WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 19, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
ثماني عِبر من تونس

عمرو حمزاوي


للحكام والمواطنين في العالم العربي الكثير من العبر في ثورة الشعب التونسي التي أرغمت الديكتاتور زين العابدين بن علي على الهرب من البلاد، ويمكنها، وبالرغم من حالة الفوضى والانفلات الأمني التي تسود الشارع اليوم، أن تصنع مستقبلا ديموقراطيا رائعا.
أولى هذه العبر هي التذكير مجددا، وكما علمتنا الموجات العالمية المتعاقبة للتحول الديموقراطي خلال العقود الماضية، بعدم جواز استبعاد قدرة الشعوب التي ترزح تحت نير الحكم السلطوي مهما طال أمده واشتدت قبضته الأمنية على فرض التغيير عبر ثورات أو انتفاضات شعبية تخور أمامها قوة الرصاص وسطوة الفساد.


ثانية هذه العبر هي حقيقة أن الشعوب العربية لا تشكل استثناء على هذه القاعدة الإنسانية الراسخة وأن بمقدورها هي أيضا حين تريد ومن دون توقع من حكامها السلطويين، وكما أثبت المواطنون التونسيون منذ أن بدأت ثورتهم الشعبية في 17 كانون الاول 2010، فرض التغيير وتحمل كلفته العالية إن ببذل الضحايا (فقد قتل ما يقرب من 70 تونسيا منذ أن بدأت الاحتجاجات في ولاية سيدي بوزيد إلى أن هرب بن علي في 14 كانون الثاني 2011) أو تحمل مخاطر الانفلات الأمني وعنف الشارع. اليوم، أصبح الشعب التونسي مساهما أصيلا في الخبرة العالمية المعاصرة للثورات والانتفاضات الشعبية ضد الحكم السلطوي وللمطالبة بحقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحرياتهم.


ثالثة هذه العبر هي الهشاشة الفعلية للحكم السلطوي حين يواجه شعبا يريد التغيير والضعف الشديد للحاكم السلطوي حين يكتشف في اللحظات الأخيرة (أو "يفهم" بلغة الديكتاتور بن علي) عجز آلته الأمنية وأدواته القمعية عن حمايته في ظل غياب الرضاء الشعبي. يمكن الآلة الامنية أن ترهب المواطنين طويلا وتحول بينهم وبين ممارسة حقوقهم وحرياتهم وبينهم وبين معارضة الحاكم خوفا على أمنهم ومصالحهم، وربما تدفعهم إلى التوقف بالكامل عن الاهتمام بالشأن العام، إلا أن الآلة الأمنية هذه تعجز عن مواجهة المواطنين حين ينفضون عن ذواتهم الخوف ويخرجون إلى الشارع للمطالبة بالتغيير ولا يعيدهم لا الرصاص ولا سقوط الضحايا إلى منازلهم. والحقيقة أن الصورة الضعيفة والمتوسلة التي ظهر عليها بن علي في خطابه الأخير للمواطنين في 13 كانون الثاني 2011 كانت أبلغ من أية كلمات أو عبارات قد تساق في هذا الصدد.


رابعة هذه العبر هي أن الحكم السلطوي، وإن نجح في تحقيق معدلات نمو اقتصادي واجتماعي مرتفعة، يظل مفتقدا لشرعية الرضاء الشعبي لقمعه المواطنين وحرمانهم من حقوقهم وحرياتهم السياسية ولشيوع الفساد داخله وحوله في ظل غياب المحاسبة والشفافية. نعم حقق حكم بن علي معدلات نمو جيدة في تونس، كانت الأعلى بين البلدان العربية خارج منطقة الخليج وبلغ معها متوسط الدخل السنوي للفرد 4000 دولار، ونجح كذلك في تحسين المؤشرات الاجتماعية الرئيسية كالحد من الأمية ونشر التعليم وضمان درجة مقبولة من المساواة بين النساء والرجال في المجتمع، إلا أن القمع والحرمان من الحقوق والحريات السياسية والتحايل على المطالبة الشعبية بها من خلال واجهة برلمانية تعددية خالية من المضمون وكذلك فساد بن علي وأسرته والمحيطين به جميعا، وفي ترجمة عملية ومبهرة للمقولة الشهيرة "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، رتبت رفضا شعبيا واسعا للديكتاتور ظل كامنا لفترة طويلة إلى أن فجره الانتحار المأسوي للشاب محمد بوعزيزي. بل ربما أمكن القول أن معدلات النمو الاقتصادي والاجتماعي المرتفعة نسبيا التي شهدتها تونس خلال العقود الماضية ساهما تدريجيا في رفع سقف توقعات المواطنين ودفعتهم تدريجا إلى عدم الاكتفاء "بالخبز" والمطالبة بكامل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وفي خطوة تالية بحرياتهم السياسية.


خامسة هذه العبر هي أن الحاكم السلطوي، حين يطول أمد بقائه في منصبه وينتشر فساد المحيطين به ليتحول إلى الأصل وليس الاستثناء، يعجز عملا عن إدراك الأزمات التي يعاني منها الشعب أو يتعامل معها إن أدركها بمنطق أمني يبرره غرور السلطة وطول البقاء في المنصب. فقد تجاهل بن علي وصول معدلات البطالة بين الشباب المتعلم إلى ما يقرب من 50 في المئة وسوء الأوضاع الاقتصادية في الأقاليم البعيدة عن العاصمة والمدن الكبيرة، وتحوّل الفجوة بين الأغنياء والفقراء إلى هوة سحيقة تطول كل مناحي الحياة، ولم يفعل وزراؤه الكثير للتعامل مع هذه الأزمات. وحين بدأت احتجاجات المواطنين بعد حادثة محمد بوعزيزي صدرت الآلة الأمنية لمواجهتها، واستمر التعويل على رصاص وهروات الأمن الرسمي وغير الرسمي على الرغم من اتساع نطاق الاحتجاجات وتحولها إلى ثورة شعبية بكل المقاييس حتى الأيام الأخيرة قبل هرب الديكتاتور. وعندما شرع بن علي في كيل وعود التنمية الاقتصادية والمجتمعية للمواطنين ثم معاهدتهم على محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين ثم التعهد بتحقيق التحول الديموقراطي لم يقنع أحدا بعد الإرث الطويل لحكمه الفاسد والقمعي، والأهم أن صبر الشعب كان قد نفد ورغبته في التغيير استحالت من حلم مراوغ إلى أمل مشروع.


سادسة هذه العبر هي أن الشعوب حين تسعى بالفعل لفرض التغيير واطاحة الحكم السلطوي لا تعبر عن ذلك فقط من خلال مسيرات وتظاهرات ترفع الشعارات البراقة للديموقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد والانتخابات النزيهة، بل تخرج بالأساس إلى الشارع وفي لحظات غير متوقعه للمطالبة بحقوقها الاقتصادية والاجتماعية وبالحد من الفساد ومحاسبة الفاسدين. فتلك هي القضايا الحياتية التي تؤثر على جموع المواطنين مباشرة، وتدفعهم إلى المشاركة بكثافة في الحراك الشعبي الذي قد يبدأ صغيرا وفئويا، ويسبب تبنيها والدفاع عنها في التحليل الأخير المطالبة بالتغيير والديموقراطية لكون الأخيرة هي نظام الحكم الأقدر على حماية حقوق المواطنين والحد من الفساد. هذا هو ما حدث في تونس على غير توقع، وصنع ثورتها الشعبية التي لم ترفع بها اليافطات البراقة ولم يحمل بمسيراتها على الأكتاف نشطاء المعارضة والمجتمع المدني الذين اكتفوا طوال العقود الماضية بالمطالبة العامة بالتغيير والديموقراطية والحكم الرشيد. وفي هذا درس بليغ للمعارضات ولمنظمات المجتمع المدني في غير تونس من البلدان العربية ولتلك المجموعات من النشطاء التي احترفت الدعوة إلى التغيير وكثيرا ما تعالت على المطلبية الاقتصادية والاجتماعية والفئوية لشعوبها الفقيرة والمحرومة.


سابعة هذه العبر، وهنا نلمح بعض فساد حديث الحكام العرب عن التدرجية والإصلاح التدريجي والخطوات المحسوبة، هي حقيقة أن التغيير والديموقراطية لا يحتاجان لعقود طويلة من الإصلاح المدار حكوميا كي يتحققا وكذلك لا يستدعيان التواصل والتصاعد المستمر لضغوط قوى المعارضة والمجتمع المدني حتى يجبر الحاكم السلطوي على التغيير إن لم يرده. بل على العكس من ذلك تماما، تدلل الثورة الشعبية في تونس، وبعد عقود من وعود الإصلاح الحكومي الخالية من المضمون، على أن المواطنين إن بلغ يأسهم من قدرة الحكم السلطوي على الإصلاح والحد الفعلي من الفساد وتحركوا بعفوية للمطالبة بحقوقهم يستطيعون أن يفرضوا بعد أسابيع معدودة التغيير والديموقراطية بالرغم من الغياب شبه الكامل للمعارضات الحقيقة والقوية.


أما العبرة الأخيرة، فتأخذنا إلى صداقة وتحالف الحكام السلطويين في العالم العربي مع الغرب الرسمي ورغبة حكومات الأخير في الدفاع عنهم إلى الرمق الأخير خوفا على المصالح الغربية في عالمنا، فتجدد تذكيرنا جميعا بخبرة ثورة إيران الإسلامية 1979 وإطاحتها الشاه محمد رضا بهلوي. فمهما اتسع مدى الدعم الغربي للحاكم السلطوي ومهما أطبق صمت واشنطن والعواصم الغربية على قمعه وظلمه وفساده، يظل في مقدور الشعب إن تحرك للمطالبة بحقوقه ورغب في التغيير أن يحيّد عامل الدعم الغربي ويطيح الحاكم السلطوي، وحينها تكون الحكومات الغربية على رأس قائمة المتخلين
عنه والمتجاهلين لاستغاثاته هو وبطانته الفاسدة.


تحية لك يا شعب تونس الكريم على كل هذه العبر، وسلام الله عليك يا محمد بوعزيزي فقد انتفضت لحقك المضام وثار مواطنوك ليخلدوا ذكراك ويطيحوا الديكتاتور.

(مدير الأبحاث بمركز كارنيغي للشرق الأوسط – بيروت)


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved