اخيرا ولدت حكومة الرئيس تمام سلام من 24 وزيرا يمثلون كل الاطراف اللبنانية في قوى 8 و14 اذار لتعيد رسم المشهد السياسي اللبناني بعد نحو ثلاث سنوات على الاستئثار بالسلطة من الفريق المحسوب سياسيا على المحور السوري الايراني، والذي اقصى الفريق المحسوب على السعودية ودول الخليج العربي، والمؤيد من الغرب. عشرة اشهر انتظرها الرئيس المكلف تمام سلام قبل ان يصير رئيسا اصيلا لحكومة وحدة وطنية انقذت البلاد من تداعيات خطرة متوقعة فيما لو تم تأليف حكومة امر واقع.
والواقع ان الحكومة الجديدة التي ولدت امس عكست امورا كثيرة تؤشر للمرحلة المقبلة في لبنان :
اولا: ان التنازلات التي قدمها الرئيس سعد الحريري، وبمباركة سعودية، اتاحت عودة فريق الرابع عشر من اذار الى السلطة، وتتيح عدم اقصائه في الاستحقاقات المقبلة من اعداد قانون للانتخابات النيابية الى انتخابات رئاسة الجمهورية.
ثانيا: ان الخطاب الذي القاه الرئيس الحريري في 14 شباط، وتناوله الاصولية والتطرف، يعيد له الدور الفاعل في محاربة الارهاب وهو امر ملح حاليا للبنان الذي يعاني من التفجيرات خصوصا، وما لقاؤه الملك السعودي اول من امس الا تأكيد من الرياض على تبني هذا النهج، ودعم توجه الحريري في مساعيه. ومحاربة الارهاب تحتاج الى غطاء سني لا يمكن ان يتوافر من دون الحريري.
ثالثا : ان التواصل ما بين "التيار الوطني الحر" و "تيار المستقبل"، وان كانت بعض اهدافه انتخابية من الاول، الا انه يريح الاجواء الداخلية، ويفسح في المجال امام تعاون حكومي يدفع الى انجاز الكثير من المشاريع. من ناحية ثانية، يمكن ان يشكل التواصل العوني الحريري جسرا لتواصل متجدد مع "حزب الله".
رابعا: ان قبول كل الاطراف بالجلوس معا حول طاولة مجلس الوزراء، يخفف من الاحتقان السني الشيعي في البلاد، ويخفف من منسوب الشتائم والتحريض السياسي والاعلامي، وهو ما تحتاجه البلاد حاليا.
خامسا: ان نجاح الرئيس تمام سلام في اعتماد مبدأ المداورة في الحقائب لامر ايجابي لكل الحكومات المقبلة اذ حرر الوزارات من الكانتونات الطائفية والسياسية.
هذه المعطيات المجتمعة تفتح الطريق امام حكومة الرئيس تمام سلام للانطلاق ولتحقيق بعض المنجزات بحسب ما يتيح لها عمرها، كما يتيح لها ان تكون الانسب لادارة الفراغ اذا ما حصل.
وفي الشهر الـ11... ولدت "الحكومة السلامية"
اعلن مدير عام مجلس الوزراء سهيل بوجي صدور مرسوم باعتبار حكومة نجيب ميقاتي مستقيلة وتسمية تمام سلام رئيسا للحكومة الجديدة.
وجاء في المرسوم تسمية تمام سلام رئيسا للحكومة وسمير مقبل نائبا له ووزيرا للدفاع. كما تم تسمية بطرس حرب وزيرا للاتصالات، اكرم شهيب وزيرا للزراعة، غازي زعيتر وزيرا للأشغال، ارتور نظريان وزيرا للطاقة، ميشال فرعون وزيرا للسياحة، علي حسن خليل وزيرا للمال، محمد فنيش وزير دولة لشؤون مجلس النواب، جبران باسيل وزيرا للخارجية، وائل أبو فاعور وزيرا للصحة العامة، حسين الحاج حسن وزيرا للصناعة، نهاد المشنوق وزيرا للداخلية، نبيل دو فريج وزير دولة، رمزي جريج وزيرا للاعلام، رشيد درباس وزيرا للشؤون الاجتماعية، محمد المشنوق وزيرا للبيئة، اليس شبطيني وزيرة للمهجرين، عبد المطلب الحناوي وزيرا للشباب والرياضة، سجعان قزي وزيرا للعمل، اشرف ريفي وزيرا للعدل، ريمون عريجي وزيرا للثقافة، الان حكيم وزيرا للاقتصاد، والياس بو صعب وزيرا للتربية والتعليم العالي.
هذا وأشار رئيس الحكومة تمام سلام في كلمة الى اللبنانيين من قصر بعبدا بعد اصدار مرسوم تشكيل الحكومة الى انه "وبعد 10 اشهر من المساعي الحثيثة التي انطلقت اثر تكليفي باجماع من 124 نائبا، والتي تطلبت الكثير من الجهد والصبر والتأني والمرونة، ولدت حكومة المصلحة الوطنية التي هي حكومة جامعة تمثل في المرحلة الراهنة الصيغة الانسب للبنان بما يواجهه من تحديات سياسية وامنية واقتصادية واجتماعية"، مشيراً الى ان "الحقائب الوزراية الاربعة والعشرون وزعت، وتم اعتماد قاعدة المداورة التي سعيت اليها منذ البداية اي تحرير الحقائب من القيد الطائفي والمذهبي باستثناء حقيبة نائب رئيس المجلس الوزارء"، مضيفاً "تتوفر في الحكومة جميع العناصر الدستورية والقانونية والتمثيلية ،وشكلت حكومة المصلحة الوطنية بروح الجمع لا الفرقة والتلاقي لا التحدي، وهي قادرة على خلق مناخات ايجابية للحوار الوطني وقادرة على تأمين الاجواء اللازمة لاجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها واقرار قانون جديد للانتخابات التشريعية".
أضاف "امد يدي الى جميع القيادات وادعوها الى التنازل والالتفاف حول الجيش والقوى الامنية ، وستسعى الحكومة الى انجاز الاستحقاقات، والتصدي لكل انواع الارهاب ومعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الصادقة وتنامي اعداد النازحين من الاخوة السوريين، وندرك وسط كل ما يحيط بنا من تداعيات وظروف صعبة ان المهمكة صعبة ولكننا متفائلون بما سنسعى لتحقيقه باذن الله، ولمسنا دعما عربيا ودوليا لقيام الحكومة، ونرجو ان يستمر الدعم بما فيه مصلحة لبنان".
وشكر سلام الرئيس ميشال سليمان الذي "شاركني جهود التأليف بصبر ودأب واظهر حسا وطنيا عاليا، والى من رشحوني لهذه المهمة بالشكرلا على مبادرتهم، وزملائي النواب الذين جسدوا ثقتهم الكبيرة بالاجتماع على تكليفي والقوى السياسية، والشكر كل الشكر الى اللبنانيين الذين واكبوني منذ اللحظات الاولى وصبروا معي ومنحوني ثقتهم ودعمهم غير المشروط لتحقيق المصلحة الوطنية".
وأكد ان "وعينا لمصلحتنا الوطنية والتجارب المريرة ستكون دليلنا الى بر الامان وامد يد التعاون الى الجميع واتطلع الى ثقة الجميع دون استثناء".
خريطة توزيع الحقائب الوزارية
يبرز بعد التوازن السياسي بقوة في خريطة توزيع الحقائب الوزارية في حكومة الرئيس تمام سلام من خلال التعديلات التي اتفق عليها في اللحظات الاخيرة للولادة الحكومية. في هذه الخريطة ادخل تيار المستقبل اثنين من "الصقور" في مقابل الفيتو الذي كان رفع في وجه اللواء اشرف ريفي فأخذ في مقابل قبوله بالتراجع عن ريفي وزيرا للداخلية نهاد المشنوق وزيرا للداخلية وريفي للعدل ونبيل دو فريج كوزير دولة .
نال تكتل تغيير والاصلاح حصة وازنة جدا مع جبران باسيل وزيرا للخارجية والمغتربين والياس بو صعب للتربية والتعليم العالي وارتور نظريان (الطاشناق ) للطاقة والنفط وريمون عريجي ( المردة) للثقافة .
نال مسيحيو 14 آذار اربعة مقاعد : الاتصالات لبطرس حرب والسياحة لميشال فرعون والاعلام لرمزي جريج والعمل للكتائبي سجعان قزي والاقتصاد للكتائبي الثاني الان حكيم . نال الرئيس نبيه بري حقيبتي المال لعلي حسن خليل والاشغال لغازي زعيتر. نال "حزب الله" حقيبة الصناعة لحسين الحاج حسن ووزير دولة لشؤون مجلس النواب لمحمد فنيش.
اما بالنسبة الى الوسطيين فتوزع وزراء رئيس الجمهورية على نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع سمير مقبل واليس شبطيني وزيرة للمهجرين وعبد المطلب حناوي وزيرا للرياضة والشباب.
نال الرئيس تمام سلام الى جانب رئاسة الوزراء وزارة البيئة لمحمد المشنوق (تكررت تعددية الوزراء من عائلة واحدة مع المشنوقين نهاد ومحمد ) ورشيد درباس للشؤون الاجتماعية. ونال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وزارة الصحة لوائل ابو فاعور والزراعة لاكرم شهيب.
اي ابعاد داخلية وخارجية لحكومة سلام؟ وماذا تعني عودة 14 آذار الى السلطة؟
استهلكت هذه الحكومة احدى اطول المدد التي شهدتها ازمة حكومية لبنانية من قبل اذ امتدت طوال عشرة اشهر وعشرة ايام منذ تكليف الرئيس سلام اي انها الازمة الحكومية الاطول في تاريخ لبنان . ويتمثل البعد الرئيسي لولادة الحكومة اليوم بعودة قوى 14 آذار الى السلطة بعدما شكل تأليف الحكومة السابقة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي قبل نحو ثلاثة اعوام انقلابا موصوفا على حكومة الرئيس سعد الحريري كان من شأن تداعياته ان تولت السلطة منذ ذاك الحين اقصاء فريق عريض كان يتمتع بالاكثرية النيابية عن الحكومة والسلطة بكل مفاصلها وقطاعاتها ونفوذها . وهو بعد يتخذ دلالة بارزة ومهمة للغاية عقب الانهيارات التي ضربت البلاد في ظل السلطة السابقة سواء من حيث النواحي الامنية والسياسية او من النواحي الاقتصادية والاجتماعية خصوصا ان لبنان شهد في ظل السنوات الثلاث الاخيرة زحف اشد الاخطار التي تهددته وتتهدده مع اكبر ازمة مصيرية للجوء ما يناهز المليون ومئتي الف سوري الى لبنان ومسألة تورط "حزب الله " العمود الفقري للحكومة السابقة في الحرب السورية وتعرض لبنان للانزلاق الى تلقي انعكاسات الحرب السورية عليه عبر ظاهرة التفجيرات الارهابية والانتحارية للتنظيمات الاصولية المتشددة .
ويتضح من هذا السياق ان وضع السلطة الجديدة في لبنان عاد الى تصويب لميزان القوى المختل من خلال عودة الثقل السني الاكثر تمثيلا عبر الرافعة التي يشكلها تيار المستقبل بزعامة الرئيس سعد الحريري من جهة ومسيحيي 14 آذار عبر حزب الكتائب والمستقلين علما ان تمثيل هؤلاء بقي مشوبا بغياب "القوات اللبنانية " عن التمثيل الحكومي بعدما رفضت القوات المشاركة في الحكومة .
اما الوجه الاقليمي الذي يمكن استشرافه من خلال هذا التطور فيتمثل في ما يمكن اعتباره ايضا اعادة تصويب لميزان مختل اذ ان الحكومة الجديدة لم تعد تعكس آحادية النفوذ السوري – الايراني الذي طبع وضعا تمادى لثلاثة اعوام ولا يمكن تجاهل حضور النفوذ السعودي مجددا عبر الحكومة الجديدة بما يرتب قراءة مختلفة ومحدثة للمشهد الاقليمي من خلال الولادة الحكومية . وثمة من لا يقلل اهمية توقيت الولادة الحكومية اليوم غداة استقبال العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز للرئيس سعد الحريري وخطاب الاخير امس وما تضمنه من ابعاد في رفض الفتنة المذهبية والاصرار على اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها .
اما في الادوار السياسية الاخرى التي ساهمت في استيلاد الحكومة فلا يمكن تجاهل ثلاثة ادوار اساسية : الاول لقناة التواصل الاول التي انخرط فيها كل من الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط الى جانب الرئيسين ميشال سليمان وتمام سلام من اجل ما وصف بتدوير الزوايا بعد التوافق على صيغة الثلاث ثمانيات . ثم ان الدور الجنبلاطي برز بقوة اخيرا من خلال الدور المكوكي النشط للوزير وائل ابو فاعور الذي خصه النائب جنبلاط اليوم باشادة بارزة نظرا الى جهوده المتواصلة في طرح الاقتراحات التوفيقية وتدوير الزوايا .اما الدور الثالث فتمثل في التطور اللافت الذي شكله التواصل بين الرئيس الحريري والعماد ميشال عون والذي ادى الى حل عقدة المطالب العونية بعد طول تعقيد . وهي ادوار ستكون محور تحليل بارد ومتأن لاحقا نظرا الى ما يمكن ان تتركه من انعكاسات على اللعبة الداخلية في حقبة لا تزال مشوبة بكثير من التساؤلات والغموض على رغم الانفراج الذي لا يمكن التنكر له الذي صاحب ولادة الحكومة والذي شكل في اوسع اطر ابعاده عنوانا لمنع سقوط لبنان في تهلكة الفوضى مما يترجم ارادة دولية واقليمية وداخلية في الحفاظ على الاستقرار ولو بحدوده المعقولة .
جميل السيد يقطع علاقته التشاورية بـ"8 آذار"
اعتبر اللواء الركن جميل السيد، في بيان صادر عن مكتبه الإعلامي، ان "من حق أي فريق سياسي ان يتمثل في الحكومة الجديدة بأي شخصية يستنسبها بما في ذلك توزير تيار المستقبل للواء اشرف ريفي، غير أنه ما من سبب مبدئي أو أخلاقي يبرر لفريق الثامن من آذار وحلفائه، التفريط بوزارة العدل تحديدا لأن العدل والأمن توأمان بالنسبة للمجتمع، ولأن من يعتبر غير مؤهل للأمن فإنه غير مؤهل للعدل كذلك، خصوصا وأن الفريق نفسه كان قد عارض في الأمس القريب التمديد للواء أشرف ريفي كمدير عام للأمن الداخلي، عدا عن أنه كان قد أطاح في الماضي بحكومة الرئيس الأسبق سعد الحريري بسبب رفضه إحالة قضية شهود الزور ومرتكبيها إلى المجلس العدلي بمن فيهم اللواء ريفي".
وإذ رأى السيد بـ"أنها ليست المرة الأولى التي يخطئ فيها فريق الثامن من آذار، بمن فيه الطرفان الشيعيان، بحق نفسه وجمهوره بهذا الحجم، وبأن هذا الفريق كله يتحمل اليوم مسؤولية إرتكاب هذا الخطأ الاخلاقي الفادح الذي لا يمكن تبريره سياسيا لأي سبب"، أعلن "بكل أسف، قطع علاقته التشاورية بهذا الفريق والتي لم تكن يوما علاقة مبنية على البيع والشراء ولا على أي مصلحة شخصية مرحلية أو مستقبلية"، مؤكدا في "المقابل التزامه الثابت بخطه السياسي الاستراتيجي الذي انبثق دوما من قناعاته الشخصية المجانية وحدها والتي ليس له فيها أي فضل او منة على أحد". |