بدا الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أكثر تصميماً في موقفه من سوريا، في مواجهة التهديدات التي وجهها الرئيس السوري بشار الاسد لفرنسا في حديثه الاثنين الى صحيفة "الفيغارو" والتي رأى خبراء أنها ستترجم اعتداءات على السفارات الفرنسية أو الرعايا الفرنسيين في الشرق الاوسط وخصوصاً في لبنان. جدد الرئيس الفرنسي في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الالماني يواكيم غلوك في الاليزيه دعوته الى "تحالف دولي واسع" للتدخل عسكرياً في سوريا و"معاقبة" الجريمة الكيميائية التي حصلت في 21 آب والتي باتت "مؤكدة". وقال إن "الادلة موجودة ولا يمكن أحدا أن ينكرها. حصل استخدام للأسلحة الكيميائية... نعرف أن الحي الذي استهدف تسيطر عليه المعارضة"، وأن "الغاز المستخدم هو على الارجح السارين". وأضاف: "عندما تحصل مجزرة بالكيميائي، وعندما يعلم العالم بالامر وعندما تقدم الادلة والجهة المسؤولة عنه معروفة، عندها يجب ان يكون هناك رد. هذا الرد متوقع من الاسرة الدولية".
وشدد هولاند على أن "تصميمه تعزز" بعد التهديدات التي وجهها الأسد في حديثه الى "الفيغارو". وقال إن"الفارق بين ديموقراطية وديكتاتورية هي أنه في الاولى يمكن ديكتاتورا أن يعبر عن رأيه في صحيفة، بما فيه اهانة زعمائها والنطق بأكاذيب، وتحديدا في شأن الكيميائي، والادعاء أنه لا يملك مخزوناً منه، وتهديد الشعب الفرنسي... من كان يشكك في نيات بشار الاسد لم يعد لديه أي شك".
وكان الاسد حذر في حديثه الى الصحيفة الفرنسية من "حرب اقليمية" اذا تعرضت بلاده لعمل عسكري غربي، كما حذر باريس من "انعكاساته السلبية على مصالح فرنسا".
ومع ذلك، أقر هولاند أن "فرنسا لا تستطيع التدخل وحدها"، الامر الذي يعني أنه مضطر الى انتظار التاسع من أيلول، موعد تصويت الكونغرس الاميركي على ضربة لسوريا. وقال: "قرر باراك أوباما أنها وسيلة لدعم قراره. لذا أنتظر النتيجة التي ستكون لها تبعات على التحالف الذي سنشكله"، فاذا كان تصويت الكونغرس ايجابياً ، يمكن حصول تدخل مشترك مع الاميركيين "أما اذا لم يحصل ذلك، فلن تتدخل فرنسا وحدها وإنما ستتحمل مسؤولياتها بدعم المعارضة الديموقراطية في سوريا من أجل تحضير رد".
وبذلك، رهن هولاند استراتيجيته بموقف الاميركيين، وقال: "سأخاطب الفرنسيين عندما تتوافر في يدي كل العناصر".
الى ذلك، لم يستبعد وزير العلاقات مع البرلمان الان فيداليس استجابة الطلب الملح للمعارضة الفرنسية لطرح المشاركة الفرنسية في ضربة لسوريا على التصويت في الجمعية الوطنية، ملمحا الى أن ذلك لن يحصل الا بعد تصويت الكونغرس الاميركي.
وفيما تبدو فرنسا الوحيدة في اوروبا المتحمسة للمشاركة في ضربة عسكرية لسوريا، حض هولاند الاتحاد الاوروبي على اتخاذ موقف موحد من الملف السوري، معربا عن ثقته بأنها "ستفعل ذلك".
لكن أقرب حلفاء فرنسا مثل بلجيكا نأوا بأنفسهم حتى الان عن الموقف الفرنسي المؤيد لرد قوي ضد سوريا.
ويتوقع ان يعقد اجتماع لوزراء الخارجية الاوروبيين السبت في فيلنيوس، الامر الذي يوفر لهم فرصة لتقريب وجهات النظر.
وعلق الرئيس الالماني: "من غير المحتمل ان يتصرف ديكتاتور من دون عقاب وان يكسر هذه المحرمات من دون عواقب... في الامكان التوصل الى اتفاق دولي على الرد المناسب". تهديدات وفي مقابل الحزم الذي أبداه هولاند في مواجهة الاسد، يرى عدد من الخبراء ان التهديدات التي وجهها الرئيس السوري ستترجم باعتداءات على السفارات الفرنسية او الرعايا الفرنسيين في الشرق الاوسط ، وخصوصاً في لبنان.
وقال خبراء لـ"وكالة الصحافة الفرنسية "ان نظام دمشق لم يعد يملك الوسائل اللوجستية التي تتيح له تنفيذ اعتداءات في الاراضي الفرنسية، لكنه يستطيع أن يستهدف مصالح او رعايا فرنسيين في لبنان بواسطة مجموعات مثل "حزب الله".
ونسبت الوكالة الى مصدر ديبلوماسي فرنسي ان الخطر الرئيسي يكمن في لبنان، حيث نحو الفي فرنسي و20 الف لبناني يحملون الجنسية الفرنسية، وخصوصاً على المنشآت الديبلوماسية والقوة الموقتة للامم المتحدة في لبنان "اليونيفيل" والمدارس والمراكز الثقافية الفرنسية.
وردا على سؤال هل تعزز باريس الاجراءات الامنية المتعلقة بحماية الرعايا الفرنسيين بعد تهديدات الاسد، قالت وزارة الخارجية الفرنسية ان ذلك "يجري في شكل دائم في كل أنحاء العالم وفقا لتطورات الموقف".
وصرح الناطق باسم الوزارة فيليب لاليو بانه بعد اعتداءات لبنان، في مدينة طرابلس في 23 آب وفي بيروت في 9 تموز و15 آب "تقرر تعزيز اليقظة في كل الاراضي اللبنانية".
وفي موقع "نصائح للمسافرين" التابع للوزارة، بات الجزء الغربي من الاراضي اللبنانية "يحمل اللون البرتقالي وينصح بعدم التوجه اليه الا لاسباب ضرورية". اما بقية مناطق البلاد فهي باللون الاحمر اي "لا ينصح اطلاقا" بالذهاب اليها.
واوضح لاليو انه "لا ينصح اطلاقا بالتوجه الى المناطق الحدودية للبلاد، من صيدا الى جنوب بيروت، فهذه المناطق تحمل اللون الاحمر على خرائط الموقع". ولا يشير الموقع الالكتروني لوزارة الخارجية مباشرة الى تهديدات من سوريا.
واعتبر فريديريك غالوا المسؤول السابق في "غاليس سيكيوريتي" الشركة المتخصصة في ادارة المخاطر التي تواجه المؤسسات الفرنسية في الخارج، ان "تصريحات الاسد تشكل بوضوح تهديدا باعتداء بسيارة مفخخة يستهدف مبنى ديبلوماسيا فرنسيا او قافلة لليونيفيل".
وقال لويس كابريولي الذي كان مكلفا فترة طويلة مكافحة الارهاب في ادارة مراقبة الاراضي (الامن الداخلي) ان "التهديد الاقليمي الوحيد يتمثل في "حزب الله". ولفت الى ان "السوريين اعتبروا دوما لبنان قاعدتهم الخلفية، خصوصا انهم يستطيعون الاعتماد على حزب الله". وتخوف من ان يستهدف الحزب الجنود الفرنسيين العاملين في "اليونيفيل".
الا ان الرئيس السابق لجهاز امني قلل تأثير تصريحات الاسد، قائلا ان "الاسد يرفع الصوت لكنه لم يفعل شيئا بعد الغارة الاسرائيلية التي استهدفت قبل اسبوعين موقعا لمجموعة فلسطينية قريبة من النظام في جنوب لبنان". ومع ذلك، اضاف: "لا شيء يمنع الرئيس السوري من مهاجمة الجنود الفرنسيين في القوة الدولية من خلال حزب الله".
|