WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 20, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
الحديث عن الحرية عبث ما لم يقم على أساس الفردية والتفرد

كمال غبريال


"ولد الإنسان حراً، إلا أنه مكبل في كل مكان بالأغلال، على ذلك النحو يتصور نفسه سيد الآخرين، الذين لا يعدو أن يكون أكثرهم عبودية. فكيف جرى ذلك التغيير؟ أجهل ذلك".
بهذه العبارة استهل جان جاك روسو كتابه الخالد "العقد الاجتماعي" عام 1762، ولم يكن ما لاحظه "روسو" مجرد حالة عابرة، تخص مكاناً أو زماناً ما، فهذا الوضع الإنساني أو اللاإنساني كان في الماضي قبل روسو وبعده وإلى الآن، وربما سيظل قائماً إلى الأبد هنا أو هناك. إذا كان الإنسان حقاً ولد حراً، فمن أين له بالقيود؟ من الذي علمه أن يصنع القيود؟ ومن الذي أوحى له أن يرتديها؟ كيف تأقلم مع أغلاله؟ هل نسى فعلاً أنه يوماً ما كان حراً، ومنذ متى فقد الذاكرة؟ الكون يموج بالأحياء، وكلها حرة طليقة، فلماذا اختص الإنسان دون غيره بالقيود؟ هل الإنسان فعلاً يتميز بالعقل الواعي دون باقي الكائنات؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل القيود والأغلال هي المصير الذي قاده إليه عقله ووعيه؟!!


إذا كان من الواضح والمرجح أن عقل الإنسان ووعيه هما المسؤولان عما آل إليه حال الإنسان من عبودية يتفرد بها على سائر الكائنات كما لاحظ روسو، فإن الوعي ذاته أيضاً هو الذي استيقظ بداية من القرن السابع عشر والثامن عشر على الأقل، لينتشل الإنسان من سقطته، ويستعيد له حريته، بالبدء في مسيرة طويلة وشاقة وعسيرة، تعترضها العقبات، وتتخللها انتكاسات وارتدادات، لكن تيارها العام ظل منذ ذلك التاريخ يتقدم حثيثاً نحو غايته العليا، وهي تحقيق الحرية التي تجعل الإنسان فخوراً بكونه إنساناً. تلك المسيرة التي نطلق نحن عليها الآن المسيرة الليبرالية، والتي تعني لغوياً واصطلاحياً "الحرية"، ولا شيء غير الحرية.


لا بأس أن نختلف ونتجادل حول مفاهيمنا المتعددة للحرية، فالمعنى الواحد الوحيد والصارم، لا يمكن أن يمت بصلة لعالم الحرية الذي نسعى إليه، أو نزحف نحوه، لكن من الواضح أيضاً أن التنوع في مفاهيمنا للحرية أو الليبرالية، لا يمكن ولا يجوز أن يتوجه بنا إلى اتجاه مضاد للهدف الوحيد وهو تحرر الإنسان، فإذا ما خرجنا بمفاهيمنا عن ذلك الخط أو تلك الدائرة، فإن علينا عندها أن نسمي الأشياء والأمور بمسمياتها الحقيقية والمنطقية، فنعلن صراحة أننا معادون أو رافضون للحرية، بدلاً من أن نقوم بمماحكات ومغالطات، لكي نلبس العبودية ثياباً جديدة ملونة، حتى تتماشى مع موضة العصر الليبرالي، أو نكون كمن يأتي بعبوة من الملح، مكتوباً عليها من الخارج سكر!!


نقول هذا لأن الكثيرين يرتكبون أخطاء في فهم الليبرالية، وقد يكون وراء هذا سوء نية أو حسن نية، ولأن النيات ليست ضمن اهتماماتنا، فإن الأمر لدينا سيان، وهو أن أخطاء الفهم تودي بنا إلى الضلال عن طريقنا الذي اخترناه، أي مسيرتنا نحو تحرر الإنسان، فنهدر الوقت والجهد ونحن ندور متعثرين متلعثمين حول أنفسنا وذواتنا المتضخمة على ما بها من خواء!! ببساطة كل فكر يساعد على تحرر الإنسان هو فكر ليبرالي، وكل ما يحكم القيود حول رقبته أو قدميه، هو فكر مضاد لليبرالية، ولا أعتقد أننا هكذا نتحكم أو نتعسف!!


يتصور البعض أن الليبرالية تحتم على الإنسان أن يتخذ موقف حياد أشبه بـ"اللاأدرية"، حياد أعمى فرضه عليه قدره الليبرالي، بين سائر التيارات والمتناقضات الفكرية والسلوكية، وأن أي انحياز أو تحمس لأحد الجوانب، هو بمثابة كفر أو تناقض مع ما يعلنه أو يدعيه من ليبرالية!! هكذا وكأن الليبرالية ماء فاتر عديم اللون والطعم والرائحة، وكأنها أيضاً ليست وصفاً أو دليلاً لسعي الإنسان نحو الحرية، وإنما هي بركة مياه راكدة، تتيح لكل أنواع الديدان والطفيليات أن تنمو وتترعرع، مادامت تنظر الى كل الأشياء بمنظار واحد محايد لاأدري، وتقوّم المرَّ ذات تقويمها للعسل، وتتعامل مع "الحمرا" كما تتعامل مع "الجمرة"، ومع السمكة كما مع الحية الرقطاء، فتصف دعوات التحرر والمحبة بأنها "فكر"، وتصنف أيضاً دعوات القتل والكراهية، أو دعوات الحجر على الإنسان وتقييد وتحديد سلوكه في كل همسة ولمسة بأنها "فكر" أيضاً، وأن كليهما ينبغي أن يعطيا فرصاً متساوية للانتشار برعاية "ليبرالية كريمة".


هو فهم غريب إن لم يكن شاذاً، أن نتصور أن الليبرالي ينبغي أن يقف الموقف نفسه من كل من دعاة تحرر الإنسان ودعاة تكبيله بالأغلال، وأن يترك أمر الحسم بين الطرفين لآلية من آليات الليبرالية هي "الديموقراطية"، ممثلة حصراً في صناديق الانتخاب أو استطلاع الرأي، فنقوم بعمليات حسابية وإحصائية، تحصر عدد المؤيدين للتحرر وعدد المعادين له، لنصل هكذا إلى القرار "الليبرالي" الصحيح، الذي قد يكون الالتزام بتفسيرات محددة لنص مقدس، هو الذي قررته الغالبية العددية، والطريف هنا أن نتصور أننا هكذا نكون نعيش في حالة ليبرالية، أي حالة تحررية، رغم أن الإنسان هنا يكون قد أحكمت حوله القيود، وتم إدخاله إلى زنزانة يقف على بابها سياف، متأهب لقطع رقبة كل من تسول له نفسه الخروج!!


طريف أو سخيف أيضاً أن يكون المدى الذي نذهب إليه في تحررنا، محكوماً بقدرتنا على لي عنق نصوص مقدسة، تحت مسمى التأويل أو التحديث أو ما شئت من مسميات، ينطبق عليها وصف واحد حقيقي وكاشف، هو "التحايل على النص"، والأكثر طرافة أو سخافة هو ألا نعتبر مثل تلك المحاولات مقدمة لا مفر منها قبل أن يتيسر لنا الفكاك النهائي من أغلالنا، وإنما نطلق عليها تسميات ظريفة نرضي بها الأنا المجروحة، كأن نعتبر الدوران الحائر حول الذات المغلولة، هو إبداعنا الليبرالي الخاص، فيا لها من ليبرالية، وما أسوأها خصوصية!!


يكون الحديث عن الحرية عبثاً، ما لم يقم على أساس فردية الإنسان وتفرده، بمعنى أن أي محاولة لصب الجميع في قالب واحد ولو من ذهب، هي محاولة مضادة للحرية، سواء كان هذا القالب الذهبي أيديولوجيا علمانية، أو دوغما ميتافيزيقية، فالدائرة الوحيدة التي تحدد للإنسان الحر أو الليبرالي حركته، هي دائرة التقاطع مع حرية غيره، وفقاً للمبدأ البسيط المعروف لدينا "أنا حر ما لم أضر". أما التوجهات التي تحدد للإنسان ما هو أكثر من ذلك، وتتمادى لتضبط أخلاقه وسلوكه ومصيره في الدنيا والآخرة أيضاً، فهذه لها تقويم ومكان آخر غير الفضاء الليبرالي، ولا يغير من هذا التقويم أن يذهب الإنسان للقيود بإرادته الحرة، فالقيود هي القيود، سواء أجبرنا عليها طرف خارجي، أو أملتها علينا نوازع داخلية، تم زرعها في عقولنا ونفوسنا، فتحولنا من طبيعتنا الأصلية الحرة، إلى كائنات تدمن العبودية وتأتنس بها. فالحرية ليست بالبساطة والابتذال أن تكون مجرد حرية اختيار. نعم حرية الاختيار حق إنساني، وأحد ممارسات الحرية، لكنه ليس كل ما في فضاء الحرية، فالاختيار الحر للعبودية لا يكفل للإنسان وصف "حر"، فليكن عندها ما يكون فهذا هو قراره، لكن هذا لا يمكن أن يعني أنه قد صار "إنساناً حراً"، وأن المجتمع المكون من أمثاله هو مجتمع ليبرالي. فالشعب الأفغاني الذي أتاحت له قوات التحالف حرية الخيار، لا يكاد أن يكون تحرك خطوات يعتد بها، مفارقاً لعبوديته الاجتماعية والدينية. نعم من حق المرأة أن تدفن نفسها بإرادتها داخل عباءة سوداء، لكن هذا لا يعطيها الحق في الادعاء بأنها "كائن حر"!!


هنالك نقطة أخيرة في عجالتنا هذه، وهي أن الحرية لو كانت مطلوبة فقط لذاتها، باعتبارها حقاً إنسانياً طبيعياً أصيلاً، لأمكن أن نخدع أنفسنا، كما يحدث الآن كثيراً هنا وهناك، ونطلق على قيودنا توصيف "حرية"، ونسوق المماحكات والمغالطات للبرهنة على أن ما نحن فيه هو عين الحرية، وأن كل ما عدا ذلك هو العبودية. كان يمكن أن نقبل هذا التدليس ولو على مضض، انصياعاً للمثل الشعبي المصري القائل: "أبوها راضي وأنا راضي، مالك أنت ومالنا يا قاضي"، لولا أن البيئة الحرة الحقيقية، هي البيئة الوحيدة التي تتفجر فيها ملكات الإنسان الإبداعية، والتي بدونها لن يتطور أو يتقدم الى الامام بالمقياس الحضاري، ونستطيع التأكد من ذلك الادعاء بسهولة، إذا تلفتنا حولنا، لنلاحظ أنه حيث الحرية هناك التقدم الحضاري، وحيث العبودية بمختلف أشكالها هناك التخلف والفقر والمعاناة. هكذا فإن مغالطاتنا ومحاولاتنا وصف الأغلال التي تكبلنا بأنها أغلال ليبرالية، سوف ترتد علينا على أرض الواقع، عجزاً عن مسايرة التقدم والتطوير، لنظل إلى الأبد نخوض في مستنقعات تخلفنا وجمودنا، وهناك من ينشد لنا مزامير ليبراليتنا الخصوصية!!


قد يبدو موضوع الحرية أو الليبرالية معقداً أو تكتنفه المتشابهات، لكن الحقيقة هي أنه غاية في البساطة والوضوح، وما الغموض والالتباس إلا لمحاولاتنا التدليس والتعمية على أحوالنا، وهو ما لم ولن يفعله قوم أحبوا الحرية حقيقة، وأدركوا ما تتيحه لهم من تحقيق للذات ورفاهية في العيش الكريم الذي يليق بالبشر، وقرروا أن يسيروا في طريقها!!


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved