Date: Jul 29, 2013
Source: جريدة النهار اللبنانية
تجربة "تمرّد" المصرية تُلهم الحركات المعارضة في بلدان عربية والاغتيالات في تونس وليبيا تؤجّج النقمة على الإسلاميين
سوسن أبوظهر
كما شكل "الربيع العربي" سبحة من الثورات أطاحت أنظمة وزلزلت أخرى، بدا شعار "تمرد" فرصة لتصحيح المسار ولو لامسَ حدود الانقلاب. وبعدما تلت مصر تونس في التغيير الثوري، سارعت تونس إلى اقتباس تجربة "30 يونيو". ففي البلدين تعثر الحكمان الإسلاميان، وإن بدرجات مختلفة.
 
في البحرين وليبيا والمغرب والسودان والأراضي الفلسطينية دعوات إلى "تمرد"، باشرت جمع التواقيع وتحديد مواعيد التحركات الشعبية. وفي تونس كان المشهد مماثلاً قبل أن يعجل اغتيال المعارض محمد البراهمي في وتيرة الأحداث بطريقة لم تتوقعها المعارضة نفسها.

كان هدف "تمرد" بلوغ مليوني توقيع، أي ما يوازي عدد الذين أعطوا أصواتهم للائتلاف الحاكم الذي تقوده حركة "النهضة" الإسلامية. وحتى 20 تموز جُمع نحو 900 ألف منها. والهدف إطاحة المجلس الوطني التأسيسي والهيئات المنبثقة منه، بما فيها الحكومة والرئاسة، وإقامة حكومة إنقاذ وطني والإسراع في تنظيم انتخابات. وتحدث أحد مؤسسي الحركة محمد بنور إلى صحيفة "البيان" الإماراتية عن "محاولات شرسة جداً" لاختراقها من "جهات تنتمي إلى النظام السابق ومتحالفة مع حركة النهضة".

وفي المقابل، تناقلت مواقع تونسية نبأ توقيف "مجموعة من الإماراتيين يقومون بتوجيه الحركة وتمويلها ومعاونتها". وقال رئيس الوزراء علي العريض إن "تمرد استنساخ واستيراد لشكل أجنبي مشبوه".

مهما يكن من أمر، فإن الرصاصات الـ14 التي اخترقت جسد البراهمي، النائب الداعم لـ"تمرد"، اليساري العروبي، ابن سيدي بوزيد، أعادت الغضب إلى ميادين تونس التي لم تتعاف بعد من صدمة اغتيال المعارض شكري بلعيد.

الأزمة السياسة تتسع، فالمجلس التأسيسي يكاد يتآكل تحت وطأة تجميد عشرات الأعضاء عضوياتهم. والانكشاف الأمني أكبر من أن تختصره وزارة الداخلية بتدفق السلاح الليبي الى جماعة "أنصار الشريعة" المتشددة، أو أن تلقى تبعته على "تكفيريين" اتهموا باغتيال بلعيد والبراهمي.

البلاد تقارب التمرد الذي يتجاوز بكثير جمع التواقيع. فقد لف الإضراب العام المختلط بالحداد والدعوات الى العصيان المدني مدناً عدة. وأُحرقت مقار لـ"النهضة" وطُرد ولاة من أنصارها. وتكتلت المعارضة في "جبهة إنقاذ". ألا تذكر التسمية بما عاشته مصر، وكذلك خروج إسلاميين تونسيين للتنديد بـ"الانقلاب"؟ لكن أي انقلاب، ولا عسكري يطلب تفويضاً شعبياً مثل الفريق أول عبدالفتاح السيسي، ولا رئيس عُزل؟

على هذه الخلفية، قالت الباحثة والأستاذة الجامعية آمال قرامي لـ"النهار" إن "استمرار الاغتيالات متوقع مع اتساع الاستقطاب الحاد بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، وارتباك الحكومة والمجلس التأسيسي المنقسم بعد حملة "تمرد" وسقوط حكم "الإخوان المسلمين" في مصر".




 
ليبيا: الترويع بالاغتيالات
وفي ليبيا ليس الوضع أفضل. ولم تعد الاغتيالات تستهدف أنصار النظام السابق بل عسكريين ومعارضين للإسلاميين.
الجمعة كان يوماً حزيناً. اغتيل المحامي عبدالسلام المسماري، أحد أوائل المنضمين إلى "ثورة "1 فبراير" المعروف بمناهضته لـ"الإخوان المسلمين" ورفضه لقانون العزل الذي أقصى غير الإسلاميين بحجة إبعاد الطاقم السياسي والإداري الذي رافق عهد معمر القذافي. ومثله كان مصير العقيدين في سلاح الجو سالم السراج والشرطة عبدالرحيم الزوي. قتلوا على أبواب مساجد في بنغازي. وفي طرابلس اغتال مجهولون المسؤول في مجلس الوزراء محمد المسلاتي.
وأقرت الحكومة بعجزها وطلبت محققين جنائيين دوليين في اغتيال المسماري. وعم الغضب بنغازي بعد فرار مطلوبين خطيرين من سجن الكويفية، ودعا متظاهرون إلى انتخابات مبكرة. وطالب شباب مدينة البيضاء بمجلس عسكري يتولى الحكم. وأعاد الناشطون في طرابلس تجمعاتهم إلى ميدان الشهداء، الساحة الخضراء سابقاً. وكان أنصار "الإخوان المسلمين" وضعوا هناك نعوشاً فارغة ونصبوا خيمتين لـ"ترويع المعارضة"، على ما قالت ناشطة لـ"النهار". وليل الجمعة - السبت أعلن شبان "تحرير الميدان وحرق خيمة إخوانية". وتداولوا صور مهاجمة مقار حزب العدالة والبناء المنبثق من "الإخوان".
وكما في تونس، خرجت "تمرد" من فضاء "الفايسبوك". فهناك صفحات لحركتي "رفض" التي انقسمت اثنتين، و"تمرد ليبيا الجديدة لإسقاط الأحزاب". وراوحت المطالب بين حل الميليشيات وبناء جيش وشرطة، وإبدال قانون العزل بالمحاسبة القضائية، وإطاحة المؤتمر الوطني العام.
وكانت حركة "رفض" تسعى إلى جمع مليون توقيع تمهيداً للتظاهر في 20 آب، الذكرى الثانية لتحرير طرابلس، أو 23 تشرين الأول، يوم إعلان التحرير. لكن هذين الموعدين البعيدين سقطا على أرض الواقع. أضف أن 20 آب 2011 صادف العشرين من رمضان. والعام الماضي دار جدل حول اعتماد موعد ثابت، 20 آب، لإحياء المناسبة، أو آخر متحرك هو 20 رمضان. وهذا التاريخ يصادف اليوم. ولم تستبعد الناشطة التي تحدثت معها "النهار" اتساع رقعة العنف "في ظل عدم وجود جيش يستطيع حماية تظاهرات كبيرة"، أضف أن "غياب المؤسسة العسكرية يجعل استيراد التجربة المصرية عبثاً ومراهقة سياسية".
 
بلدان أخرى
وفي البحرين ولدت "عاصفة التمرد" من رحم "ائتلاف 14 فبراير". وموعد خروجها إلى الشارع هو 14 آب، الذكرى الـ42 للاستقلال، للمطالبة بانتخابات نزيهة وقيام مجلس تأسيسي يضع دستوراً جديداً.
ورحبت بها حركتا الوفاق الوطني الإسلامية و"وعد" بزعامة المعارض الموقوف حسن مشيمع. لكن صحيفة "أخبار الخليج" الحكومية أوردت أن "الوفاق" اختلفت مع أنصار مشيمع والمعارضَين عبدالهادي خواجة وعبدالوهاب حسين على قيادة "عاصفة التمرد".
في كل الأحوال، فرض تاريخ 14 آب نفسه، وتلقت الإدارات العامة والبلديات أوامر برفض الإجازات طوال الشهر المقبل. وحذرت وزارة الداخلية المواطنين من الاستجابة لـ"الدعوات التحريضية لقلب النظام".
الموعد في المغرب هو 17 آب احتجاجاً على الغلاء وللمطالبة بإسقاط الحكومة الائتلافية بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي. وسألت "النهار" الناشط الحقوقي عزيز إيدامين عن "حركة تمرد المغرب – قهرتونا"، فقال إنها "نسخة هجينة من التجربة المصرية" و"دمية يحركها رموز الفساد ويقف وراءها أشخاص نافذون يستغلون الشارع لتصفية حساباتهم مع (رئيس الوزراء عبدالإله) بنكيران". وإذا كانت "20 فبراير" التي قامت عام 2011 لا تزال تطالب بملكية برلمانية، فإنها "ضعفت جداً". والمطلوب، في رأي إيدامين، حركة مستقلة جديدة برؤية واضحة وأهداف محددة، وأن "يتحقق التغيير من داخل الإصلاح، وبلا قطرة دم واحدة".
وفي السودان جُمع 820 ألف توقيع على "تذكرة التحرير" المطالبة بإسقاط النظام والمدعومة من حزب الأمة المعارض.
أما في قطاع غزة، فصرخة "تمرد" تستهدف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" رفضاً لـ"الزج باسم المقاومة في استنزاف الشعب"، فلا كهرباء ولا غاز ولا وقود.
حتى سوريا المتخبطة في أزمتها الدامية لم تسلم من "تمرد"، فطالبت مجموعة بالتخلص من "المعارضة السياسية الفاشلة"...
قد تكون "تمرد" الأم حققت هدفها في مصر بإطاحة نظام "الإخوان المسلمين". لكن أنصار الحُكم المصري السابق أو "الفلول" تسلقوها للانتقام، وتلطخ النجاح بالكثير من الدماء وقت يزداد جنوح الميادين المتواجهة الى الاقتتال. الدماء تسيل أيضاً في تونس وليبيا. وثورات "الربيع العربي" سقطت أو تكاد في قبضة التشدد، والأحزاب الإسلامية تتشبث بشراسة بالحكم بعد عقود من الإقصاء. فلمن تكون الكلمة الفصل؟