|
السبت, 26 مارس 2011 القاهرة - أحمد مصطفى
تتعالى في مصر الأصوات الرافضة لأي وجود لبقايا النظام السابق في المناصب القيادية في مؤسسات الدولة، ما يضع الحكومة أمام محك حاسم لقدرتها على تهدئة التظاهرات التي تندلع بين ساعة وأخرى احتجاجاً على استمرار وجود مدير هيئة أو رئيس مجلس إدارة مؤسسة، أو حتى المسؤولين عن الإعلام والصحف الحكومية الذين عُرفوا بقربهم من دوائر السلطة خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق حسني مبارك.
ويرى مراقبون أن الحكومة لجأت إلى «الحل الأسهل» بتبنّيها مشروع قانون يجرِّم التظاهرات بدل ترسيخ إنهاء النظام السابق بكل رجالاته لتخفيف حدة الاحتجاجات. ويبدو أن تأخر الحكومة في التخلص من رجال النظام السابق قد يعصف بمستقبلها وبشعبيتها، وهو ما بدأت بوادره تظهر أمس، حين طالب متظاهرون أمام مبنى التلفزيون في وسط القاهرة رئيس الحكومة عصام شرف بتنفيذ وعده بالعودة إلى ميدان التحرير في حال عدم تمكنه من تحقيق مطالب الثورة.
وإذا كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير شؤون البلاد، يؤكد أن النظام السابق ذهب بلا عودة، ويحاكَم أمام القضاء عدد من رجالاته المتورطين في قضايا فساد، فإن تلك الإجراءات لا تشفي غليل الشارع، خصوصاً في ظل تحركات تناقِضُها، أبرزها بقاء رئيس ديوان رئاسة الجمهورية زكريا عزمي في منصبه وعدم القبض على رئيس مجلس الشورى صفوت الشريف ورئيس مجلس الشعب فتحي سرور رغم اتهامهما بتحريك بلطجية لقتل المتظاهرين في ميدان التحرير مطلع الشهر الماضي.
كذلك، بقي كثيرون في مناصبهم، رغم أنهم ظلوا يدافعون عن «إنجازات» مبارك وسياسات الحزب الوطني الحاكم سابقاً ويتهمون المتظاهرين بأنهم «قلة مندسة وعملاء». واندلعت أمس تظاهرات عدة في قلب القاهرة، جَمَعَها مطلب مشترك هو «تطهير البلاد من الفساد والمفسدين»، فأمام مبنى الإذاعة والتلفزيون تظاهر نحو 1500 شخص مطالبين باستبعاد قيادات التلفزيون الحكومي والصحف الرسمية، ورفعوا لافتات تدعو إلى محاكمة هؤلاء بتهمة الفساد.
وتعاني غالبية المؤسسات الصحافية منذ فترة من احتجاجات العاملين فيها على استمرار وجود قياداتها بعد الثورة، كما تشهد مؤسسات ومصالح وبنوك حكومية احتجاجات ضد استمرار مديرين كانوا مقربين من مبارك ونجله ويتهمهم العاملون بالفساد، كما يشهد مبنى الإذاعة والتلفزيون منذ إطاحة مبارك اعتصامات مستمرة تطالب برحيل قياداته. وكانت كلية الإعلام في جامعة القاهرة شهدت اعتصاماً لمئات الطلبة والأساتذة احتجاجاً على استمرار عميد الكلية عضو لجنة سياسات الحزب الحاكم الدكتور سامي عبدالعزيز، الذي عين في مجلس الشورى السابق، قبل أن تفرق الشرطة العسكرية مساء الاربعاء الاعتصام بالقوة، ليلجأ أمس الطلاب المحتجون إلى مبنى التلفزيون لمواصلة تظاهراتهم.
أما ميدان التحرير، فشهد تظاهرة ضمت نحو ألفي محتج على استمرار وجود بقايا النظام. وطالب هؤلاء بمحاكمة فتحي سرور وصفوت الشريف وزكريا عزمي، كما تضامَنَ هؤلاء مع زملائهم المجتمعين في ماسبيرو في المطالبة بإطاحة قيادت الصحف الحكومية والتلفزيون الرسمي. وتكرر هذا المشهد أيضاً في محافظة الإسكندرية الساحلية التي خرج فيها مئات المتظاهرين المحتجين على قانون تجريم الاعتصامات المزمع إقراره من قبل المجلس العسكري خلال ساعات، مطالبين بمحاكمة بقايا النظام السابق.
ووسط هذه الأجواء المشحونة، يغادر رئيس الوزراء القاهرة غداً إلى شطري السودان في أول زيارة خارجية منذ توليه، سعياً وراء محاولة «التكامل الاقتصادي» مع السودان وموقف موحد، خصوصاً من قبل الشطر الجنوبي، حول التحرك المستقبلي تجاه اتفاق تقسيم مياه النيل. وتحط طائرة شرف في البداية في مطار الخرطوم، حيث يلتقي الرئيس السوداني عمر البشير ونائبه نافع علي نافع، قبل أن يتجه إلى جوبا للقاء رئيس حكومة الجنوب سلفاكير ميارديت.
ويضم الوفد المصري المتجه إلى السودان وزراء الخارجية نبيل العربي والتخطيط والتعاون الدولي فايزة أبو النجا والكهرباء حسن يونس والري حسين العطفي والتضامن الاجتماعي جودة عبدالخالق. وأكد مسؤولون مصريون أن «السودان بشطريه، يُعَدّ الأهم لمصر، خصوصاً في ما يتعلق بالتنسيق المشترك تجاه مياه النيل». وأشاروا إلى أن «أول الملفات التي سيتم بحثها، هو التنسيق مع دول حوض النيل للتوصل إلى أفضل الحلول للمشاكل التي يتعرض لها ملف مياه النيل حالياً وإيجاد السبل الفنية والقانونية لحل الخلاف الحالي بين دولتي المصب (مصر والسودان) ودول المنابع، بما يحافظ على العلاقات القوية والتاريخية بينهما ويحقق النفع لكل منهما ولا يُلحق الضرر بأي منهما».
وتتناول المحادثات المصرية - السودانية تفعيل التعاون في مجالات عدة، «خصوصاً التعاون التجاري والاستثماري، وتنمية الاستثمارات المشتركة، والاستثمارات المصرية في السودان، من خلال حل أي مشاكل تتعرض لها عمليات التبادل التجاري، سواء من النواحي الإدارية أو اللوجستية، لاسيما مسألة النقل، بهدف زيادة التكامل». وسيتابع الوفد المصري خلال زيارته جوبا عاصمة الجنوب، المساعدات والمشاريع المصرية هناك، فضلاً عن البحث في كيفية تقديم مزيد من الدعم للدولة الوليدة «بما يكفل لها انطلاقة مستقرة على أرض ثابتة»، كما سيعرض القيام بدور الوسيط في أي خلافات بين الشمال والجنوب، مثل مشكلة أبيي وتقاسم الثروات وتسوية مسألة الحدود.
|