WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Nov 21, 2010
 
انتخابات مجلس الشعب المصري... رصيد بلا نفاد وقعر بلا قاع

الاحد 21 تشرين الثاني 2010

هاني درويش


إعلان الحزب الوطني الحاكم في مصر عن خوضه الانتخابات بنحو 800 مرشح على مقاعد نيابية يبلغ عددها 444، لهو أكبر نتاجات ما يمكن تسميته بالبلطجة السياسية. بلطجة بالمعنى الحرفي بما تحويه الكلمة من معاني الفجاجة والإفراط الاستعراضي في استخدام القوة، ناهيك بالطبع عن مخالفة ذلك للقانون. فكما هو معلوم، لا يحق لأي حزب تقديم أكثر من مرشح للمقعد الواحد، اللهم لو قصد بذلك إغراقاً سياسياً يشبه الإغراق الاقتصادي في معانيه وحوافزه. أضف الى ذلك ما يعنيه ذلك من عدم قدرة أو عدم رغبة الحزب في السيطرة على شرائح واسعة من أعضائه كانت في الماضي تفهم الإشارة بالعين فتسحب ترشيحها فوراً بعد أن يظهر دعم الحزب لمرشح بعينه. كان كافياً أن يقول النظام لتاجر مخدرات شهير اسحب ترشيحك فيسحبه ذليلاً خوفاً من ظهور قضية قديمة في ملفاته أو من تسريب مجمل الملف لصحيفة تنهش في لحمه. اليوم، حتى لو خرج تاجر المخدرات حرفياً من قوائم الحزب، لا يجد غضاضة في التظاهر مع مؤيديه وتوجيه سباب جماعي للحزب ومرشحيه في تظاهرات لا تنقطع بين المحاكم واللجنة العليا للانتخابات.


يقول السيد على الدين هلال أمين عام مساعد الحزب بمنتهي الصراحة في تبريره لازدواج مرشحي الحزب، إن هذا حزب كبير، فيه شرائح وقطاعات عريضة تبحث عن التمثيل. والرجل لا يخفي بذلك شيئين، الأول إن مؤسسته ليست حزباً بما تعنيه الكلمة من حد أدنى من الانضباط، أو حد أدنى من الاتفاق على برنامج سياسي ما، والثاني هو أن حزبه ما هو إلا جماعة منتفعين ضخمة، تتغول وتتحول الى شبكات متداخلة من المصالح يصعب التوفيق بينها، طالما تحول الحزب الى وحش شره يأكل مقدرات الدولة، وطالما الانتساب اليه يعني الركون على قضمة معتبرة من مقدرات البلاد الاقتصادية.
تأمُل مرشحي الحزب في معظم الدوائر يشير أيضاً الى تصارع أجهزة الدولة الأمنية، فهذا مرشح الأمن الداخلي وذاك مرشح للأمن القومي؛ هذا مرشح العصبيات العائلية وهذا مرشح لجنة السياسيات... وهكذا تنفرط بقايا الدولة تمثيلاً في ثنايا الـ800 مرشح، وكأن الحزب يخوض معركته مع ذاته، مع تنوع مشارب جماعته المصالحية. وكأنه ايضاً لا يضع الآخرين (الأحزاب الأخرى) في مقام المنافسة، فهو يعلم أنه بذلك التمثيل المرن والمتداخل قبض على عصب التمثيلات الكبرى في مصر، وقد راعى القوى القابلة للحشد، أما ما تبقى فهو "فرم" أي مرشح معارض بين قبضة منافسيه، ففي الجولة الأولى على الأقل سيتصارع الجميع، يُسقط ضعاف الحزب مرشحي المعارضة على الأقل، ثم في جولة الإعادة يضمن الحزب احتشاد جمهور من خرج من المنافسة الى جوار مرشح الحزب الذي يعيد ترشيحه. أما لو جرى إسقاط مرشح المعارضة من الجولة الأولى فهذا يعني تحول الإعادة الى انتخابات داخلية حزبية.


لقد جرب الحزب في الماضي ثورة "الخارجين من جنة حساباته". ففي الجولة الأولى من انتخابات 2005 نجح من المستقلين (أي اعضاء الوطني الذين لم يجر اختيارهم) بالإضافة للاخوان نسبة 70%، ما ترجم فضيحة سياسية من النوع الغامق. فالقيادات فشلت في الاختيار بين متشابهين، ثم التفّ من طردوا من رحمته فأداروا معركة قدر لها أن تكون بحد أدنى من النزاهة مع وجود إشراف قضائي، الفضيحة السابقة حدثت لأن الفكر الجديد بالحزب حاول تغيير قواعد اختيار الحزب لمرشحيه، فحسبة "الشاذلي" التاريخية، والأخير هو أمين تنظيم الحزب وجامع مفاتيحه وشبكاته (توفي قبل أيام بعد 50 عاماً من التمثيل البرلماني) كانت تتضمن توازناً دقيقاً في المصالح وعيناً حمراء للمحازبين. جاء السيد جمال ورجاله بمواصفات مركزية من القاهرة، انتخابات داخلية و"مناظر" حزبية حقيقية. كان السيد جمال يراهن على تغيير هيكل جماعة المصالح بوجوه جديدة، بتشبيك يبدأ وينتهي برجاله. جاءت النتائج لتؤكد أن "عتاقي" الحزب هم الأبقى، هم كلمة السر.


الانتخابات الحالية بتركيبة الـ800 مرشح تجمع تكنيك جمال بالشاذلي. هي تضمن للاثنين تمثيلاً، والأقوى سيفوز. سيفوز الوطني فعلياً بنحو 60% من المقاعد من الجولة الأولى، ثم سينافس بشراسة على الـ40% الباقية في الجولة الثانية. لذا لا يبدو غريباً أن يخرج المختارون من قبل الحزب بمجرد ظهور قوائم المرشحين في كرنفالات إطلاق نار، في تظاهرات لـ"كيد" العوازل والاحتفال بالفوز المؤكد. فمجرد الحصول على ترشيح الحزب بات ضمانة مؤكدة للنجاح، وخلف الـ800 مرشح هناك ما يزيد عن الألف جرى اقصاؤهم، والحزب أجّل الإعلان عن ترشيحاته حتى ساعة قبل إغلاق باب الترشيح حتى لا يتحول مطاريده الى مرشحين مستقلين كما جرى في الانتخابات الماضية.


لكن كيف اختار الحزب مرشحيه عملياً؟ هل جرى ما يمكن تسميته بالمراجعة السياسية لأسماء أثبتت عدم صلاحيتها مثلاً؟ هل جرى تنقية المرشحين ممن باتوا عبئاً على الحزب بممارساتهم في الدورة السابقة؟ لا شيء من ذلك قد حدث، فعبد الرحيم الغول مرشح الحزب في قنا والمسؤول والحامي الرئيسي لمرتكب مذبحة الأقباط ليلة عيد الميلاد عاد مرشحاً مرة أخرى، ونواب القروض كما هم، بل وتبرز ترشيحات الحزب كعكة معتبرة لرجال أمن النظام، فبين المرشحين عشرات من ضباط جهاز الأمن الداخلي، وما مفارقة اللواء حازم حمادي إلا مفتتحاً في هذا القصيد.

 

عرف اللواء حازم حمادي في ثمانينات القرن الماضي بإسم حركي هو طارق ممتاز. كان مسؤولاً عن نشاط الناصريين في جهاز أمن الدولة. عذّب المتهمين في قضية تنظيم ثورة مصر الناصري وفي مقدمهم محمد زارع وحافظ أبو سعدة. الأخيران واجها معذبهم في تشكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشعب الماضي، حيث عين حازم حمادي - ويا للمفارقة - رئيساً للجنة، لجنة حقوق الإنسان يشرف عليها من قام بتعذيب ناشطين، والناشطون المعذبون أنفسهم أعضاء في اللجنة!


بالصدفة البحتة وربما المرتّبة كنت طرفاً في مشهد طارق ممتاز. فبعد فترة اعتقال قصيرة أثناء عام 1997 جرى الإفراج عني. في اللقاء الأخير قبل دقائق من إطلاقي جرى استجوابي بسرعة في مبنى لاظوغلي أمام والدي. كان طارق ممتاز مسؤولاً عن ملف أبي الأمني، ولأن استلامي كان على يد ولي أمري (لا أعرف لماذا هذا التكنيك الأسري لشخص بلغ الثانية والعشرين من عمره ويحاسب على ممارسته السياسة) جرت المقابلة. كان طارق ممتاز في طريقه للخروج من الجهاز، عرض علي القهوة الشهيرة التي تعني في لغة الاعتقال مرورك عليهم من وقت لآخر للتعاون معهم. رفضت بهدؤ فيما ابي المنفعل يسأله: أنت عايز تجند ابني يا طارق بيه؟


نموذج آخر: نائب منطقة المطرية ملعب طفولتي الأثير، ميمي العمدة هو إبن عمدة المطرية حين كانت قرية صغيرة قبل أن تتحول على يد الثورة الى منطقة صناعية ستينية. كنا أطفالاً وهاني العمدة الابن الأصغر المرشح الحالي هو أعز أصدقائي في المدرسة الابتدائية، وعائلة العمدة بقت عائلة شرفية من الزمن القديم، تملك "زريبة" نشتري منها اللبن الطازج، و"دواراً" كبيراً لحل منازعات العائلات في منطقة "عزبة الليمون". عائلة خرجت من سياقات الحداثة لكنها ظلت رابضة في النسيج الحزبي الحاكم. تسبب الابن الأكبر لميمي العمدة في كسر ذراعي. كان بلطجياً منذ الصغر يحمل "سرنجة" ويدور بها في فترات الفسحة المدرسية لإخافة الأطفال الصغار. حملتني سيارة بيت العمدة البيجو الى مستشفى هليوبليس. جاءت زوجة العمدة الذي بلا عمودية في حي صناعي باذخ الى المستشفى بـ"عمود" طعام، فيه دجاجة مقلية وأرز وشوربة خضار، واعتذار عائلي عن شقاوة ابن العمدة التالف. ابن العمدة التالف أصبح نائباً للحي ومطعوناً ترشيحه الحالي من خصومه بالتزوير، متهم بتزوير شهادة الخدمة العسكرية وشهادة محو الأمية، ناهيك عن السمعة البراقة بتجارة المخدرات، لكنه سيمر وسينجح.


الحقيقة أن ملف الانتخابات البرلمانية في مصر هو أكثر الملفات التي تصيبك بالغثيان، غثيان يؤكد أن لا شيء يتغير فعلياً في مصر، بل إن أعظم المتخيلين لا يقدرون على تخيل قاع هذا المجرور الذي نسقط فيه، فماذا يحتاج طارق ممتاز أو حازم حمادي أو الغول أو ميمي العمدة بعد نصف قرن من النهب المنظم؟ ماذا يحتاجون فعلاً؟ ومما يخافون ؟ لا أحد يعرف، كما أن لا أحد تقريباً يهتم.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved