نقلت الحلقة المفرغة التي دخلها انتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان، الاستحقاق الرئاسي الى موعد جديد خامس لانعقاد البرلمان، بعد أن تكرر سيناريو تعطيل نصاب الثلثين في جلسة أمس، والتي أجّلها الرئيس نبيه بري الى الخميس المقبل في 22 الجاري أي قبل يومين من انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال سليمان الذي يغادر القصر الرئاسي منتصف ليل السبت في 24 الجاري الى منزله.
وفيما لا يزال بعض الأوساط يأمل بانتخاب رئيس جديد قبل 25 الجاري، «استناداً الى المعطيات والأجواء الدولية والإقليمية»، كما قال النائب في كتلة «المستقبل» أحمد فتفت، فإن بعض المصادر يتحدث عن امكان إحداث اختراق ما في الجمود الذي يكتنف اختيار الرئيس الجديد بعد الجلسة الخامسة، إذا اقتنع زعيم تكتل «التغيير والإصلاح» النيابي العماد ميشال عون، الذي ما زال ينتظر إعلان زعيم تيار «المستقبل» رئيس الحكومة السابق سعد الحريري تأييده للرئاسة الأولى، أن حظوظه تراجعت طالما ان الحريري لم يقدم على هذه الخطوة، لينتقل الى دور صانع الرئيس بدلاً من أن يكون رئيساً، خصوصاً أن مرشح قوى 14 آذار رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع كان أعلن استعداده للانسحاب لمصلحة مرشح آخر يضمن الفوز من قوى 14 آذار، بما يعني أنه فتح الباب لإمكان التفاهم على مرشح تسوية طالما ان الفوز يحتاج الى الحصول على أصوات من قوى 8 آذار أو من الكتلة الوسطية.
وكان جعجع كرر بعد تأجيل الجلسة، اتهام فريق 8 آذار بتعطيل انتخاب الرئيس ودعا الى تعديل الدستور مستقبلاً كي لا يترك مجال لعدم اجراء انتخابات رئاسية، معتبراً ان العرف القاضي باعتماد نصاب الثلثين (86 نائباً) في الدورة الثانية للانتخاب بعيد من الدستور، وأن النصاب فيها هو النصف زائد واحداً، أي 65 نائباً. وكان 73 نائباً حضروا جلسة أمس.
وإذ أكد جعجع استمراره بالترشح، وكذلك «مرشح اللقاء النيابي الديموقراطي» هنري حلو، فإن رئيس القوات قال انه لا يجوز التشريع بعد 25 أيار.
وكشفت مصادر بارزة في «تكتل التغيير» النيابي أن نقاشاً واسعاً يدور بين نوابه حول جدوى استمرار مقاطعة جلسات انتخاب الرئيس. وقالت ان الرأي الراجح داخله أخذ يميل الى حضور الجلسة التي دعا اليها بري في 22 الجاري لكن ترك القرار النهائي لعون.
وقالت المصادر ان ترجيح حضور الجلسة الأخيرة لانتخاب الرئيس قبل انتهاء ولاية سليمان ينطلق من أن مقاطعة «التكتل» للجلسات قوبلت بامتعاض البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، خصوصاً أن عون كان وراء البيان الذي صدر عن اجتماع القيادات المارونية في بكركي وفيه التزام الجميع بمن فيهم جعجع بحضور جلسات الانتخاب.
ولفتت الى ان القرار النهائي لـ «تكتل التغيير» بحضور الجلسة النيابية المقبلة لا يعني بالضرورة أنه سيحمل مفاجأة لجهة ترشح عون، وإنما ستبقى المعركة محصورة في حال تأمين النصاب لانعقادها بأكثرية ثلثي أعضاء البرلمان، بين جعجع ومرشح «اللقاء الديموقراطي» النائب حلو. لكن المصادر نفسها رأت ان موافقة «تكتل التغيير» على تأمين النصاب ستكون مقرونة بضمانات غير مباشرة من رئيس «اللقاء الديموقراطي» وليد جنبلاط، بعدم سحب مرشحه لمصلحة اتفاق من تحت الطاولة مع قوى «14 آذار» على مرشح آخر يمكن انتخابه بأكثرية 65 صوتاً أي نصف عدد أعضاء البرلمان زائد واحداً.
واعتبرت ان «حزب الله» هو الأقدر على توفير مثل هذه الضمانة بسبب تواصله مع جنبلاط بحيث يكون الحضور مدروساً لمنع انتخاب الرئيس الجديد على أن يقترع نواب «تكتل التغيير» بأوراق بيضاء.
وعن رد فعل «تكتل التغيير» إذا انقضت مهلة انتخاب الرئيس من دون انتخاب رئيس جديد، قالت ان «هناك خطة يجري الإعداد لها لن تقودنا الى الاستقالة من الحكومة، انما لمنعها من اتخاذ أي قرار لأننا لن نصوت عليه ولن يحظى بإجماع أعضاء الحكومة التي تتولى مجتمعة الصلاحيات المنوطة برئيس الجمهورية»، ولفتت الى القدرة على تعطيل الحكومة وتحويلها فعلاً الى حكومة تتولى تصريف الأعمال على نطاق ضيق.
وعن موقف قوى «14 آذار» من حضور الجلسات التشريعية بعد حصول فراغ في سدة الرئاسة الأولى، قالت مصادر بارزة لـ «الحياة» ان الأكثرية فيها تميل الى المقاطعة شرط أن لا تشمل الجلسة المخصصة لمتابعة النقاش في سلسلة الرتب والرواتب للعاملين في القطاع العام «وإن كنا نفضل تأجيلها الى موعد آخر غير التاريخ الذي حدده لها بري في 27 أيار الجاري». وأكدت أن مقاطعة الجلسة لا تشمل تلك التي تعقد للنظر في أمور طارئة وضرورية، منعاً لفراغ في السلطة التشريعية في حال تعذر اجراء الانتخابات النيابية في موعدها في أيلول (سبتمبر) المقبل، ما يستدعي عقد جلسة تشريعية للتمديد ثانية للبرلمان لأن الفراغ في الرئاسة الأولى وتحويل الحكومة الى حكومة تصريف أعمال إذا أضيفا الى فراغ في السلطة التشريعية يمكن ان تفتح الباب أمام لجوء بعض الأطراف للمطالبة بإنشاء هيئة تأسيسية لإعادة النظر في النظام اللبناني واتفاق الطائف، على رغم أن بري أكد أكثر من مرة أنه ضد قيام مثل هذه الهيئة.
جلسة انتخاب الرئيس اللبناني: تأجيل جديد وبري يبحث إمكان التشريع في ظل الفراغ
كما الجلسات الثلاث السابقة كانت أمس الجلسة الرابعة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، والتي طار نصابها ايضاً، فحدد رئيس المجلس النيابي نبيه بري جلسة خامسة، الخميس المقبل في 22 أيار(مايو) الجاري، اي قبل ثلاثة ايام من انتهاء المهلة الدستورية وانتهاء ولاية الرئيس اللبناني ميشال سليمان، في ظل ازدياد المخاوف من شبح الفراغ الرئاسي. ودفع ذلك نواباً من فريق 14 اذار الى رفض أي تشريع ما لم ينتخب رئيس جديد للبلاد.
وكان عدد النواب الذين وصلوا الى المجلس النيابي بلغ ثمانين نائباً من بينهم نواب 14 آذار وكتلتا «التحرير والتنمية» و»اللقاء الديموقراطي» وعدد من النواب المستقلين ومنهم نجيب ميقاتي وأحمد كرامي ونايلة تويني. وقاطع الجلسة كما في الجلسات السابقة، نواب كتلة «الوفاء للمقاومة» وكتل «البعث» و»القومي» و»المردة» و»تكتل التغيير والاصلاح» الذين حضر بعضهم الى ساحة النجمة من دون الدخول الى القاعة.
وقرابة الثانية عشرة والنصف قرع الرئيس بري الجرس ايذاناً بدخول النواب الى القاعة العامة. وبعد التحقق من النصاب القانوني الذي يتطلب حضور 86 نائباً أي ثلثي اعضاء المجلس، تبين انه غير متوافر. فيما اقتصر الحضور على 73 نائباً فقط.
وكان بري اجرى قبل موعد الجلسة وبعد تأجيلها سلسلة لقاءات ابرزها مع رئيس الحكومة تمام سلام، رئيس كتلة نواب «المستقبل» الرئيس فؤاد السنيورة، الرئيس نجيب ميقاتي، رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط، وزير الاتصالات بطرس حرب الذي أمل بأن «لا يتكرر في الأسبوع المقبل ما حصل (امس)» ودعا جميع النواب الى «تحمل مسؤولياتهم». كما التقى بري امين سر «تكتل التغيير والإصلاح» النائب ابراهيم كنعان.
وناقش بري خلال لقاءاته امكان عقد جلسة تشريعية في ظل الفراغ الرئاسي، اي في 27 أيار في ضوء موقف نيابي مسيحي يتجه نحو مقاطعة التشريع كموقف مبدئي. وأشارت مصادر نيابية الى ان بري بحث في امكان حضور النواب المسيحيين استثنائيا ولمرة واحدة في 27 أيار في حال تم التوصل الى حل نهائي لموضوع سلسلة الرتب والرواتب. وعلم ان النائب جورج عدوان أبلغ رئيس المجلس خلال لقائه امس ان «الشغور الرئاسي لن نتعاطى معه كأمر طبيعي ولن نستمر في التشريع وكأن الدولة يمكن ان تسير بلا رأس»، داعياً الى «تثبيت الميثاقية المعتمدة عند كل استحقاق».
وأكد وزير الزراعة أكرم شهيب في تصريح من امام المجلس النيابي انه «يتم السعي للتوافق على مرشحنا الجدي النائب هنري حلو والتسوية إقليمية ومحلية»، لافتاً الى ان «هناك أولويات لدى الدول الإقليمية تختلف عن أولوياتنا والتي هي انتخاب رئيس للجمهورية»، أملاً بأن «تنعكس التفاهمات الإقليمية إيجاباً على لبنان، ونتأمل ان يكون هناك رئيس قبل 25 الجاري، ونعوّل دائماً على اللحظات الأخيرة».
اتفاق الغيرعنا
اما حلو فقال بعد رفع الجلسة: «للاسف اصبح لدينا موعد اسبوعي مع العجز عن انتخاب رئيس والعجز عن انعقاد الجلسة، هذا المسلسل من المتوقع ان يستمر اذا بقيت الاصطفافات على حالها». ورأى «ان ابعاد شبح الفراغ يتطلب الابتعاد عن هذه الاصطفافات وقبول الجميع البحث جدياً عن الحل الذي يؤمن الوفاق، ومن هذا المنطلق يجب ان تحصل مبادرات شجاعة تكسر الحلقة لاخراج البلد من هذا المأزق ومن حال الفراغ الذي سيبدأ بعد ايام وتساهم في انقاذ رئاسة الجمهورية، وقد بدأنا بالفعل نلمس استعداداً في هذا الاتجاه. اعتقد ان المطلوب منا ان نعمل للاتفاق على مرشح يجمع بدل ان ننتظر ان يتفق الغير على عملية الانتخاب». وكشف ان «هناك مبادرات جدية تحصل في الكواليس، اذ ليس من مصلحة احد ان تمر مرحلة 24 ايار من دون انتخاب رئيس»، مشيراً الى ان «المبادرات هي لكسر الاصطفافات ومد لجسور بين الجميع».
وعندما قيل له: هل المبادرات تقوم على الاستمرار في ترشيحك؟ اجاب: «اكيد، انا مستمر دوماً بالترشيح».
ورأى عضو كتلة «المستقبل» النائب أحمد فتفت ان «الخيارات القائمة هي تأمين النصاب واجراء انتخاب ديموقراطي وهذه الطريقة الوحيدة». واذ لفت الى انه «لم يعد للمجلس النيابي قدرة دستورية»، توقع انتخاب رئيس في 25 ايار «بالاستناد الى المعطيات والجو الدولي والاقليمي».
وطالب عضو كتلة «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميل، الرئيس بري باعلان «حال طوارىء نيابية وعقد جلسات يومية لانتخاب رئيس جديد حتى موعد انتهاء المهلة الدستورية». وقال: «هناك عدد من النواب يعمدون عن قصد الى تعطيل انتخاب رئيس»، معتبراً ان «مهلة أسبوع بعيدة جداً ونطلب من الرئيس بري تعديل دعوته لتكون أقرب زمنياً». واعتبر ان «التعطيل هو تعطيل للحياة الديموقراطية». ورأى ان «عدم وجود رئيس جمهورية خطر وسيعطل الانتخابات النيابية والحياة التشريعية ومجلس الوزراء وكل البلد سيتعطل بدءاً من 25 أيار».
ولفت عضو «تكتل التغيير والاصلاح» النائب آلان عون الى ان «هناك امكاناً لعقد جلسة انتخاب، والاتصالات تسعى الى ايجاد ظروف للوصول الى جلسة لانتخاب رئيس وننتظر الى الاسبوع المقبل».
وجدد رئيس الهيئات الاقتصادية عدنان القصار أسفه «لعدم انتخاب رئيس جديد وإصرار بعض الكتل النيابية على عدم حضور الجلسات، ما يدخل البلاد في فراغ رئاسي يضعها أمام مفترق سياسي خطير». ورحب بقرار المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي «رفع الحظر المفروض على سفر الإخوة الخليجيين إلى لبنان»، داعياً إلى «تهيئة جميع الظروف التي تساهم في نجاح موسم السياحة والاصطياف».
الحراك المدني
الى ذلك نظم «الحراك المدني للمحاسبة» الذي يضم جمعيات المجتمع المدني وناشطين مستقلين، نشاطاً رمزياً امس في وسط بيروت تحت عنوان «مسرحية الفراغ... الفصل الرابع»، حيث جسّد المشاركون شكل مسرح يمثل قاعة المجلس النيابي.
|