صلاح سالم مع إعلان المشير عبد الفتاح السيسي الترشح لانتخابات الرئاسة المصرية، يبدو وكأن التاريخ يحاول أن يعيد نفسه في مصر بعد ستة عقود مرت بين ثورة 23 يوليو 1952 وصعود نجم جمال عبد الناصر كزعيم سياسي منذ العام 1956، وبين ثورة 30 يونيو 2013 وما أدت إليه من صعود نجم السيسي بطلاً للوطنية المصرية.
لا يعني ذلك أن التفاصيل المحيطة بصعود الرجلين هي ذاتها، وإلا كان الأمر ملهاة كبرى أو مأساة مفجعة، تطرح أسئلة مرة حول معنى الزمن وحكمة التاريخ. ولكنه يعني بالخصوص تشابه القسمات العامة للقصة، حتى لكأنها نسجت على المنوال نفسه، أو قريب منه على الأقل.
في العام 1952 كانت مصر تعيش ظاهرياً في نظام حكم ديموقراطي يأخذ بالشكل البرلماني، في ظل ملكية دستورية، يهيمن عليها الاحتلال البريطاني على رغم محاولة الملك تحدي سلطة الاحتلال بمبررات وميول تبدو شخصية ونفسية أكثر من كونها سياسية ووطنية. غير أنه كان نظاماً مفرغاً جوهرياً لم يحكم فيه الحزب الذي قاد الحركة الوطنية المصرية نحو ثورة 1919، ووضع الدستور 1923، سوى سبع سنين وبضعة أشهر من 29 عاماً كان فيها سيداً لصندوق الاقتراع، وذلك بحكم ميول الملك الذاتية وتحالفاته المريحة مع أحزاب الأقليات المفرطة دائما في إقطاعيتها، والأجنبية غالباً في أصولها. ونتيجة لأسباب يأتي على رأسها القضيتان الكبريان: القضية الوطنية المتعلقة بالاستقلال عن الاحتلال البريطاني، والقضية الاجتماعية، المتعلقة بضرورة تبني سياسات عادلة وتنموية لتحديث المجتمع المصري، ناهيك عن القضية القومية التي استجدت في الأربعينات حول فلسطين وكشفت عن ضعف فاعلية النظام القائم في مواجهة التحدي الصهيوني، وربما تواطؤه على نحو أحرج الجيش وأصابه بأزمة نفسية حاولت قياداته الشابة الخروج منها بالخروج على النظام كله، حكومة وملكاً واحتلالاً، في حركة جسورة تصدرها لحين اللواء محمد نجيب، واختفى في ظله، لوقت قصير، بطلها الشاب جمال عبد الناصر الذي أسس وأدار تنظيم الضباط الأحرار.
وعبر أزمات امتدت لأربع سنوات بين 1952، و1956، تبلورت قيادته فصار رئيساً للوزراء وقائداً لمجلس قيادة الثورة عام 1954 ثم رئيساً دستورياً للجمهورية عام 1956. وغيَّر قرار التأميم الذي بدأه عبدالناصر بقناة السويس، وما تبعه من ملابسات الحرب والديبلوماسية من طبيعة النظام الدولي القائم، وأدى، حسب جمال حمدان في كتابه «إستراتيجية الاستعمار والتحرير»، إلى وقف موجة الاستعمار وتدشين موجة التحرير في التاريخ العالمي.
وفي المقابل، أظهرت أحداث 30 يونيو و3 و26 يوليو 2013، عبد الفتاح السيسي كقائد عسكري وطني بامتياز، استجاب لنبض شعبه في مواجهة حكم جماعة دينية أممية يتناقض مع مشروع الدولة الوطنية المصرية، التحرري والإنساني، فإذا به يواجه ضغوطاً عاتية سواء من الجماعة، وهو أمر طبيعي من فئة تدافع عن نفسها ومصالحها، أو من الخارج، خصوصاً الولايات المتحدة.
هذا الواقع الجديد يمثل بالنسبة إلى مصر مزيجاً من الفرصة والخطر. أما الفرصة فنابعة من تبلور قيادة جديدة قادرة على السير بالمصريين في طريق المستقبل، إذ وجدوا معها شعوراً بالثقة غاب عنهم حيال كثيرين كانوا أعلنوا رغبتهم في النهوض بالمهمة، وكذلك شعور بالقدرة غاب عنهم حيال قائد مثل محمد مرسي تبدى أمامهم عاجزاً عن الاضطلاع بالمهمة، وحيال مشروع مثل المشروع الإخواني تبدى لهم غير أمين على الوطنية المصرية ذاتها.
أما الخطر، فنابع من استعداد المصريين البادي، على الأقل في كتلتهم الرئيسية، لمنح الرجل صك قيادة غير مشروط، إما لأنهم غير مكترثين بهذه الشروط، وإما لأنهم عاجزون عن بلورتها (الآن) أمام الحضور القوي للرجل وطغيان كاريزماه على النحو الذي كان لجمال عبد الناصر، والذي مكّنه من السير بالمصريين إلى كل واد أراده، وفي كل اتجاه اختاره، وإما لأنهم مهجوسون أولاً وأخيراً بتحدي «الإخوان» السياسي، ومخاطر الإرهاب العشوائي لحلفائهم من الجهاديين والمتطرفين في سيناء أو في أنحاء مصر.
وهكذا يبدو الأمر خطيراً، ليس فقط بالنسبة إلى المصريين عموماً ولكن أيضاً للمشير نفسه، فالرجل الذي يُنظر إليه على أنه الأقوى، كقائد عسكري وبطل وطني، يأتي من دون خلفية سياسية، وليست لديه انتماءات أيديولوجية واضحة أو على الأقل معروفة، ما يعني أنه سيواجه اختباراً حاسما منذ اللحظة الأولى لجلوسه على مقعده، وسيكون عليه أن يجيب على سؤال: بمن سيحكم؟ وباسم من سيحكم؟ وكلاهما سؤال صعب ومرير، كانا قد واجها الرئيس عبد الناصر وهو في مقتبل عمره، فاختار الطريق المعروف نحو العدالة الاجتماعية في الداخل من دون الحرية السياسية. ونحو التحرر القومي في الخارج من دون العقلانية السياسية، فهل يصلح طريق عبد الناصر الذي صنع منه ظاهرة عربية، لسير عبد الفتاح السيسي نحو المستقبل المصري؟ تنطوي كل محاولات الإجابة على هذين السؤالين على سيناريوات ثلاثة محتملة يحمل كل منها قدراً من المشروعية: السيناريو الأول أن يحاول الجنرال السير في الطريق نفسه، وهو الأقل احتمالاً، لأنه طريق خاص بتجربة تاريخية. والسيناريو الثاني هو التكيف السلبي مع الظاهرة الناصرية، بمعنى أن يكون هناك ناصرية بلا ناصر. أما السيناريو الثالث، فيتمثل في التكيف الإيجابي مع المشروع الناصري، من خلال التأكيد على مقوِّمي العدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، بما يفترضه ذلك من فهم عصري يتسم بالانفتاح على السوق العالمية.
* كاتب مصري
|