رام الله – محمد يونس كأن فلسطين بأكملها خرجت أمس لتحتفل بإطلاق سراح الطفلة ملاك الخطيب من السجن الإسرائيلي: العائلة، بما فيها من صغار وكبار، وممثلون عن مجالس البلدة والمحافظة، والعاملون في نادي الأسير ووزير هيئة شؤون الأسرى، توجهوا إلى «الحدود» ليستقبلوا الأسيرة الصغيرة.
أما ملاك التي لم تتجاوز الرابعة عشرة، فعادت إلى حضن عائلتها الدافئ تحمل معها آلام السجن وأحلام السجناء. تحدثت باقتضاب الصغار عن أكثر ما كان يؤلمها، مثل «الزنزانة الانفرادية المعتمة التي كانوا يضعوننا فيها طيلة الليلة التي تسبق جلسة المحكمة»، ومنها أيضاً «البرد الشديد في السجن الخالي من أي تدفئة، والمعاملة القاسية».
تدفق المئات إلى بيت عائلة ملاك في بلدة بيتين قرب رام الله، وأطلقوا العنان لخيالاتهم التي يصعب عليها تصور وجود طفلة صغيرة في سن ملاك في زنزانة معتمة باردة طوال الليل.
قالت ملاك إن الاعتقال كان صعباً لأن الجنود الغلاظ هجموا عليها وهي على جانب الطريق العام، وألقوها أرضاً، ونزعوا عنها زي المدرسة، وقيّدوا يديها ورجيلها واقتادوها إلى السجن. وهناك في السجن، قالت ملاك إن الجنود ضربوها وصرخوا في وجهها وهددوها وأجبروها على قول ما يريدون.
وفي كل مرة عُرضت فيها ملاك على المحكمة، كان السجانون يضعونها طوال الليل في زنزانة انفرادية معتمة، وفي اليوم التالي ينقلونها، وهي مقيدة اليدين والرجلين، إلى المحكمة التي تبعد عشرات الكيلومترات عن السجن.
وكانت ملاك اعتقلت في الحادي والثلاثين من كانون الأول (ديسمبر) الماضي، في اليوم الأخير من الفصل الأول للمدرسة، واتهمتها السلطات الإسرائيلية بأنها رشقت بالحجارة سيارات الجيش والمستوطنين المارة من الشارع المحاذي للقرية، وأنها كانت تحمل سكيناً.
وخلال الأيام والأسابيع التالية، عرضت ملاك على محكمة عسكرية إسرائيلية في معسكر للجيش قرب رام الله، أربع مرات، وحكم عليها في المرة الأخيرة بالسجن الفعلي لمدة شهرين وغرامة مالية قدرها 1500 دولار.
وقال والد ملاك علي الخطيب (57 سنة): «ماذا فعلت الطفلة الصغيرة هذه في الجيش الإسرائيلي، أقوى جيش في المنطقة، أي تهديد شكلته هذا الصغيرة على الدوريات المصفحة والجنود المدججين بالسلاح؟». وقالت والدتها: «لو كانت طفلة يهودية اعتقلها النازي بمثل هذه الطريقة لقامت الدنيا ولم تقعد، لكن الطفل الفلسطيني ليست له حقوق».
ودانت مؤسسات حقوقية ودولية عديدة اعتقال ملاك والزج بها في السجن، وطالبت بإطلاق سراحها أسوة بمن هم في مثل سنها في إسرائيل وفي غيرها من دول العالم التي لا تجيز قوانينها اعتقال الأطفال دون السادسة عشرة.
لكن السلطات الإسرائيلية، التي تخضع الفلسطينيين لقوانين عسكرية صارمة تسمح لها باعتقال الأطفال وإيداعهم السجون والزنازين الانفرادية، رفضت إطلاق سراحها، وأصرت على أن تقضي فترة محكوميتها كاملة.
وقال رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين عيسى قراقع إن ملاك هي أصغر طفلة فلسطينية يجري الحكم عليها بالسجن الفعلي. وأضاف: «العنصرية الإسرائيلية تتجلى في اعتقال هذه الطفلة الصغيرة، بأبشع صورها، فلو كانت طفلة يهودية لما جرأ أحد على اعتقالها مهما كان السبب».
وتوثق وسائل الإعلام بصورة دائمة اعتداء أطفال يهود على المواطنين الفلسطينيين في المدن التي أقام فيها المستوطنون بؤراً استيطانية، مثل الخليل والقدس، من دون أن تتخذ السلطات الإسرائيلية أي إجراءات بحقهم.
وعثرت عائلة ملاك، عقب اعتقالها، على أسرارها الصغيرة التي أودعتها خزانة ملابسها، والتي تعكس مشاعرها الوطنية الفياضة، من رسوم وأشعار وأدوات زينة. ومن رسوماتها، شمس حزينة تطل على بيوت القرية، ودوريات جيش وجنود وأعلام فلسطين، وصورة للشهيد ساجي درويش الطالب في جامعة بيرزيت الذي قتله الجيش الإسرائيلي الصيف الماضي في مواجهات وقعت على الطريق نفسه الذي اعتقلت فيه ملاك. كما جمعت ملاك في خزانتها الصغيرة أدوات زينتها، وهي مجموعة من الأساور والقلادات بألوان العلم الفلسطيني.
قال والد ملاك: «الأطفال في بلدنا ينشأون تحت أخبار القتل والتدمير والقمع، فيخرجون إلى الشوارع ليعبروا عن ما نشأوا عليه». وقالت الأم إن ملاك تأثرت كثيراً بالحرب الأخيرة على قطاع غزة، وأنها كانت تجلس لساعات طويلة أمام التلفاز تشاهد عمليات القصف والتدمير في غزة، وأنها تأثرت كثيراً بحادث استشهاد الشاب ساجي درويش ابن القرية، وأنها سمعت الكثير عنه من شقيقته، زميلتها في المدرسة.
وربما يفسر ما تعرضت إليه قرية بتين، الكثير مما عاشته الطفلة ملاك، فالقرية محاصرة بمستوطنتين كبيرتين هما «بيت ايل» و»عوفرا». وأغلقت السلطات الإسرائيلية منذ عشر 14 عاماً الطريق الرئيس للقرية إلى مدينة رام الله، وخصصته للمستوطنين، ما يجبر أهلها على سلوك طريق التفافي طويل. |