Date: Apr 26, 2013
Source: جريدة النهار اللبنانية
واشنطن تضع كل الخيارات على الطاولة بعد استخدام "محدود" للكيميائي في سوريا
النظام السوري يفتح حرب "الأوتوسترادات" لعزل المعارضين وغارات جوية على القصير وريف دمشق
واشنطن - هشام ملحم / العواصم الاخرى – الوكالات 
أعلن البيت الابيض أمس ان اجهزة الاستخبارات الاميركية  توصلت الى تقويم "بدرجات مختلفة من الثقة ان النظام السوري قد استخدم الاسلحة الكيميائية على نطاق محدود في سوريا، وتحديدا غاز السارين". وطالب الامم المتحدة باجراء "تحقيق شامل" لكشف الادلة التي تؤكد ما حدث. 

وهذه المرة الاولى تقول فيها الادارة الاميركية ان سوريا  استخدمت الاسلحة الكيمائية، بعدما سبقتها الى ذلك بريطانيا وفرنسا. وكان وزير الدفاع تشاك هيغل اول من تحدث عن ذلك خلال جولته الخارجية، وتبعه وزير الخارجية جون كيري الذي ابلغ اعضاء في الكونغرس هذا التطور.

واستخدام النظام السوري هذه الاسلحة المحظورة يعني انه  اجتاز "الخط الاحمر" الذي وضعه الرئيس الاميركي باراك اوباما للمرة الاولى في آب 2012 حين حذر من ان استخدام هذه الاسلحة سوف يشكل "خطأ خطيرا" وسوف يدفعه الى تغيير حساباته حيال النزاع في سوريا. ويرى عدد كبير من المراقبين ان استخدام الاسلحة الكيمائية  "على نطاق محدود" يعكس نمطا في التصعيد العسكري استخدمه النظام السوري في السابق لامتحان ردود فعل المجتمع الدولي، وذلك حين  استخدم سلاحه الجوي اول الامر على نطاق   محدود، وكثف من استخدامه عندما ادرك ان الغرب لن يفرض حظر طيران فوق سوريا، وكذلك في استخدامه الحذر والتدريجي لصواريخ "سكود".

وجاء في رسالة بعث بها البيت الابيض الى عدد من اعضاء مجلس الشيوخ بينهم رئيس لجنة القوات المسلحة  الديموقراطي كارل ليفن، والجمهوريان جون ماكين وليندزي غراهام، ان تقويم الاستخبارات كان مبنيا على "عينات فيزيولوجية" (تراب وشعر وغيرها). لكن الرسالة أوضحت ان البيت الابيض يريد ان يبني على هذه الادلة الاستخبارية الاولية من اجل التوصل "الى حقائق ذات صدقية ويمكن تأكيدها ". واوضحت الرسالة انه لا تزال ثمة مسائل عدة غير واضحة ، منها كيف استخدمت هذه الاسلحة ومن اصدر الاوامر وفي أي ظروف  استخدمت. واضافت الرسالة  التي وقعها مساعد الرئيس للشؤون التشريعية، ميغيل رودريغيز: "نحن نعتقد ان اي استخدام للاسلحة الكيمائية في سوريا من المرجح جدا ان يكون قد بدأ من النظام السوري. نحن نعتقد حتى الان ان نظام الاسد لا يزال مسيطرا على هذه الاسلحة وقد اظهر استعداده لتصعيد استخدامه المروع للعنف ضد الشعب السوري".

وكررت الرسالة ما قاله أوباما في السابق من أن استخدام الاسلحة الكيميائية يعني تجاوز خط أحمر، وأن هذا التحذير الاميركي قد نقل علنا وفي الاتصالات الخاصة الى حكومات عدة في العالم بينها النظام السوري. "وبما ان الرئيس يأخذ هذه المسألة بجدية بالغة، فان واجبنا يقضي باجراء تحقيق كامل في كل الادلة المتعلقة باستخدام الاسلحة الكيميائية داخل سوريا، ولهذا فاننا ندفع حاليا الى اجراء تحقيق شامل للأمم المتحدة يؤدي الى تقويم ذي صدقية للأدلة ولمعرفة حقيقة ما حدث". واشارت الى ان واشنطن تعمل مع حلفائها واصدقائها ومع المعارضة السورية لتبادل المعلومات الاضافية المتعلقة باستخدام هذه الاسلحة.

وفي اشارة ضمنية الى رغبة واشنطن في تفادي التسرع في اطلاق الاحكام كما حصل في الاشهر التي سبقت غزو العراق حين أكدت واشنطن آنذاك خطأ وجود أسلحة دمار شامل فيه، قالت الرسالة: "نظرا الى أهمية هذه المسألة وما تعلمناه من تجربتنا الاخيرة، فان التقويمات الاستخبارية وحدها ليست كافية، وحدها الحقائق المؤكدة وذات الصدقية هي التي توفر لنا مستوى من الثقة وهي التي سترشد صنع قراراتنا وتعزز قيادتنا للمجتمع الدولي".

وأكدت الرسالة ان الحكومة "مستعدة لجميع الحالات الطارئة بحيث ترد بشكل مناسب على أي استخدام مؤكد للأسلحة الكيميائية، بطريقة تتناسب مع مصالحنا القومية... ولدى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي عدد من الردود وكل الخيارات مطروحة على الطاولة"، في اشارة ضمنية الى الخيار العسكري.

وكانت واشنطن قد نشرت 150 عنصرا عسكريا وتقنيا في الاردن العام الماضي. وأخيرا زادت عددهم بنحو 200 عنصر. وثمة اتصالات مستمرة بين الولايات المتحدة والاردن وتركيا واسرائيل في شأن سبل التدخل في سوريا في حال استخدام الاسلحة الكيميائية او في حال وقوعها "في الأيدي الخطأ".

وكان هيغل أفاد ان تقويم الاستخبارات جاء في الساعات الـ24 الاخيرة، وقال انه سيقدم بعض الخيارات الى الرئيس أوباما، لكنه امتنع عن تأكيد كون النظام السوري اجتاز الخط الاحمر، واضاف: "نحتاج الى جمع الحقائق والمعلومات"، فثمة أشياء كثيرة غير معروفة منها "ما الذي استخدم وفي أي مكان، ومن استخدمه"؟

وفور كشف رسالة البيت الابيض، سارع السناتور جون ماكين الى القول إن الاسد قد اجتاز الخط الاحمر، ودعا الى تسليح المعارضة واقامة مناطق عازلة والى اتخاذ اجراءات نشيطة لضمان عدم وقوع الاسلحة الكيميائية في الايدي الخطأ. وأبدى عدد آخر من اعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين قلقهم من هذا التطوّر الخطير.

ومن المتوقع ان يتعرض الرئيس أوباما في الأيام والاسابيع المقبلة لضغوط متزايدة من الكونغرس ومن المعلقين والباحثين في مراكز الابحاث لاتخاذ مواقف أقوى للتعجيل في اطاحة نظام الاسد ويرى البعض انه اذا تردد كثيراً في التحرك، فإنه سيجازف بجعل الاسد يعتقد ان الولايات المتحدة لن تترجم تحذيراتها من ان استخدام الاسلحة الكيميائية سيغير "قواعد اللعبة" الى عمل عسكري ضد نظامه.

وفي وقت لاحق، قال مسؤول دفاعي اميركي ان الولايات المتحدة ليست على وشك شن عمل عسكري ضد النظام السوري.
وأعلنت وزارة الدفاع الاميركية "البنتاغون" أن رئيس هيئة الاركان الاميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي سيزور تركيا في الايام المقبلة لاجراء مشاورات مع المسؤولين الاتراك تتعلّق بالأزمة داخل سوريا.

بريطانيا

في لندن، قالت وزارة الخارجية البريطانية ان لديها معلومات تظهر أن أسلحة كيميائية استخدمت في سوريا ودعت الأسد الى التعاون مع الجهات الدولية لإثبات كونه لم يأمر باستخدامها.
وقال ناطق باسم الوزارة في بيان: "لدينا معلومات محدودة ولكن مقنعة من مصادر متعددة تظهر استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا ومنها غاز السارين. هذا أمر مقلق للغاية. استخدام الأسلحة الكيميائية جريمة حرب".
لكن الوزير المفوض في الحكومة البريطانية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا اليستر بيرت أكد أنه لا خطة دولية للتدخل عسكرياً في الأزمة السورية. 

الوضع الميداني
يرى خبراء ان النظام السوري أقدم خلال الفترة الاخيرة على تغيير استراتيجيته العسكرية، بفتحه "حرب الاوتوسترادات" من أجل السيطرة على محاور المرور الرئيسية في البلاد ومحاولة عزل المقاتلين المعارضين في ريف دمشق، عوض تشتيت قواه في كل مكان في مواجهة خصومه. ويعتمد النظام في هذه الاستراتيجية الجديدة على مسلحين موالين له يعرفون الارض تماماً وقد تدربوا طوال اشهر في ايران او روسيا، استناداً الى مصدر أمني سوري.

نسبت "وكالة الصحافة الفرنسية" الى مصدر أمني سوري أن "هناك تغييراً في الاستراتيجية. لا حرب بعد الآن منتشرة على كل الارض السورية ومن شأنها انهاك الجيش من دون اعطاء نتائج مقنعة. اليوم، مسرح العمليات الاساسي هو الطرق السريعة، من أجل السماح للجيش بالتنقل بسهولة بين المدن التي له وجود فيها".

وقال المصدر إنه "في محافظة حمص مثلاً، الاستيلاء على مدينة القصير يسمح بربط حمص بالساحل، بينما السيطرة على الرستن تؤمن الطريق بين حمص وحماه. اما استعادة معرة النعمان، المدينة الاستراتيجية في ادلب، فتربط حماه بحلب" في الشمال. واضاف: "هذه هي الاهداف الرئيسية اليوم. استعادة الرقة في الشمال لا يشكل اولوية".

وشاطر مدير "المرصد السوري لحقوق الانسان" رامي عبد الرحمن هذا الرأي، قائلاً "من درعا الى حلب ومن دمشق الى الساحل السوري، يسعى النظام الى السيطرة على الطرق الرئيسية من أجل فتح ممرات آمنة للقوات النظامية بين المناطق التي هو فيها، ومن أجل الايحاء للناس بانهم قادرون على التنقل لان الجيش يسيطر على الوضع".

وتدور منذ اسابيع معارك ضارية في ريف القصير بمحافظة حمص بين القوات النظامية يدعمها من "حزب الله" ومسلحي المعارضة الذين خسروا عدداً من القرى في المنطقة.
وتعتبر القصير مع مدينة الرستن من ابرز المواقع المتبقية لمسلحي المعارضة في ريف حمص.
ويقاتل الى جانب النظام ايضاً أفراد جيش الدفاع الوطني الذي انشأه النظام والذي يتألف من متطوعين، معظمهم من العلويين، يجري تدريبهم ليخوضوا خصوصاً حرب الشوارع والمدن.
وأوضح عبد الرحمن أنه "في السابق، كان هناك تخبط كبير داخل الجيش. اليوم، يبدو النظام مدركاً لصعوبة استعادة مدينة الرقة او محافظة دير الزور، فلا يشتت قواه في كل مكان، بل يختار اهدافاً محددة". وفي رأيه ان هدف النظام حالياً "الالتفاف على الثوار او عزلهم او تجميعهم في نقاط معينة وتوجيه ضربات محددة اليهم، بهدف احراز نقاط. حلت الخطط والعمليات المدروسة محل التدمير العشوائي".
وكان الرئيس السوري بشار الاسد كشف بنفسه خلال مقابلته اخيراً مع قناة "الاخبارية" السورية التلفزيونية وجود تغيير في الاداء العسكري.



غارات جوية  

وقتل عشرة اشخاص في غارات جوية على مدينة القصير، بعد ايام من استيلاء القوات النظامية على عدد من قرى ريف القصير متقدمة نحو المدينة التي تعتبر معقلاً لمقاتلي المعارضة.
وفيما تكثفت غارات الطائرات الحربية على ريف دمشق وريف ادلب والرقة وحلب والحسكة ودرعا، تحدث المرصد عن اشتباكات عنيفة في مدينة حماه حيث تمكن مسلحو المعارضة من الاستيلاء على مركز كانت تتجمع فيه القوات النظامية.

وقال في بريد الكتروني بعد ظهر أمس: "ارتفع الى عشرة عدد الشهداء الرجال الذين قضوا من جراء القصف بالطيران الحربي لمدينة القصير".
 وكانت المقاتلات شنت غارات منذ الصباح على مناطق في ريف دمشق ترافقت مع اشتباكات عنيفة على محاور مدينة داريا واطراف بلدة العبادة في الغوطة الشرقية، مع "انباء عن تقدم للقوات النظامية داخل اجزاء من البلدة".

وتمكنت القوات النظامية السورية من السيطرة على بلدة العتيبة في ريف دمشق التي قال المرصد انها "تفتح بوابة للنظام على الغوطة الشرقية" حيث يتجمع المقاتلون المعارضون باعداد كبيرة.
وشنت الطائرات الحربية والمروحيات أيضاً غارات على مناطق في مدينة معرة النعمان في ادلب وقرى محيطة بها، وعلى قرى في ريف درعا وريف الحسكة وريف حلب.

في محافظة الرقة، نفذت الطائرات الحربية غارة جوية على محيط معمل السكر في الريف، فيما تدور "اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية ومقاتلي الكتائب المقاتلة في محيط الفرقة 17" القريبة من مدينة الرقة.
في مدينة حماه، اشار المرصد منذ الصباح الى "ارتفاع وتيرة الاشتباكات بين القوات النظامية ومقاتلين من الكتائب المقاتلة في حي طريق حلب، والتي تسببت بمقتل خمسة مقاتلين معارضين وخمسة عناصر من القوات النظامية".

وفي وقت لاحق، تمكنت المجموعات المقاتلة المعارضة من السيطرة على "مدرسة ناصح علواني في حي طريق حلب التي تعد مركزاً لتجمع القوات النظامية اثر اشتباكات عنيفة استمرت ساعات".

تسلل من الاردن

وأوردت الوكالة العربية السورية للانباء "سانا" أن وحدات من القوات المسلحة أحبطت امس محاولة تسلل مجموعات مسلحة من الأراضي الأردنية عند بلدة تل شهاب فى ريف درعا على الحدود السورية - الأردنية المشتركة.
ونقلت عن مصدر مسؤول "أن مسلحين حاولوا دخول الأراضي السورية بواسطة 10 سيارات مزودة رشاشات ثقيلة ومحملة بالذخيرة والأسلحة قبل أن تقوم وحدات من القوات المسلحة السورية بالتصدي لهم والقضاء على عدد من المسلحين وإصابة آخرين ".

أسلحة كيميائية  

وطرح الوزير البريطاني لشؤون الشرق الاوسط اليستر بيرت بان بريطانيا وحلفاءها "مستعدون تماماً" للتعامل مع "تحديات" الأسلحة الكيميائية السورية اذا قرر النظام السوري استخدامها. وقال خلال مؤتمر صحافي في عمان: "ندرك تماما خطر الأسلحة الكيميائية السورية، بريطانيا وشركاؤها يدرسون بكثير من التأني طريقة التعامل مع اي حادثة". واضاف: "نواصل التأكيد للنظام السوري أن هذا الخط يجب ألا يتجاوزه، العواقب وخيمة جداً، لكن بريطانيا وشركاءها مستعدون تماما لمواجهة التحديات".