جنيف - موسى عاصي لم تخرج غارات الائتلاف الدولي في سوريا عن الخط العام المرسوم لها باستهداف مواقع تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش) على رغم أن علامات استفهام بدأت تُرسم حول توجيه ضربات تدميرية الى آبار النفط والغاز السوري التي يسيطر عليها "داعش"، ولكن لا يمكن حتى الآن اعتبار ذلك خارج الاتفاق الضمني وغير المعترف به بين الاميركيين، زعماء الائتلاف الدولي من جهة، ودمشق وحليفتيها ايران وروسيا من جهة اخرى، وهو الاتفاق الذي بدأ يتحدث عنه ديبلوماسيون من حلفاء الفريقين كأنه أمر واقع وساري المفعول منذ بدء الغارات الغربية - العربية قبل اسبوع.
ويبدو هذا الاتفاق مهدداً بالسقوط في حال رضوخ الرئيس الاميركي باراك اوباما لحملة الضغط الكبيرة التي يتعرض لها من المحافظين الجدد على المستوى الداخلي، ومن الحلفاء العرب (السعودية وبعض دول الخليج) من أجل الدفع في اتجاه ضرب مقومات القوة والصمود لدى النظام السوري من طريق تدمير قوة سلاح الجو، تمهيداً لتمكين المعارضة "المعتدلة" التي سيدرب رجالها في السعودية لتسلم المناطق السورية التي يسيطر عليها الآن مقاتلو "داعش".
ويرى منظّرو المحافظين الجدد كجاكسون ديل نائب رئيس تحرير صحيفة "الواشنطن بوست" أن من المرجح أن تكون لتجاهل نظام الاسد في استراتيجية اوباما عواقب سيئة وهو يعد "ثقباً كبيراً في هذه الاستراتيجية". ودعا الى إنشاء منطقة حظر جوي على الطائرات السورية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة أو الى مهاجمة الدفاعات الجوية السورية كخطوة حاسمة نحو اطاحة الاسد "لأن الاكتفاء بضرب القوى المتطرفة الموجودة في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون سيضعف المقاومة للنظام السوري".
ويضع ديل ادارة اوباما أمام الواقع الآتي: تتولى الطائرات الاميركية ضرب المتطرفين من جهة وطائرات الاسد ضرب "المعتدلين" من جهة اخرى، ويخلص الى أن هذا الواقع "سيؤدي الى تدمير ليس فقط العلاقة مع المعارضة السورية المعتدلة انما مع الدول العربية السنية التي انضمت الى الحملة العسكرية على داعش" وسيكون الاسد في النهاية الرابح الوحيد.
لكن ديبلوماسيين أوروبيين في جنيف يعتقدون أن ليس من مصلحة أوباما الرضوخ لهذه الضغوط في الوقت الحاضر، وأن الاحتمال الاوفر حظاً هو محافظة اوباما على "الاتفاق الضمني" مع موسكو في شأن مسار العمليات العسكرية ضد "داعش"، تماماً كما فعل العام الماضي خلال أزمة "الاسلحة الكيميائية السورية" وتبنيه الخيار المتفق عليه مع الرئيس فلاديمير بوتين والذي أدى الى ازالة هذه الاسلحة من الاراضي السورية.
وأكد هؤلاء أن الاميركيين ومعهم معظم الدول الاوروبية لا يزالون غير مقتنعين بقدرة "المعارضة السورية المعتدلة" على ادارة شؤون البلاد في حال سقوط النظام في دمشق، ويأتي في هذا الاطار الكلام الأخير لأوباما (مقابلته مع شبكة "سي بي أس)" وقوله: "أعتقد أن فكرة تشكيل قوات سورية معتدلة تهزم الأسد غير صحيحة، لقد أضعنا الكثير من الوقت في العمل مع المعارضة السورية المعتدلة".
وتخشى الادارة الاميركية في حال اعادة تسليح هذه المعارضة ودعمها، تكرار ما جرى في صفوفها خلال الأشهر الأخيرة من الأزمة عندما انتقل معظم عناصرها الى التنظيمات الأكثر تطرفاً، و"المشهد الذي يرعب ادارة اوباما هو تكرار السيناريو الليبي في حال سقوط الاسد". ويذكر الديبلوماسيون أن معظم الدول التي شاركت في الحملة العسكرية على جيش الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي لم تعد لها اليوم سفارات في طرابلس. المنطقة العازلة ويبدو أن الخيار الاميركي يرسو على اقتراح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إقامة منطقة عازلة محظورة على سلاح الجو السوري على الحدود مع تركيا، هدفها المعلن "منطقة آمنة" لحماية النازحين السوريين وابعادهم عن الاراضي التركية وخصوصاً مع التطورات الأخيرة في مدينة عين العرب الكردية السورية ونزوح عشرات الآلاف من أهلها الى تركيا بعدما حاصرها "داعش" وضربها، لكن الهدف الحقيقي أوضحه نائب رئيس هيئة أركان "الجيش السوري الحر" هيثم عفيسي الذي قال إن هدف اقامة هذه المنطقة هو اعادة تجميع القوى العسكرية المعارضة غير المتطرفة لمحاربة النظام السوري. وتحدث عن اجتماعات عقدت مع موفدين اميركيين الى مدينة غازي عينتاب التركية (مقر اقامة قيادة "الجيش السوري الحر" وقوى "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية") خلال الايام الأخيرة، طلب خلالها الاميركيون تنظيم صفوف المعارضين لمحاربة "داعش"، فيما طلبت قيادة "الحر" دعماً عسكرياً كافياً "من أجل محاربة النظام السوري بالتوازي مع ضرب داعش".
|