Date: May 19, 2013
Source: جريدة النهار اللبنانية
الحوار اليمني... بين الدولة الاسلامية والفيديرالية
صنعاء - أبو بكر عبدالله 
شكل الدولة الجديدة التي ينتظرها اليمنيون ضمن سيناريوات الحوار الوطني بدأ يفصح عن نفسه في الرؤى التي قدمتها القوى السياسية إلى مؤتمر الحوار الوطني ومال أكثرها إلى خيار الدولة الاتحادية الفيديرالية كضرورة سياسية للتعامل مع الاحتقان الحاصل في الجنوب ومفتاح لحل المشكلات الناجمة عن التسلط ومركزية الدولة المتسببة بأكثر الأزمات السياسية في البلاد وسط مشاريع متباينة تتبناها القوى الإسلامية ("الاخوان المسلمون" والحركات السلفية) بعضها يناهض خيار الفيديرالية، وأخرى تطالب بدولة إسلامية تحت أي نظام في إطار التوافق.

ويقول الامين العام لمؤتمر الحوار الوطني عوض بن مبارك، إن الاتجاه الغالب في المؤتمر يؤيد خيار الفيديرالية كفكرة عامة، في حين أن التفاصيل لا تزال موضع نقاش لدى مكونات الحوار الوطني التي يفترض أن تصل إلى توافق في شأن شكل الدولة والدستور الجديد.

وفي أروقة مؤتمر الحوار يثار جدل بين الأطراف السياسيين حول شكل الدولة في يمن ما بعد الثورة ويتصدره نقاش حول مشاريع غير معلنة رسميا لدى الأطراف الذين يمثلون "الإخوان المسلمين" والتيارات السلفية بتبني خيار الدولة الإسلامية التي تتيح حلولا لمشكلات اليمن بما في ذلك قضايا الديموقراطية والحريات والتبادل السلمي للسلطة. ومدى شهرين بحث المشاركون في الحوار الوطني ضمن عناوين كثيرة، المبادىء والأسس الدستورية لبناء الدولة، وهويتها ونظام الحكم فيها والنظام الانتخابي ومحددات الفصل بين السلطات والنظام الإداري، واتجاهات الدستور الجديد وأسسه، بعد دورات تعهدها خبراء دوليون من الأمم المتحدة والدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية، تلقى فيها المشاركون في الحوار معارف نظرية وتطبيقية حول الأنظمة الفيديرالية وتقاطعاتها وتجاربها وهيكل بناء الدولة وأسس الحكم الرشيد ومفاهيمه وآليات تداول السلطة والدستور.

الدولة الفيديرالية

وفاجأ الحزب الاشتراكي اليمني وهو من أكبر الاحزاب اليسارية المشاركين في الحوار بتقديم مشروع رؤية بناء الدولة كانت أشبه بدستور كامل، وتبنى فيها مشروعا للانتقال إلى الدولة الاتحادية الفيديرالية ودعا إلى اتخاذ تدابير اشتراعية ومؤسسية لهذه الغاية في مدة اقصاها خمس سنوات من تاريخ الاستفتاء على الدستور الجديد، كما دعا إلى إصدار تشريع يحدد عدد الأقاليم ويخضع للاستفتاء قبل تنفيذه.

ويقول القيادي في الحزب الاشتراكي حسن شكري إن رؤية حزبه اقترحت منح الأقاليم الأعضاء صلاحيات كاملة لممارسة السيادة على أراضيها ومياهها الإقليمية وتدبير الشؤون التي لا تختص بها هيئات الدولة المركزية.

واختارت رؤية الاشتراكي نظام الحكم البرلماني وحددت أربعة أركان هيئات الدولة العليا المركزية منها بالمجلس الأعلى للدولة المؤلف من ممثلي الأقاليم، والمجلس الوطني (مجلسي النواب والشورى) المنتخب وفق نظام القائمة النسبية، على أن ينتخب المجلس الوطني أعضاء المحكمة الدستورية والمحكمة الإدارية العليا، فيما يتولى مجلس النواب انتخاب رئيس الجمهورية ومساءلته ومباشرة إجراءات اعفائه من منصبه في حال الحنث باليمين وكذلك انتخاب رئيس الحكومة ومنحه الثقة وحجبها عنه. 

الدولة الإسلامية 

حزب التجمع اليمني للإصلاح وهو من أكبر الأحزاب الإسلامية، شدد في رؤيته لشكل الدولة على الهوية الاسلامية واعتماد الشريعة مصدراً لتشريعاتها، معتبرا أن ذلك لا يتعارض مع تأسيس دولة مدنية ديموقراطية عادلة ورشيدة، لأن الدولة الإسلامية من خلال واقعها التاريخي والفقهي كانت دولة مدنية لا تمت بصلة الى الدولة الدينية الكهنوتية.

وعلى رغم افصاح كثير منهم عن نموذج الدولة الإسلامية، لم يقدم الإسلاميون رؤيتهم للنظام السياسي وشكل الدولة ويؤكدون أن هذه المحاور تحددها النصوص الدستورية والقانونية التي سيتوافق عليها الجميع، في حين يكتفي بعضهم بالتشديد على مبادئ حق الانتخاب الحر والشفاف وحق محاسبة الحكام وسحب الثقة منهم. ويتوافق حزب الإصلاح الإسلامي مع مطالب الأحزاب السلفية المشاركة في الحوار على ضرورة أن يكون هناك توافق على عدم المساس بالمواد الثلاث الأولى للدستور اليمني النافذ، والتي تؤكد هوية اليمن دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة، والإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، وأن الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات. 

ويقول القيادي في حزب الإصلاح الإسلامي أحمد عطية إن المادة الثالثة من الدستور التي يطالب البعض بتغييرها، لم تكن سبباً لإنتاج أي مشكلة من المشاكل التي يعانيها اليمن حتى نطالب بتغييرها، كما أن وجودها لم يشكل عائقا اشتراعيا لمعالجة مختلف القضايا المعاصرة.
ويشير عطية إلى أن استمداد النظام القانوني في مجتمعنا اليمني من الإسلام كقانون أعلى تجذر في المجتمع واستقر في وجدانه فصار فيه الأساس الوحيد للشرعية، والمقياس المعتبر للمشروعية الصادرة عنه سيوفر الظروف الأكثر ملاءمة لتحقيق مبدأ سيادة القانون.

شباب الثورة

التيارات الشبابية الثورية تبدو منقسمة في موضوع شكل الدولة بين خيار التيارين الإسلامي والليبرالي، فيما يذهب المستقلون إلى تأكيد الحاجة الى نموذج يلبي مطالب إصلاح النظام السياسي ويحل معضلات المشاركة السياسية والنظام الانتخابي وآليات الحكم الرشيد والنزاهة والمحاسبة، وهي القضايا التي كانت لعقود موضع صراع بين النظام السابق والقوى السياسية وتصدرت مطالب "ثورة فبراير الشبابية" 2011.