القاهرة - أحمد مصطفى بدت القاهرة أمس في حال تأهب لتنفيذ ضربات جديدة ضد معاقل تنظيم «داعش» الإرهابي في ليبيا، بالتزامن مع تحسب لعمليات انتقامية في الداخل، فزار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المنطقة العسكرية الغربية، على الحدود مع ليبيا، متعهداً «محاصرة الإرهاب»، فيما استقبل رئيس الحكومة إبراهيم محلب وفداً ليبياً ضم وزير الدفاع واعتبر أن نجاح الضربات الجوية المصرية الأخيرة «بداية لكسر شوكة الإرهاب وانتزاعه من الأراضي الليبية». كما لام شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب حلف شمال الأطلسي «ناتو» لترك ليبيا «لقمة سائغة لقوى الإرهاب» عقب إطاحة النظام السابق.
وكان السيسي زار أمس الحدود مع ليبيا برفقة وزير الدفاع صدقي صبحي، حيث التقى ضباط سلاح الطيران التابع للمنطقة الغربية والذي نفّذ الضربات على معاقل «داعش» في مدينة درنة الليبية، كما التقى شيوخ وعواقل القبائل في مرسى مطروح (غرب البلاد). ووفقاً لبيان عسكري «تفقد السيسي عبر إحدى الطائرات العسكرية، الحدود الغربية ومناطق انتشار الوحدات والتشكيلات والدوريات المقاتلة المكلفة بتأمين خط الحدود الدولية»، قبل أن يناقش مع عدد من الطيارين والأطقم التخصصية والمعاونة في أسلوب تنفيذ المهمات المخطط لها والطارئة والتي تنفذها القوات الجوية لتأمين الحدود ضد عمليات التسلل والتهريب والتصدي لمخاطر التنظيمات الإرهابية المسلحة عبر الحدود. وأشاد السيسي «بما لمسه من مستوى متميز واحترافية عالية تعكس مستوى الكفاءة والاستعداد القتالي للقوات الجوية»، بحسب البيان. ووجه الرئيس المصري التحية لمقاتلي سلاح الطيران «على ما حققوه من ضربات ناجحة ضد المجموعات الإرهابية المسلحة، وطالبهم بالحفاظ على أعلى درجات الجاهزية لتنفيذ أي مهمة يكلفون بها من أجل الحفاظ على سيادة مصر وعزة وكرامة شعبها، والرد بكل قوة على أي محاولة للمساس بحدودها ومقدساتها»، مشدداً على أن مصر «ماضية في التصدي بكل حسم لأي محاولات تستهدف المساس بأمنها القومي».
ونقل البيان العسكري تأكيد السيسي اعتزازه بقبائل وعشائر (مرسى) مطروح، وتقديره لدورهم في تغليب المصالح العليا للوطن، وجهودهم في استعادة الأمن والاستقرار ودعمهم الكامل للقوات المسلحة في كل ما يتخذ من إجراءات للحفاظ على أمن مصر القومي، مؤكداً أنهم «جزء أصيل مكمل للقوات المسلحة في أدائها لمهماتها في حماية الوطن أرضاً وشعباً». وشدد على أن الدفاع عن الوطن وحماية أمنه القومي يمثّلان «المهمة الرئيسية للقوات المسلحة التي لا تهاون فيها، وأن قوات الجيش ستظل دائماً الدرع الواقي والحصن الأمين للشعب».
وبالتزامن مع ذلك توقعت مصادر مصرية مطلعة عدم تمرير مجلس الأمن الدولي طلب القاهرة تفويضاً دولياً للتدخل العسكري في ليبيا، لكنها أكدت أن التدخل العسكري المصري يمتلك «شرعية الموافقة من قبل الحكومة الليبية المعترف بها»، في إشارة إلى الحكومة التي تتبع مجلس النواب الليبي في مدينة طبرق،
ولاحظت المصادر أن الدول الغربية «تركز على الحل السياسي وتتحفظ عن العسكري، ونحن لا نرى تعارضاً بين الوصول إلى تسوية سياسية ومكافحة الإرهاب»، وقال: «سنستمر في تعاوننا مع الحكومة الليبية برئاسة عبدالله الثني، ودعم الجيش الوطني الليبي»، ولفتت إلى أن التحرك المصري «مؤيد من دول عربية» أيضاً، مشيراً إلى محادثات متقدمة تجري في الأروقة مع دول خليجية وعربية لا سيما السعودية والإمارات والأردن «لتشكيل تحالف عربي في مواجهة قوى الإرهاب في المنطقة»، وسيتم عرض الأمر على القمة العربية المقرر أن تلتئم في أواخر الشهر المقبل.
وكانت الحكومة الليبية المعترف بها دعت في بيان أمس مصر إلى «الاستمرار في توجيه ضربات جوية عسكرية على أوكار الإرهاب بالتنسيق مع سلاح الجو الليبي»، وأشارت إلى أنها «تتابع بقلق بالغ تنامي الإرهاب في ليبيا وتأثيره الخطير على دول الجوار والمنطقة والقارة الأوروبية في ظل ازدواجية معايير المجتمع الدولي وصمته عما يحدث»، وأضافت أنها «تثمن دور الجارة مصر في مساندة الجيش الليبي ضد الإرهاب والتطرف»، داعية القاهرة إلى الاستمرار في «توجيه ضربات جوية عسكرية لأوكار التطرف والإرهاب في ليبيا، بعد التنسيق مع القيادة الليبية ضمن عمليات مشتركة مع سلاح الجو الليبي».
وتتماهى الاستراتيجية المصرية للتعامل مع الوضع في ليبيا، مع سياسة التحالف الدولي ضد «داعش»، إذ تتضمن، وفقاً للمصادر المصرية، «توجيه ضربات نوعية ضد معاقل التنظيمات المسلحة في ليبيا، قد يتخللها في وقت من الأوقات عملية إنزال قوات خاصة، لتنفيذ عمليات خاطفة ثم العودة، مع دعم غير محدود لقوات الجيش الوطني الليبي لملء الفراغ، بالتزامن مع عمليات لمراقبة الحدود البحرية والمجال الجوي الليبي لمنع وصول السلاح إلى الميليشيات الليبية، ومن هنا جاء القرار المصري بفرض قيود على مرور الطائرات الليبية من المجال الجوي المصري»، لكن المصادر لفتت إلى صعوبات تواجه القاهرة في المساهمة في تشكيل جيش وطني ليبي، مشيرة إلى أنه تم إخضاع قيادات عسكرية ليبية لتدريبات خلال الأشهر الماضية، لكن «مسألة تدريب وحدات صعبة في هذه المرحلة المرتبكة هناك، الليبيون يريدون تأسيس وحدات لحرس الحدود بالأساس»، وقالت المصادر: «ندرس إرسال مستشارين إلى هناك لتدريب القوات الليبية، الأمر تحت الدراسة لا سيما تأمين عدم تعرضهم لاعتداءات».
وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري استأنف أمس اجتماعاته بالمندوبين الدائمين لمجلس الأمن في نيويورك لبحث الوضع المتدهور في ليبيا وإمكان تسليح الحكومة الليبية لتمكينها من مواجهة الإرهاب.
وفي القاهرة استقبل رئيس مجلس الوزراء المصري إبراهيم محلب وفداً من الحكومة الليبية ضم نائب رئيس الوزراء الليبي ووزيري الدفاع والتربية والتعليم العالي، بحضور السفير الليبي في القاهرة وممثلين عن وزارة الخارجية المصرية، وذلك لتقديم واجب العزاء في الضحايا الذين قتلوا على يد تنظيم «داعش» (21 قبطياً مصرياً قُتلوا ذبحاً)، واعتبر محلب أن «نجاح الضربات الجوية المصرية لمواقع الإرهاب في ليبيا هي بداية لكسر شوكة الإرهاب وانتزاعه من الأراضي الليبية»، مطالباً الحكومة الليبية بتوفير كل سبل الحماية الممكنة لتأمين أرواح المواطنين المصريين.
وشدد محلب، وفقاً لبيان أصدره مجلس الوزراء، على وقوف مصر ودعمها للحكومة الشرعية في ليبيا، معلناً ترحيبه بتوفير الإمكانات اللازمة لدعم وتدريب الكوادر الليبية. وأعرب عن تطلعه إلى عودة الاستقرار إلى كل ربوع ليبيا والقضاء على الجماعات الإرهابية هناك، والمضي في بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد الليبي.
وقدم نائب رئيس الوزراء الليبي عبدالسلام محمد علي البدري التعازي للحكومة والشعب المصري في الضحايا الذين قتلهم تنظيم «داعش»، مؤكداً تقدير حكومته للجهود المصرية في «دعم الشرعية الليبية ومساندتها في القضاء على البؤر الإرهابية» في ليبيا. كما أعرب عن تطلع حكومته «لتحقيق المزيد من التعاون المشترك في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وتدريب الكوادر الليبية في القطاعات العسكرية والمدنية».
من جانبه، لام شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، خلال استقباله أمس سفير إيطاليا في القاهرة السفير ماوريتسيو مساري، الغرب وحلف «الناتو» قائلاً إنه «كان عليهم إعمار ليبيا، بدلاً من الاكتفاء بتدميرها، إلا أنها تُركت لقمة سائغة في يد الميليشيات المسلحة لتهديد أمن ليبيا وسلامة جيرانها»، وشدد الطيب على أن مواجهة الإرهاب «تحتاج إلى تضافر جميع القوى العربية والدولية للقضاء على هذا الإرهاب الخبيث الذي لا يمت إلى أي دين من الأديان ولا أي مبدأ من مبادئ الإنسانية»، مطالباً إيطاليا بلعب «دور فعَّال في تصحيح الأوضاع في المنطقة، وعلاج المشاكل الناجمة عن التدخلات الخارجية».
إلى ذلك نظمت نقابة الصحافيين أمس وقفة احتجاجية للتنديد بذبح المصريين على أيدي تنظيم «داعش» في ليبيا، حيث ردد المشاركون في الوقفة هتافات تندد بالإرهاب وتنظيم «داعش»، وحملوا لافتة كتب عليها «حزن وحداد على أرواح شهداء الوطن».
وقال نقيب الصحافيين ضياء رشوان، خلال الوقفة، إن «استهداف الأبرياء وذبحهم بهذه الطريقة الشاذة والبشعة، هو فعل خارج عن كل القيم والمبادئ التي نادى بها الدين الإسلامي الحنيف وكل الأديان السماوية، بل وقيم الحضارة الإنسانية كلها عبر كل العصور».
|