WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Nov 19, 2010
Author: Amr Hamzaoui
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
مصر: تشوهات الحياة السياسية كما تظهرها البرامج الانتخابية

كلما اقتربنا من موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في 28 من الشهر الجاري، كلما تبينا كمواطنين مصريين مدى التشوه الذي أصاب حياتنا السياسية. خلال الأيام القليلة الماضية قدم لنا الحزب الوطني الحاكم بصراعات مرشحيه المعتمدين ومستبعَديه، وبعبثية دفعه بأكثر من مرشح على المقعد الانتخابي الواحد، دليلا قاطعا على استمرار تشوهه التنظيمي وإخفاق مساعي التحديث التي قادتها أمانته العامة وأمانة السياسات في تحويله حزباً سياسياً طبيعياً وليس مجرد حزب الحكومة أو حزب الدولة المعتمد على هذه الرابطة للبقاء ولجذب الأعضاء. فالحزب السياسي الطبيعي ينافس مرشحوه في الانتخابات مرشحي الأحزاب الأخرى وليس بعضهم البعض، والحزب السياسي الطبيعي به من التوافق الداخلي على "المبادئ" و"الأهداف" ما يكفي لاختيار مرشح واحد لكل مقعد انتخابي واحتواء إحباطات من رغبوا في الترشح ولم يرشحوا من أعضائه دون إعلان هؤلاء التمرد والعصيان ودعم مرشحي المعارضة ضد مرشحي حزبهم!


كذلك خرجت علينا الأحزاب والحركات المشاركة في الانتخابات خلال الأيام القليلة الماضية ببرامجها الانتخابية، وتلك يعتريها أيضا الكثير من التشوه والنواقص. المفترض في برامج الأحزاب الانتخابية، في حياة سياسية تعددية وتنافسية، أن تقدم للناخبين وللرأي العام إجابات واضحة على سؤالين رئيسين: ما الذي يريد الحزب المعني تحقيقه لمصر على مختلف الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إذا ما فاز في الانتخابات وكيف سيضع هذه الرؤية موضع التنفيذ (السياسات العامة المقترحة)؟ ولماذا ينبغي على الناخبين منح الثقة للحزب المعني وتفضيله على بقية الأحزاب والحركات المشاركة في الانتخابات؟ ولماذا يتعين عليهم تأييد رؤيته مقارنة برؤى الآخرين؟
ويضاف إلى هذين السؤالين في البرامج الانتخابية للأحزاب الحاكمة تقديم كشف حساب لأداء الحزب ورصد لنجاحات سياساته العامة وسبل التغلب على عثراتها في المستقبل، وفي برامج المعارضة محاسبة الحزب الحاكم بهدف كشف إخفاقاته أمام الناخبين وإقناعهم بأن المعارضة هي الأقدر على إصلاح أحوال البلاد والعباد. أما في مصر، وفي ظل حياة سياسية شوهها غياب إمكان تداول السلطة وانتخابات يعلم الجميع سلفا أن نتائجها لن تغير من هيمنة الحزب الوطني على مجلس الشعب، فتبتعد البرامج الانتخابية كثيرا عن مقاربات كهذه.


نعم يحوي البرنامج الانتخابي للحزب الوطني تذكيرا بوعوده للناخبين في 2005 وعرضا منظما (كثير البيانات والأرقام) لإنجازات حكومته خلال الأعوام الخمسة الماضية وصياغة مفصلة للسياسات العامة المراد تنفيذها في الأعوام المقبلة وللأهداف التنموية المأمول تحقيقها. الشق الأكبر من البرنامج يتناول المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسة كالفقر والبطالة وسياسات التشغيل والرعاية الصحية ونظم المعاشات والتأمينات والدعم الحكومي ويقترح الكثير من السياسات للتغلب عليها، ولا شك في أن التركيز على الاقتصادي والاجتماعي دليل نضج تنظيمي وسياسي داخل الحزب. إلا أن برنامج الوطني يظهر أيضا العديد من التشوهات المرتبطة بوضعية الحزب كحزب الحكومة الدائم والمهيمن دون منازعة على مجلس الشعب.


البرنامج لا يشي على الإطلاق بأي قلق أو شك (هو اعتيادي وطبيعي في حالة الأحزاب الفاعلة في بيئات تنافسية) يساور قيادات الحزب وأطره التنظيمية بشأن إمكان خسارة الغالبية البرلمانية أو احتمالية أن تفرض عليهم نتائج الانتخابات الائتلاف مع حزب آخر لتشكيل الحكومة، فتلك حسابات ومعادلات لا محل لها من الإعراب لدى السلطوية المصرية. ومن ثم تأتي صياغة البرنامج الانتخابي كبرنامج للحكم سيشرع في تنفيذه بعد الانتخابات دون مواءمات مع أحزاب أخرى أو تعديلات قد تستدعيها مفاجأة انتخابية ما.


كذلك تغيب عن برنامج الوطني ملامح التعامل النقدي مع أداء الحزب وحكومته خلال الأعوام الماضية ويغلب عليه الطابع الاحتفالي والتفاخري. عندما تخرج الأحزاب الحاكمة الفاعلة في بيئات تنافسية على الرأي العام بكشف حساب قبل الانتخابات الجديدة فإنها عادة ما تمارس شيئاً من النقد الذاتي وتشير إلى ما تعتزم تطويره وإصلاحه إن حازت قبول الناخبين مرة أخرى. أما لدى الحزب الوطني، فيستحيل كشف الحساب النقدي خطاب إنجاز أحادياً ومبسطاً تتناقض احتفاليته مع واقع المصريين المأزوم اقتصاديا واجتماعيا. ولم يشذ عن قاعدة غياب النقد الذاتي عن البرنامج إلا إشارة متفردة للفساد الإداري وتداعياته المعوقة للتنمية وحتمية الحد منه.


ثم تكتمل تشوهات برنامج الحزب الوطني بصمته المطبق عن قضايا الإصلاح السياسي، والتي كان الحزب قد أفرد لها حيزا كبيرا في برنامجه في انتخابات 2005. لا حديث في برنامج 2010 عن قانون الطوارئ المرجو إلغائه ولا عن تعديل لنظام الانتخاب يراد منه دعم الأحزاب الرسمية ولا عن تعديلات قانونية وإجرائية مبتغاها رفع معدلات مشاركة المواطنين السياسية. مصدر التشوه هنا هو أن الوطني يتعامل مع الإصلاح السياسي وكأنه بات دهرا منسيا، وكأنه أصبح في عداد الملفات المحسومة ولم يعد بالتبعية يستحق الطرح في البرنامج الانتخابي أو العرض على الناخبين، وفي هذا تحايل مكشوف على السلطوية المستمرة للحياة السياسية وتجاهل تام لمطالب المعارضة وقطاع واسع من الرأي العام المتعلقة بضرورة إدخال إصلاحات جوهرية.


أما برنامج جماعة الإخوان المسلمين فلا يحمل جديدا يذكر، بل يكرر صياغات وأفكار ومقترحات برنامج 2005 وبرنامج حزب الإخوان الذي كان قد أعلن في 2007. تعالج الجماعة في البرنامج وبشيء من التفصيل أزمات مصر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتنتقد أداء حكومة الحزب الوطني وتدعو للتغيير لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والديموقراطية، إلا أنها تعجز عن اقتراح سياسات بديلة للسياسات الحكومية وتكتفي بعموميات خطابية أو بتحليلات غير موثقة. كذلك يشير تمسك الجماعة بالإسلام هو الحل كعنوان للبرنامج، على الرغم من تعارضه مع الحظر القانوني لتوظيف الشعارات الدينية في الحملات الانتخابية والذي أكدت عليه اللجنة العليا للانتخابات ويدعمه الحظر الدستوري للنشاط السياسي المستند إلى مرجعية دينية، إلى تشوه خطير آخر يرتبط بنزوع الجماعة للتعاطي باستخفاف مع الإطار الدستوري والقانوني الناظم للانتخابات وللحملات الانتخابية.


وكما يتحايل الحزب الوطني على السلطوية المستمرة بالصمت عن الإصلاح السياسي، يتحايل الإخوان على مقاربتهم التمييزية إزاء المواطنين الأقباط والمنتقصة من حقوقهم السياسية باستبعادهم من مناصب الدولة الكبرى وعلى دعوتهم (في برنامج حزب الإخوان 2007) لتشكيل مجلس منتخب من علماء الدين للرقابة على التشريعات والقوانين بتهميش الأمرين في برنامج 2010 وكأنهما اختفيا أو انتفت أهميتهما. فلا تناول مفصلاً في البرنامج للحقوق السياسية للمواطنين المسلمين والأقباط (كما اعتادت الجماعة في الآونة الأخيرة) بل تأكيد فضفاض على المساواة بينهم بالصياغات الدينية المعتادة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) لا يرقى إلى مقام إسقاط المقاربة التمييزية، وصمت تام عن الدعوة للجنة علماء الدين عوضا عن إعلان التراجع عنها.


وما يقال عن برنامج الإخوان بشأن ضعف مقترحات السياسات البديلة والاكتفاء بنقد سياسات الوطني ونتائجها وغياب النقد الذاتي، ينطبق على برامج بقية الأحزاب والحركات، كبيرها وصغيرها.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Articles for the same author
Copyright 2026 . All rights reserved