Date: Apr 21, 2013
Source: جريدة الحياة
الجزائر: مواجهات بين متظاهرين والأمن في ذكرى «الربيع الأمازيغي» وأحزاب معارضة تحض الجيش على وقف «مهزلة تعديل الدستور»
الجزائر - عاطف قدادرة
شهدت احتفالات ذكرى «الربيع الأمازيغي» في الجزائر، أمس، مواجهات بين شرطة مكافحة الشغب ومتظاهرين خرجوا في مسيرات لإحياء الذكرى التي تصادف يوم 20 نيسان (أبريل) من كل سنة منذ 33 سنة حين شهدت منطقة القبائل تظاهرات عنيفة أصبحت لاحقاً مرجعاً تاريخياً للمنطقة في علاقتها بالسلطة.

وأفيد بأن مشادات وقعت أمس بين الشرطة والمتظاهرين في قلب مدينة البويرة (120 كلم شرق العاصمة) حين رفع بعض المتظاهرين مطلب إضفاء الطابع الرسمي على الأمازيغية، فيما رفض بعض آخر ممن ينتمي إلى ما يُعرف بـ «حركة الحكم الذاتي في القبائل» التي يقودها فرحات مهني مطلب استقلال المنطقة. ومُنعَ المتظاهرون في المدينة من محاولة تحطيم تمثال للأمير عبدالقادر الذي يُوصف بمؤسس الدولة الجزائرية الحديثة.

وعادة ما تشهد ذكرى «الربيع الأمازيغي» مشادات شبيهة بما حصل أمس، إذ يجدد ناشطو منطقة القبائل علاقتهم بالنضال من أجل القضية الأمازيغية. ويمثّل هذا التاريخ لحظة خروج طلبة تيزي وزو، عاصمة منطقة القبائل، إلى التظاهر في الشارع بعدما بلغهم قرار السلطات الولائية آنذاك بإلغاء محاضرة الأستاذ والمثقف مولود معمري. وكان هذا الرجل يحظى بالحب والاحترام من جموع السكان الأمازيغ، أما السلطة فقد تخوفت من أن تجمع الطلبة حول مدرج معمري للإصغاء إليه قد يثير حماسة أطراف أخرى من التيارات النقابية التي كانت تروّج آنذاك لمسيرة معارضة.

ويُنظر إلى ملف الأمازيغية منذ ذلك التاريخ ضمن قضايا الصف الأول. وتحاول الحكومة الجزائرية تفادي ظهور حساسيات جديدة إزاء اللغة الأمازيغية، وهي أعلنت عن تعميم تعليم اللغة الامازيغية في مجمل مؤسسات الطور الابتدائي في ولاية تيزي وزو (110 كلم شرق العاصمة) منذ ثلاث سنوات. وفي المقابل، تتحيّن أحزاب في المعارضة تُحسب على التيار الديموقراطي العلماني، الفرصة لمهاجمة أداء الحكومة حول هذا الملف.

وقال رئيس الحركة الشعبية الجزائرية عمارة بن يونس، أمس، إنه «تحقق الكثير من مطالب المناضلين في سبيل هذه القضية ومنها ترسيم اللغة الأمازيغية في الدستور والشروع في تدريس هذه اللغة في المدارس وغيرها»، مشيراً إلى «تواصل النضال السلمي في سبيل هذه القضية». أما زعيمة حزب العمّال لويزة حنون فقالت أمس: «نحن ندعو إلى دسترة الأمازيغية لغة رسمية وهو مطلب رفعناه وما زلنا نرفعه وهذا من شأنه إسقاط الكثير من الأقنعة».

ويُعاب على الحكومة اهتمامها المفرط بتعميم اللغة الأمازيغية في منطقة القبائل أكثر من غيرها. لكن خبراء حكوميين يطرحون إشكالية قلة الأساتذة المتخصصين في تدريس اللغة الأمازيغية. ولا يرقى مطلب تعميم تعليم الأمازيغية عبر الولايات الجزائرية إلى درجة الإشكال الخطير القادر على إفراز تهديدات تمس باستقرار الحكومة، لكن أصواتاً من هنا وهناك تتهمها بـ «إخلاف الوعد» إزاء مطالب الأمازيغ. ومنذ عام 2002 ترسمت اللغة الأمازيغية كلغة وطنية بقرار من الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الذي اصطدم في عامه الثاني في سدة الحكم (2001) بأكبر التظاهرات وأحداث العنف في قرى ومدن منطقة القبائل.

ويطالب حقوقيون من الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بضرورة حماية الأقليات واحترام التنوع اللغوي في الجزائر عبر مناطق القبائل، الأوراس وبني ميزاب، من طريق العمل على «ترقية اللغة الأمازيغية، باعتبارها لغة وطنية، تمتد جذورها عميقاً في تاريخ البلد، وليست مجرد تراث، أو قضية سياسية يتم توظيفها تبعاً لأجندة النظام والأحزاب».

ويتكتل مدافعون عن اللغة الأمازيغية ضمن تجمعات ثقافية وفكرية وسياسية، ويأخذون على عاتقهم الترويج للأمازيغية والضغط على الدوائر الحكومية.

وفي بجاية (300 كلم شرق العاصمة) يتولى مجموعة من المثقفين عمليات طباعة مستمرة لنسخ من كتب الأشعار باللغة الأمازيغية، ومنها ما هو مترجم ومنها ما جاء في اللغة الأم.

كما تدعم الحكومة بدورها الحضور الأمازيغي في الأعمال الفنية والسينمائية والمسرح والغناء والإعلام. وأطلقت قناة تلفزيونية برامجها باللغة الأمازيغية، في حين اختيرت ولاية تيزي وزو لاحتضان فعاليات مهرجان جديد عن الفيلم الأمازيغي، وذلك بصفة نهائية ودائمة، بعد أن كان المهرجان متنقلاً عبر الكثير من الولايات.

أحزاب معارضة تحض الجيش على وقف «مهزلة تعديل الدستور»

حضّت أحزاب معارضة تنضوي في تكتّل سياسي مناهض لتوجهات الحكومة الجزائرية، المؤسسة العسكرية على لعب دور في وقف ما سمّته «مهزلة تعديل الدستور». وسبّبت هذه الدعوة تململاً داخل هذا التكتل السياسي الحديث النشأة وأحرجت أحزاباً إسلامية ترفض الزج بالجيش في السياسة.

وانتقد رؤساء أحزاب وجمعيات ذات توجهات سياسية مختلفة (إسلامية ووطنية وعلمانية) مشروع تعديل الدستور خشية أن يقتصر على سيناريو تمديد فترة حكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة. ويتكتل 12 حزباً سياسياً معارضاً ضمن ما يعرف بـ «المجموعة الوطنية للدفاع عن السيادة الوطنية والذاكرة التاريخية» وهي قطب سياسي تشكّلَ على هامش زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند للجزائر في كانون الأول (ديسمبر) الماضي لكنه سرعان ما كشف عن أجندة سياسية تقف رافضة لتعديل الدستور والتمديد للرئيس الحالي.

وأطلقت الأحزاب المعارضة مبادرة ضمن وثيقة جاء فيها أنه «يتعين على المؤسسة العسكرية أن تتخذ موقفاً وطنياً وانحيازاً إلى الشعب، والمساعدة في وقف مهزلة لجنة تعديل الدستور وتأمين الانتقال السلمي للسلطة». لكن بعض الأحزاب ذات التمثيل الشعبي الكبير لم ترقها الدعوة في ما يبدو، ولذلك خلا البيان الختامي من هذا المطلب لكنه ورد على لسان قياديين سياسيين في التكتل الحزبي بشكل انفرادي. وأفيد بأن أبو جرة سلطاني زعيم حركة مجتمع السلم الإسلامية التي تشارك في هذا التكتل السياسي، اعترض على الجملة من باب أن حزبه يرفض الزج باسم المؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية لكنه فقط يدعوها إلى الحياد.

وشرحت زعيمة حزب «العدل والبيان» نعيمة صالحي موقفها من دعوة المؤسسة العسكرية إلى لعب دور في «أن تؤمّن مليونية شعبية في العاصمة ينظمها الشعب بتلقائية يطالب من خلالها هذا الأخير (الشعب) بوقف مهزلة لجنة تعديل الدستور بما تحمل هذه العملية من أضرار ومخاطر للبلاد والعباد ... وبمجرد أن نطمئن على أرواح الناس بحماية من المؤسسة العسكرية سنفاجئ العالم بأسره وسيسمع الشعب الجزائري صوته عالياً برفضه إهانته وطمس كرامته واغتصاب سيادته».

وطالب عبدالقادر مرباح رئيس «الحزب الجمهوري» المؤسسة العسكرية بالتدخل لإنقاذ البلد وحماية الوحدة الوطنية، وطالب الجيش برفع أي دعم من جانبه للرئيس بوتفليقة، وألا يلطخ نفسه في لعبة الانتخابات. أما أحمد قوراية رئيس «جبهة الشباب الديموقراطي» فقال «إننا نطالب الجيش بوضع حد للمهزلة السياسية والعبث السياسي» في الجزائر و«حماية البلاد والعباد من الذين يلحقون بهما الضرر».

ومن الصعب معرفة مدى «تلقائية» هذه الدعوة التي تحملها أحزاب كثيرة محسوبة على المعارضة في وقت تستعد البلاد لبدء المنافسة على الرئاسيات المقبلة، وغموض نيات الرئيس بوتفليقة في شأن ترك الحكم أم طلب التمديد لولاية رابعة. وهذه النقاشات يبدو أنها جعلت من ملف تعديل الدستور واجهة المعركة المقبلة.

وتطالب المعارضة بتعديل المادة 74 من الدستور التي تترك الباب مفتوحاً لرئيس الجمهورية ليترشح دون قيود لهذا المنصب من دون تحديد عدد الولايات الرئاسية. وعدّل بوتفليقة الدستور في العام 2008 بإلغاء تحديد الولايات الرئاسية باثنتين ليتمكن من الترشح لولاية ثالثة في 2009، لكنه لم يعلن إن كان سيترشح في 2014 لولاية رابعة.

وتقول مصادر كثيرة إن الدستور المقبل لن يحمل آلية لا لتمديد فترة حكم بوتفليقة ولا تجديدها، قياساً إلى عدم رغبة بوتفليقة في الترشح لولاية أخرى، وإن التعديل المقبل سيرتكز بالأساس على إنشاء منصب نائب رئيس للجمهورية.

وقال مصطفى بوشاشي الحقوقي والنائب البرلماني عن «جبهة القوى الاشتراكية» المعارضة لـ «الحياة»، أمس، إنه لا يعتقد أن «هناك نية حقيقية لتعديل الدستور ليكون تعبيراً عن إصلاحات وتطلعات الشعب الجزائري». وتابع أن كل «وعود الإصلاح كانت تراجعاً للخلف، وكلها كانت في خدمة النظام السياسي وليست في خدمة الجزائر والشعب والديموقراطية، فالطريقة التي تنتهجها السلطة لهذا التعديل أو إعادة النظر في الدستور لم تكن أبداً محل مشاورات شفافة والآلية التي وضعت للاستماع إلى الأحزاب السياسية والمجتمع المدني كانت مجرد آلية في يد الشخص الذي قام بتعيينها».