة الغربية ابرهيم دحبور لـ"النهار": "نرى في قبول الاستقالة ان عباس وفى بعهده بذل جهود لتحقيق المصالحة وازال فياض باعتباره عقبة امامها، وحقق بذلك هامش حركة واسعاً اذ ارضى عباس حركة فتح واسكت قادتها المعارضين لنهج فياض. كما ابقى قسيس من دون اعادته الى الوزارة. وقبل استقالة فياض وابقاه في منصبه لمدة قد تقصر وقد تطول. وهذا مرتبط بالخيارات الوطنية العامة. مع ذلك ففياض باستقالته القى الكرة في ملعب عباس فلم يعد مقررا لجدول الاعمال الوطني بل مسيرا للاعمال".
ولخّصت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حنان عشراوي الوضع لـ"النهار" بقولها: "ان فياض لم يعد قادراً على الاستمرار في رئاسة الحكومة وتحمل مسؤوليات بناء المؤسسة الفلسطينية بشفافية عالية وانقاذ النظام السياسي الفلسطيني من هيمنة المجموعات المسلحة على الحياة العامة الفلسطينية مع استمرار جهات في حركة فتح - حتى لا نقول كلها - توجيه انتقادات واتهامات تمس بولاءات وانتماءات ووطنية الرجل، مما حداه الى الاصرار على الاستقالة مع تفاهم مع الرئيس على ايجاد حل يحفظ لكل منهما مكانته. وجاءت في هذا السياق تسريبات عن طلب واشنطن عدم قبول استقالته للطعن في وطنيته. اعتقد ان بعض اتجاهات داخل فتح يستعد لتاليف حكومة فتحاوية ولا نعرف اذا كانت عودة الى نظام الحزب الواحد ام لا، وكم يستطيع فياض الاستمرار في تسيير الاعمال. هو غير مستعد الآن لقبول تكليفه تأليف حكومة جديدة. اعتقد ان خيارات الرئيس ابو مازن هي ثلاثة: ان يضغط على فياض للعودة عن الاستقالة وهو مستبعد. والثاني ان يؤلف حكومة برئاسته تكون مستعدة لانتخابات عامة اذا وافقت حماس، او يكلف شخصية اخرى تأليف حكومة جديدة اذا كانت لديه معطيات ان حماس لا تريد انتخابات ولا مصالحة".
|