موناليزا فريحة "البيان الرقم واحد" الذي أصدرته مجموعات بارزة تقاتل نظام الرئيس السوري بشار الاسد، أثار تساؤلات عن توقيت وأبعاد قرارها رفض الاعتراف بـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" وتأليف إطار جديد يضم "جبهة النصرة" المرتبطة بتنظيم "القاعدة". 13 مجموعة مقاتلة، تتقدمها "جبهة النصرة"، وثلاث منها كانت منضوية تحت لواء هيئة الاركان العامة لـ"لجيش السوري الحر" برئاسة اللواء سليم ادريس، تنكرت لـ"الائتلاف الوطني" والحكومة المفترضة برئاسة أحمد طعمة، معتبرة أن كل التشكيلات التي تتم في الخارج من دون الرجوع الى الداخل "لا تمثلها ولا تعترف بها". ودعت مناصريها الى "التوحد" ضمن اطار اسلامي يحتكم الى الشريعة.
ما حصل يقوّض القدرة التمثيلية للمكون الابرز في المعارضة السورية الذي يحظى بدعم الدول الغربية، ويثير مخاوف من تزايد تشدد المعارضة المسلحة، كما يمثل انتكاسة لحكومات غربية تحاول دعم جماعات المعارضة الاقرب الى التيار المدني. ومن شأن هذا القرار أن يؤدي الى اعادة النظر في مساعدات غربية محتملة للمقاتلين والتي تشمل تزويدهم السلاح من دول خليجية عربية ومساعدات أخرى غير فتاكة من أوروبا والولايات المتحدة.
وتمثل المجموعات التي شملها "البيان الرقم واحد" جزءا كبيرا من الثوار الناشطين في شمال سوريا، اضافة الى جزء كبير من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في حلب ودمشق. وبعضها من كبرى المجموعات المسلحة في سوريا، بما فيها "أحرار الشام" و"التوحيد" و"صقور الشام" التي تسيطر على مناطق واسعة في الشمال.
أما خلفياتها الايديولوجية فتكشف هويتها الاسلامية بامتياز، إذ تنتمي كتائب "لواء التوحيد" و"لواء الاسلام" و"صقور الشام" التي كانت تنشط في صفوف "الجيش السوري الحر" الى "جبهة سوريا الاسلامية الحرة"، وهو تجمع للاسلاميين المعتدلين، بينما تنتمي "أحرار الشام" الى "الجبهة الاسلامية السورية" التي تضم اسلاميين متشددين. وتستلهم "جبهة النصرة" فكر "القاعدة"، فيما تنتمي جماعة "كتائب نور الدين الزنكي" التي كانت ايضا تتحرك في إطار "الجيش السوري الحر" الى تحالف "أصالة وتنمية" السلفي.
نزعة التطرف وكان النصف الثاني من عام 2012 شهد زيادة في نزعة التطرف في صفوف المعارضة السورية المسلحة، وخصوصاً في شمال البلاد وشرقها. ولعل ما تبلور في البداية كقوة علمانية انعكست خصوصاً في تركيبة "الجيش السوري الحر" قد تشرذم تدريجاً إلى فصائل إسلامية متناحرة، وتاليا، عزز بروز الاسلاميين الاصوليين على حساب "الائتلاف الوطني" حجة الأسد بأن البديل من حكمه هو حكم تنظيم "القاعدة " في سوريا.
وكتب الباحث هارون زبلين من "معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى" أنه بينما نالت "جبهة النصرة" القدر الأكبر من الاهتمام، وخصوصاً بعد تصنيف واشنطن اياها منظمة إرهابية مطلع كانون الأول 2012، لم تحط "كتائب أحرار الشام" الا باهتمام قليل، علماً أنها مجموعة جهادية سلفية أخرى تنمو قوتها ويستمر دعمها يوماً بعد يوم في حلب وإدلب وأماكن أخرى. ولكن ماذا يعني انفصال مجموعات تتمتع بقوة قتالية عالية عن "الجيش السوري الحر" وانحيازها الى معتقدات اسلامية أكثر تطرفاً؟
باختصار، يعني هذا القرار تمرد جزء كبير من "التيار الاساسي في الجيش السوري الحر" على قيادته السياسية التي تحظى بدعم واشنطن وأنقرة وباريس ولندن ودول أوروبية أخرى وقطر وأيضاً السعودية، وانحيازه علناً الى التيار الاسلامي الاكثر تشددا.
أما في ما يتعلق باعلان الشريعة مصدراً وحيداً للتشريع، فيقول المحلل الاسوجي آرون لوند ان "هذا الامر كان بيت القصيد لكثير من هذه الفصائل ، وكانت كلها اسلامية في اي حال". لماذا الآن؟ وأثار قرار هذه المجموعات تساؤلات عن توقيت قرارها، علماً أنه سبق لها أن رفضت قبل سنة الوقوف في صف "جبهة النصرة" في مسألة رفض الاعتراف بالائتلاف المعارض. ويعزو ناطق باسم "لواء التوحيد" القريب من جماعة "الاخوان المسلمين" التمرد الى "المؤامرات والتنازلات التي تفرض على الشعب السوري من طريق الائتلاف الوطني".
وربما كان يشير الى ابداء رئيس الائتلاف محمد الجربا الاسبوع الماضي استعداد الائتلاف للمشاركة في مؤتمر "جنيف - 2" الذي تسعى واشنطن وموسكو الى عقده قريباً، إذا كانت ستنبثق منه حكومة انتقالية ذات صلاحيات كاملة. وفي المقابل، يقدم الخبير في شؤون المجموعات الاسلامية في سوريا توما بييريه، الاستاذ في جامعة ادنبره، قراءة مختلفة لتمرد هذه الفصائل، اذ يقول إن "الاتفاق الاميركي - الروسي على تدمير ترسانة الاسلحة الكيميائية السورية، والذي جمد تلويح واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية الى النظام السوري، دفع بعض المجموعات المقاتلة الى مراجعة حساباتها". وأضاف: "بعد مأزق الاسلحة الكيميائية، فقد بعض المسلحين الامل في أن يتمكنوا من الافادة من عناصر ايجابية من التفاهم مع الغرب". "جيش جديد" في اي حال، يبدو أن هذا القرار ليس الا خطوة أولى في اتجاه انشاء مجموعة أكثر تنظيماً، وإن يكن لم تتوافر بعد معلومات عن أعداد المقاتلين الذين ستشملهم الجبهة الجديدة ولا كيف سيتعاونون في ما بينهم. وعلى حسابه في "تويتر"، لمح كبير القادة العسكريين لـ"لواء التوحيد" عبدالقادر صالح الى المجموعة باسم "التحالف الاسلامي"، وهي تعبير قد يكون توصيفاً لها أكثر منه اسماً رسمياً. وبدوره، كتب محمد علوش من "لواء الاسلام" المقرب من السعودية على "تويتر": "انتظروا الاعلان عن الجيش الجديد". "داعش" الغائب الأكبر ومع أن المجموعات المتمردة تمثل شريحة مهمة من المعارضة المسلحة، وتضم افضل مقاتليها، لا شك في أنها ليست المعارضة المسلحة كلها، فثمة عشرات وربما مئات من المجموعات الصغيرة الاخرى التي لم تنضم الى هذا القرار. كذلك، لا تزال ثمة مجموعات كبيرة أخرى موالية لـ"الجيش السوري الحر" وتالياً للائتلاف، مثل "كتائب أحفاد الرسول" و"كتائب الفاروق". أما الغائب الابرز فهو "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" (داعش) المرتبطة بتنظيم "القاعدة"، احدى اكثر الجماعات تشدداً في سوريا والتي اشتبكت أخيراً مع مجموعات اخرى ذات توجه اسلامي معتدل.
ومهما يكن من أمر، فإن التحالف الجديد لا يشكل أي تهديد لـ"الدولة الاسلامية"، لا بل يمكن أن يصب في مصلحتها كونه يضعف المعسكر الذي يحظى بدعم الغرب ويكسب المطالب الاسلامية ثقلاً اضافياً. ومع أن المعارضة السورية تعاني التشرذم والخصومات منذ بدء الانتفاضة على الاسد قبل سنتين ونصف سنة، يقول الخبير في مركز "آي اتش اس جينز" للارهاب والتمرد تشارلز ليستر إن القرار الأخير يفرغ المعارضة المسلحة من عدد من مكوناتها الابرز، الأمر الذي "سيكون له تأثير ملموس على قدرة هيئة الاركان على اعتبار نفسها نواة المعارضة المسلحة". وقال الخبير في مركز "كارنيغي" الشرق الاوسط يزيد صايغ لـ"وكالة الصحافة الفرنسية": "صحيح ان المعارضة لم تكن تحرز تقدماً (سياسياً)، لكن فقدانها التأثير سيفرض تحديات اضافية، وقدرتها التمثيلية ستصير مشكلة اساسية".
|