|
القاهرة - من جمال فهمي: أعلنت مساء أمس اللجنة القضائية العليا للإشراف على الانتخابات نجاح المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية في الحصول على تأييد شعبي لرؤيته في شأن مسار مرحلة الانتقال من نظام الرئيس السابق حسني مبارك الذي أسقطته "ثورة 25 يناير" ووضعت السلطة موقتا في يد الجيش منذ إعلان مبارك تنحيه عن الحكم في 11 شباط الماضي.
وقال رئيس اللجنة القضائية المستشار أحمد عطية، ان نتيجة فرز أصوات المشاركين في الاستفتاء الذي أجري السبت على تعديلات في تسع من مواد الدستور الحالي الموقوف العمل به من يوم تولي المجلس الاعلى للقوات المسلحة سلطة الحكم والتشريع في البلاد ، كشفت أن نسبة من قالوا "نعم" لهذه التعديلات بلغت أكثر من 77 في المئة بينما لم تتجاوز نسبة من قالوا "لا" نحو 23 في المئة. واوضح أن عدد من شاركوا في الاقتراع وصل إلى أكثر من 18 مليون مواطن من مجموع الناخبين الذي يقارب 45 مليونا، أي بنسبة مشاركة "حقيقية" بلغت 41 في المئة وهي الأعلى في تاريخ مصر الحديث.
وأزالت المواد الدستورية التسع المعدلة "الشروط التعجيزية" التي وضعها مبارك لتقييد حق الترشح لمنصب الرئيس وجعله يكاد يكون حقا حصريا له ولنجله جمال. وعلى رغم أن التعديلات لم تقترب من الاختصاصات والسلطات شبه الإلهية التي يمنحها الدستور الذي حكم به الرئيس السابق 30 عاما، إلا أنها خفضت مدة الولاية الرئاسية من ست سنوات إلى اربع فقط ووضعت سقفا لبقاء أي رئيس في السلطة بما لا يتجاوز ولايتين، كما ألزمت مادة من المواد المعدلة مجلسي البرلمان (الشعب والشورى) اللذين سينتخبان على أساس هذه التعديلات (بعد نحو شهرين) الشروع خلال ستة أشهر في اختيار هيئة تأسيسية تضطلع بوضع دستور جديد للبلاد يجري استفتاء عليه قبل نهاية السنة المقبلة.
ورفضت كل القوى والأحزاب السياسية المدنية، (يمينا ويسارا)، والحركات الاحتجاجية والشبابية إلى الغالبية الكاسحة من المثقفين المصريين، هذه التعديلات، واعتبروها "مجرد ترقيع في دستور مهترئ" أسقطه الشعب مع نظام مبارك ، وطالبوا بـ"مسار مختلف" للمرحلة الانتقالية التي أكد المجلس الاعلى للقوات المسلحة أنها لن تزيد عن ستة أشهر سيعود بعدها الجيش إلى ثكنه تاركا الحكم لمؤسسات منتخبة .
أما المسار الذي أجمعت عليه كل هذه القوى والأحزاب، فيبدأ بإعلان مجلس رئاسي موقت يتألف من شخصيات مدنية وعسكرية يتولى السلطة العليا ويدير البلاد مع الحكومة الحالية ويتولى إنجاز المهمات الأساسية والعاجلة التي تسمح بالخلاص من رواسب و"مخلفات النظام الديكتاتوري الفاسد" السابق، وإطلاق كل الحريات العامة والاعداد لانتخاب جمعية تأسيسية معبرة عن تنوعات المجتمع المصري تتولى صوغ دستور ديموقراطي جديد للبلاد يفتح الباب لبناء مؤسسات حكم دستوري راسخ بدلا من "السير في خط متعرج محفوف بالمخاطر ويطيل عمر بقايا النظام" الذي اسقطته الثورة. غير أن جماعة "الإخوان المسلمين" خرجت عن هذا الاجماع السياسي وانحازت علنا للمسار الذي جسدته التعديلات الدستورية، وبدت كأنها دخلت في تحالف سافر مع المجلس الاعلى للقوات المسلحة وبقايا حزب مبارك (الحزب الوطني) وباتت بمثابة قاطرة جرت خلفها كل الجماعات والحركات التي تنسب نفسها الى الاسلام على اختلاف أوصافها وتنوعها بين معتدلين و"متطرفين".
وطوال أيام الأسبوع الماضي، شدد الحلف الآنف الذكر حملته لتمرير التعديلات حتى وصل بها إلى مستوى "الصراع الديني والطائفي"، وكرس جهده الدعائي في أوساط البسطاء والفقراء على شعارات دينية صرفة صورت التصويت بـ"نعم" في الاستفتاء على انه خط الدفاع عن صيغة المادة الثانية في الدستور الحالي، تلك التي جعلت من "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، وهي صيغة مررها الرئيس الراحل أنور السادات عام 1978 (مع مادة اخرى اطلقت مدد بقاء الرئيس في الحكم) في سياق مواجهته المعارضة العاصفة للزيارة التي كان قام بها للقدس المحتلة في تشرين الثاني 1977.
وتكاملت الدعاية الدينية للتعديلات مع الخط الذي اتبعه الإعلام الرسمي في ترويجها باعتبارها أقصر الطرق لاستعادة الاستقرار الاقتصادي في البلاد والعودة إلى الحياة الطبيعية بسرعة وانهاء الاوضاع الاستثنائية التي خلفتها أيام الاحتجاج الثوري الطويلة وأثرت مباشرة على أرزاق شرائح من المواطنين، وخصوصا في أوساط الطبقات الفقيرة والمهمشة. ولعل هذه الدعاية التي توسلت معاناة الفقراء وشعارات الدين، ولم تتورع عن إثارة النعرة الطائفية الى درجة بث شائعات وتوزيع مناشير تحض المسلمين على التصويت بـ"نعم"، لأن "النصارى سوف ينفذون أوامر الكنيسة بالذهاب للمشاركة في الاستفتاء والتصويت بلا" ، هي التفسير المنطقي لتضخم نسبة الموافقين على التعديلات الدستورية في المناطق الريفية والاحياء الأشد فقرا في المدن (تجاوزت التسعين في المئة أحيانا) قياسا بالمناطق والأحياء التي يقطنها المتعلمون وشرائح الطبقة المتوسطة.
|