WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 13, 2014
Source: جريدة النهار اللبنانية
الاقتراع على الدستور المصري اختبار لشعبية "الرئيس" السيسي
اصطفافات الاستفتاء السابق عُكست والـ"نعم" الساحقة دونها المقاطعة

سوسن أبو ظهر 
مرة سادسة تستقبل مكاتب الاقتراع المصريين المتنقلين بين مسار انتقالي وآخر من دون ذهاب البلاد التي أنتجت أكثر من "ثورة" منذ "25 يناير" 2011 إلى الاستقرار. فبعد صراع الثوريين مع السلطات العسكرية و"الفلول"، ثم "الأسلمة"، ونزاع "الإخوان المسلمين" ومن يسمونهم "الانقلابيين"، ومجدداً بين الثوريين والسلطات العسكرية، يمكن القول إن الاقتراع غداً وبعده على الدستور فصلٌ إضافي في الأزمة التي تُمسك بمصر منذ إطاحة الرئيس حسني مبارك.

ليست المسألة في أن تفرز الصناديق "نعم" أم "لا"، إذ لم يسقط قط دستور أو مشروع طُرح على استفتاء، بل في نسبة المقترعين وحجم المقاطعة التي لن تقتصر على أنصار "الإخوان" بعدما قررت حركة "6 أبريل"، وهي من أعمدة "ثورة 25 يناير"، أن تقاطع أيضاً. فهذه الحركة المدنية غير الدينية التي يُلاحق رموزها، اتهمت الرئيس الموقت المستشار عدلي منصور بالسعي إلى التلاعب بالنتائج بتمكين الناخبين من الاقتراع في المحافظات حيث يقيمون، معتبرة أن ذلك سيسهل دفع آلاف الموالين إلى الإدلاء بأصواتهم ثانية في المحافظات التي يتحدرون منها.

ويجري الاستفتاء بينما نقل "الإخوان" معركتهم إلى الخارج. فبعد أشهر من الكر والفر في شوارع القاهرة والاسكندرية والسويس، لجأوا إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم ضد الإنسانية. والخطوة رمزية لكونِ القاهرة لم توقع معاهدة روما الخاصة بالمحكمة، لكنها حملت الغرب على إعادة تقويم الأوضاع المصرية. فبعد ستة أشهر من عزل الرئيس محمد مرسي، يكاد لا يمر يوم من غير أن تنتقد كبرى المطبوعات الأميركية والبريطانية والفرنسية ما تصفه بـ"الانقلاب" وتتخوّف من قيام إمارة لتنظيم "القاعدة" في شبه جزيرة سيناء، وتحذّر من استعانة "الإخوان" بالجماعات الجهادية لوأد أي حُكم لا يشملهم.

إلى هذا العقل الغربي كتب عمرو موسى الأربعاء بصفته رئيس لجنة الخمسين التي عدلت الدستور في صفحة الرأي بـ"النيويورك تايمس"، أن "بناء المؤسسات الديموقراطية والبنية التحتية السياسية لا يتم بين ليلة وضحاها"، وأن "مصر مستعدة للمضي قدماً".

وجاءه الرد في اليوم نفسه عبر "فورين بوليسي" بمقال يهاجم "الحكومة العسكرية" ويضع الحملة على "الإخوان" والناشطين العلمانيين في سياق سياسي واحد ويناشد الإدارة الأميركية التدخل لوقف "القمع" وإطلاق "السجناء السياسيين".
 
إشكاليات الدستور
على خلفية هذا الاصطفاف الحاد، تحول الاستفتاء اقتراعاً على عزل مرسي وإقصاء "الإخوان"، وتالياً على شعبية وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي. وتراجع الاهتمام بالدستور الذي يتضمن 247 مادة.

وإلى المقاطعة، اختارت فئات الاقتراع بـ"لا"، منها تيار المرشح الرئاسي السابق عبدالمنعم أبوالفتوح، وناشطون مدنيون. وتستبدّ الحيرة بزملاء لهم، فإسقاط المشروع يطيل أمد الفترة الانتقالية ويفيد "الإخوان"، والموافقة تعطي الشرعية لنص ليس في نظرهم أفضل من "دستور الإسلاميين" الذي تظاهروا ضده.

وكان أبوالفتوح وصف الوثيقة بأنها قائمة على "معادلات دستور 2012 الذي سبق لنا ان رفضناه"، ففيها "نصوص مطاطة للعدالة الاجتماعية لا تقدم جديداً لحل مشاكل المصريين الاقتصادية والاجتماعية الهائلة". والنص "يعظم سلطات رئيس الجمهورية (الذي لا يمكنه الحكم أكثر من ولايتين كل منها أربع سنوات) أمام البرلمان (المقتصر على مجلس للنواب من 450 عضواً بعد إلغاء مجلس الشورى) بما يفقده أي قدرة حقيقية على رقابة السلطة التنفيذية نتيجة منح الرئيس سلطة تعيين خمسة في المئة من الأعضاء" واكتسابه "حق إصدار القوانين والاعتراض عليها".

واعتبر أبوالفتوح أن الدستور المقترح "جعل المؤسسة العسكرية أعلى من كل سلطات الدولة". فوزير الدفاع يُعين بعد مصادقة الجيش على اسمه في الولايتين الرئاسيتين المقبلتين على الأقل، وموازنة المؤسسة العسكرية تحررت من أي رقابة، والمدنيون أُخضعوا للمحاكمات العسكرية بموجب قيود تجعل أقل انتقاد الجيش رديفاً للملاحقة. وكذلك مُنح المجلس الأعلى للشرطة الكلمة الفصل في أي تشريعات تتعلق بهذا الجهاز. ولم يحدد النص طريقة حماية المواطنين من التعذيب، وهو "جريمة لا تسقط بالتقادم".

ويسترعي الانتباه أن مشروع الدستور وضَعَ شعارات براقة نقضَها في عبارات ومواد لاحقة. فـ"حرية الاعتقاد مطلقة"، لكن ممارسة الشعائر تقتصر على "أصحاب الديانات السماوية"، و"مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود" تنظم أحوالهم الشخصية، وفي ذلك إقصاء للبهائيين على سبيل المثال. أما الشريعة الإسلامية فالمصدر للرئيسي للتشريع بموجب المادة الثانية، تماماً كما في الدستور السابق.

وإذ تكفل المادة 72 حرية النشر وتحظر الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام، تجيز فرض "رقابة محددة في زمن الحرب أو التعبئة العامة"، وهذا تعبير مبهم يمكن وضعُ معظم مراحل التاريخ المصري الحديث في خانته. وتنص المادة التالية على أن "للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية". غير أن قانون التظاهر الجديد رقم 107 لسنة 2013 التَف على هذا الحق وتسبب بتوقيف ناشطين علمانيين بارزين.

ماذا بعد
سيحظى الدستور بالـ"نعم" المطلوبة، لكنه لن يكون شرعياً في رأي فئة لا بأس بها من المصريين. إنه مشهد الاستفتاء على الدستور السابق معكوساً. ومع ذلك، يُتوقع أن تصمد هذه الوثيقة أكثر من سابقتها، لسنوات معدودة ربما. بيد أن المرحلة المقبلة غير واضحة المعالم. أيها تسبق، الانتخابات العامة أم الرئاسية، وبموجب أي قانون؟

وإذا كان "الإخوان" خرجوا من المعادلة السياسية، فإن "حزب النور" يواجه معضلة. ما دوره المستقبلي، وكيف يقطف ثمار دعمه للدستور وعزل مرسي في ظل الدستور الذي يحظر قيام الأحزاب على أساس ديني؟ وهل يكون الاستفتاء هو "الطلب الشعبي" الذي اشترطه وزير الدفاع لعبوره شبه المؤكد إلى الرئاسة؟ أما "تفويض الجيش" فمن سواه يملكه في ظل التهديدات الأمنية المتنقلة بين سيناء والمنصورة والقاهرة؟ لكن، ماذا لو أحرق "الريس" السيسي شعبيته الحالية كمنقذٍ للبلاد وتحول مبارك آخر أو مرسي ثانياً؟

الحكم المدني أُجهض بين السلطة العسكرية والاستبداد الديني. والدستور المُقترح لا يضمن تحققه، إذ اشتكى أعضاء في لجنة الخمسين من تلاعب بالكلمات أسقط عبارة "حكم مدني" من الديباجة. فجاء أن الدستور "يستكمل بناء دولة ديموقراطية حديثة، حكومتها مدنية". ومعلوم أنه يمكن قيام حكومة مدنية في كنف حكم عسكري، أو غير مدني، وثمة من يعتقد أن هذا حاصلٌ حالياً.
وعلى أبواب الذكرى الثالثة لـ"ثورة 25 يناير"، تبقى مصر، ويا للأسف، أرض الفرص المهدورة بين السياسيين والعسكر والخيبات المتكررة لمواطنين متخاصمين.



 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Related News
Egyptian celeb faces backlash over photo with Israeli singer
Three Egyptian policemen, four militants killed in prison break attempt
Acting leader of Egypt's Muslim Brotherhood arrested in Cairo
Egypt mulls law to protect women's identities as MeToo movement escalates
Egypt homeless, street children hit hard by pandemic scourge
Related Articles
Private-equity fund sparks entrepreneurial energy in Egypt
Young Egypt journalists know perils of seeking truth
What Sisi wants from Sudan: Behind his support for Bashir
Egypt’s lost academic freedom and research
Flour and metro tickets: Sisi’s futile solution to Egypt’s debt crisis
Copyright 2026 . All rights reserved