WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 20, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
تسرعت الليبرالية العربية في الدفاع عن الفرد في وجه الدولة

عبد الإله بلقزيز

 

ينطلق دعاة الليبرالية العربية من فرضية مفادها أن الدولة الوطنية القائمة تعاني من نقص في الشرعية بسبب مضمونها السياسي الاستبدادي، فهي دولة الحاكم الفرد المطلق السلطة، المتحلل من قيود القانون والرقابة الشعبية، المتصرف في شؤون الدولة تصرفه في شؤون أملاكه الخاصة. من النافل القول إن هذه الأفكار ليست جديدة تماماً على الوعي السياسي العربي، ولم تقترن زمنياً بميلاد التيار الليبرالي في مطلع القرن العشرين، في مصر وبلاد الشام، وإنما نجد أصداءها تتردد عند نهضويي القرن التاسع عشر منذ رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي حتى عبدالرحمن الكواكبي. غير أنها، مع الليبرالية العربية في النصف الأول من القرن العشرين، ستأخذ أبعاداً أكبر: مع أحمد لطفي السيد ابتداء وتأسيساً، لأنها لن تعود مجرد أفكار ومبادئ ضمن رؤية عامة للنهضة تتداخل في تكوينها وتحقيقها أبعاد أخرى مختلفة، بل ستصبح عند الليبرالية العربية هي النهضة عينها والمشروع الفكري والسياسي الذي يقود إليها.


ألح الكواكبي، في مطلع القرن العشرين، على أن الداء الذي يفتك بالدولة والمجتمع هو الاستبداد وأن دواءه ما سماه الشورى الدستورية. سيردد أحمد لطفي السيد الفكرة عينها ولكن بوضوح أكبر في الرؤية ينزاح عنه غموض المفهوم السياسي وتركيبه الهجين بين منظومتين فكريتين (شرعية وليبرالية). الدستور هو الجواب السياسي عن معضلة الاستبداد، لأنه القانون الأعلى الذي تنتظم به أمور الدولة وتتحدد به السلطات والاختصاصات وتنتهي المشيئة والهوى والمزاج كآليات تقليدية في إدارة سلطة الدولة. انه المفتاح السحري لفتح الطريق أمام قيام الدولة الوطنية الحديثة واكتسابها الشرعية على مثال ما حصل في المجتمعات الأوروبية الحديثة. فالدستور وحده يعيد الدولة إلى المجتمع كملكية مصادرة منه من قبل فرد أو أسرة أو مجموعة اجتماعية، ويقيمها على مقتضى القانون بما هو تعبير عن الإرادة العامة.


من النافل القول إن الليبرالية العربية، في إلحاحها على الدستور وفصل السلطات والتمثيل النيابي، كانت تخطو خطوة أبعد في تمثلها واستيعابها للمنظومة الفكرية الليبرالية ونصوص كبار ممثليها (جون لوك، مونتسكيو، جان جاك روسو..)، لكنها كانت، في الوقت عينه، تجيب عن واقع سياسي قائم في مصر وأنحاء الإمبراطورية العثمانية آنذاك، هو واقع سيطرة نموذج النظام الملكي المطلق. ومن الطبيعي ألا تجد ما يسعفها في الرد عليه سوى استعارة مفاهيم الفكر الليبرالي الأوروبي الحديث. وقد يكون صحيحاً أنها تمثلت لحظات مختلفة من ذلك الفكر، كانت الواحدة منها ثمرة لظرفيتها التاريخية وعصرها، وبالتالي خلطت بينها فضاع من خطابها التماسك الفكري والرؤيوي، ولكن حاجتها إلى الأفكار الليبرالية، في معزل عن وجود أو غياب تماسك نظري، حاجة تاريخية وسياسية أكثر مما هي حاجة فكرية ومعرفية، وهو ما يكرس البعد النفعي لأفكارها ويشفع لتمثلها العابر للحدود بين المقالات الليبرالية الأوروبية والمغضي عن منظوميتها.


وليست المناسبة مناسبة تقويم المضمون الفكري لليبرالية العربية، ولكننا سقنا الملاحظة لإلقاء ضوء سريع على فكرة ليبرالية عربية أخرى زاحمت فكرة الدستور وكادت تضعها جانباً هي فكرة الحرية، وحرية الفرد على نحو خاص، وهي ترددت كثيراً في كتابات لطفي السيد وبدت وكأنها مفتاح شرعية الدولة المنقوصة الشرعية. وليست المشكلة في مبدأ الحرية كواحد من أساسات الفكر الليبرالي، منذ القرن السابع عشر، وإنما في ما آل إليه في ذلك الفكر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع جون ستيوارت ميل، من معانٍ جديدة وضعت الحرية في مقابل الدولة الوطنية، وهي المعاني التي تسربت إلى فكر أحمد لطفي السيد وغيره من الليبراليين العرب وغيرت من معنى شرعية الدولة، وتلك قرينة على فداحات ذلك الخلط بين أزمنة الفكر الليبرالي الأوروبي في الوعي العربي.


انتقلت الليبرالية العربية سريعاً من الدفاع عن الدستور والنظام التمثيلي وتوزيع السلطات والفصل بينها، إلى الدفاع عن الفرد والحرية الفردية في وجه الدولة. كان ذلك بأثر من قراءة مصادر الليبرالية الأوروبية المتأخرة، في نهاية القرن التاسع عشر، خاصة في بريطانيا، وكان من نتائج ذلك الانتقال أن حصل بعض التغيير في وعي مسألة شرعية الدولة في خطاب تلك الليبرالية، ففيما كان نقص الشرعية يُرد عندها إلى أنها دولة مجردة من ماهيتها القانونية (= الدستور، والتمثيل النيابي، والفصل بين السلطات)، أصبح النقص فيها من فعل دولة تصادر حريات الأفراد باسم الشعب أو الحق العام أو القانون. وإذا كان يمكن تدارك أزمة الشرعية، في الحالة الأولى، من طريق إصلاح منظومة الدولة بإقامتها على مبدأ القانون، فإن تداركها في الحالة الثانية يكاد يمتنع من دون الحد من سلطة الدولة، وهذا كان الوجه المتطرف من تلك الليبرالية الذي لم يكن يقابله في التطرف سوى تأميم الدولة أو تأليه دورها.


في الأحوال كافة، ظل الخطاب الليبرالي العربي متوجساً من دولة لم يقم أمرها تماماً على مقتضى حديث، حتى في حقبتها الكولونيالية التي كتب فيها أحمد لطفي السيد، وهو توجس تفاقم منذ ثلاثينات القرن العشرين حين بدأت الليبرالية العربية تستشعر خطر صعود الدعوات المتزايدة إلى الوصل الماهوي بين الدولة والدين، وكانت مصر مهدها وساحتها الرئيس لحظتئذٍ.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved