WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Nov 22, 2010
 
التطرف والإرهاب على أنقاض الدولة الوطنية

الإثنين, 22 نوفمبر 2010

عزمي عاشور *


بات لافتاً أن أسباب صناعة التطرف في الدول العربية لم تعد مثلما كانت في السابق تتوارى تحت شعارات جهادية مستغلة في ذلك حالة الحروب التي كانت تقع نتيجة الصراع العربي - الإسرائيلي أو الحرب الأفغانية - الروسية في ثمانينات القرن الماضي. الواقع أن الأمر اختلف الآن، فأصبح نشاط التطرف والإرهاب يظهر في المجتمعات التي تغيب فيها سلطة وهيمنة الدولة بشكل كبير كما في حالة كل من العراق واليمن والصومال، وهو ما يبرهن على أن هناك مرحلة جديدة من نشاط التطرف ممثل في قيام «القاعدة»، ببناء قواعدها على أنقاض مشروع الدولة الوطنية، التي أصبحت عوامل فشل بنائها تتحول إلى عوامل نجاح للتطرف والإرهاب في الوقت نفسه وفقا للآتي:

 

أولاً: أن بروز قيم التطرف في عقلية الشباب وفي ثقافة المجتمع ارتبط بضعف بناء الدولة الوطنية بكل مكوناتها الفكرية والثقافية، فالنخبة الوطنية على ما يبدو قد استمرأت طول بقائها وأهملت دورها في بناء المجتمع لينمو عشوائياً وليكون بيئة خصبة لظهور التطرف والإرهاب، فيتم تشكيل عقول الشباب وفق عقلية التطرف وليس وفق الأسس والمقومات التي تتفق مع تطور المجتمعات في العصر الحديث، فتنظيم «القاعدة» الآن بات يتمركز بشكل كبير في البلدان الرخوة التي تغيب فيها سيــطرة وهيمنة الدولة على أراضيها مثل حالة دولة العراق المحتل الواقع ضحية لعملية النزاع بين القوى في الداخل والخارج، والدولة اليمنية التي استمرأت نخبتها الاستمرار في الحكم على ما يزيد على الثلاثين سنة، وما رافق ذلك من فشل في التنمية والنهضة الأمر الذي خلق صراعات داخلية مبعثها طغيان السلطة الحاكمة، ما فتح الباب لنمو الأفكار الجهادية لتنظيم «القاعدة» التي وجدت في اليمن وجبالها مكاناً حصيناً لتكون ميداناً لانطلاق عملياتها، ليس داخل اليمن فحسب، وإنما عبر مناطق كثيرة أخرى، وقدرتها من خلال ذلك على توصيل تهديداتها إلى بقية دول العالم.

 

ثانياً: سيكولوجية الجهادي المسلوب العقل الباحث عن الزعامة: حيث ترك فــــشل المشروع الوطني لهذه المجتمعات تأثيراته السلبية على الشباب في ظل إهدار حقوقه وعملية الاستلاب والتغييب التي تمت أولاً من قبل السلطة السياسية التي مهدت له الطريق بعد ذلك ليكون مهيأ ليمتلئ عقله بأفكار التطرف والإرهاب والتي تجعل منه أداة وهدفاً في الوقت نفسه تعويضاً عن أهداف كثيرة افتقدها؛ فيحاول أن يصنع لنفسه عالمه الذي يجده في الدين يوظفه بالشكل الذي يحقق له أهدافه داخل هذا العالم الجديد فيبحث عن البطولة في لفت أنظار إليه تعويضاً عن حالة الاستلاب، وذلك باستغلال ما لديه من عقل في صناعة القتل الذي يصبح أمراً ليس عليه قيود، ويسيراً مادام يجد له مبرراً دينياً من وجهة نظره؛ فعملية قتل مجموعة من البشر من أيسر الأمور التي قد يقوم بها فرد إذا تحولت إلى عمل غير محرم في عقليته، فما بالنا بالإرهابي التي سيجد فيها كل الغاية التي يتمناها من تفجير نفسه في مجموعة من الأفراد أو داخل طائرة ليحقق هدفين للتنظيم الجهادي الذي ينتمي إليه: أحداث ضجة إعلامية تصنع حالة من الزعـــامة معولمة لمن يقف وراء هذا الأمر فضلاً عن الترهيب والتخويف الذي يشمل المجتمعات. ومن طريق استغلال الشبكة العنكبوتية والعولمة الإعلامية يصنع البطل الإرهابي المعولم في عقلية الجهاديين الذين يرون في أنفسهم انهم حققوا انتصاراً بهذا الفعل للكثير من أهدافهم داخل عالمهم الذي صنعوه لأنفسهم والذي يرون تأثيره في حالة من التأهب التى قد تجتاح العالم عندما تكون هناك محاربة لهذا التنظيم مثلما ظهر أخيراً في مسألة الطرود وما ارتبط بها من حالة الاستعداد الأمني الذي شمل الكثير من مطارات العالم فضلاً عن أن خلق هذه الأجواء يشعرهــــم بالقدرة على إحداث حالة من الهلع تجتاح العالم بســـبب تهديداتهم ... فهم يرون انفسهم أبطالاً بترهيب العدو الذي يصنعونه ممثلاً في كل من يخالف افكارهم سواء كان على دين الإسلام او على غيره من أصحاب الديانات الأخرى.

 

ثالثاً: خطأ معالجة الظاهرة بالاحتلال: في السابق كان الاحتلال الأجنبي هو أحد العوامل التى ساعد على انتشار الإرهاب، فالحرب الأفغانية - السوفياتية صنعت ما يـــمكن ان نطلق عليه الجيل الثاني من الإرهابيين والجهادييــــن (اذا ما اعتبرنا الجيل الأول ظـــهر بعد هزيمــــة 1967 وهــــو يحــــتاج الى حديث منفصل) بظهور الجماعات الجهادية التى ظهرت بشكل لافت في مصر وقامت بعمليات إرهابية في ثمانيات وتسعينات القرن الماضي بعد عودة قياداتها من افغانستان، هذا فضلاً عن تنظيم القاعدة والتـــطور الذي دخل عليه باستغلاله تطورات التكنولوجيا في التحرك والانتشار والتواصل والتخطيط، ومن أن الاحتلال احد العوامل وليس هو العامل الوحيد في صناعة التطرف، لذلك فمن الضروري استبعاده، او على الأقل عدم التعويل عليه كحل وحيد، لمحاربة الإرهاب في البيئات التى ينمو فيها حيث بدأت نغمة التدخل العسكري في اليمن بعدما تأكدت صلة «القاعدة» بالتهديدات الإرهابية الأخيرة وهو امر قد لا يحل المشكلة بقدر ما يعقدها ويولد مشاكل اخرى كثيرة.

 

فوجود الاحتلال كان سبباً للإرهاب والتطرف وليس نتيجة. فتنظيم «القاعدة» في العراق، على سبيل المثال، لم يكن موجوداً قبل الاحتلال وبالتالي ارتبط وجوده بذلك الاحتلال، وبالمثل ايضاً التطرف والإرهاب في أفغانستان تولد من رحم الحرب الأفغانية أثناء الاحتلال السوفياتي.

 

ولذلك فالتدخل العسكري في اليمن قد يزيد من قوة تنظيم «القاعدة»، خصوصاً ان الطبـــــيعة الجبلية لليمن تعطيهم حصانة وقدرة على المناورة والقــــتال، وهو أمر يريده تنظيم «القاعدة» بهدف جر أميركا بجيشها إلى أمــــاكن تحـــقق له انتــصاراً رمزياً يعكس وقوف هذا التنــــظيم ضدها، وما له من تأثيرات على العقل الجمعي في المجتمعات الإسلامية التي تتعاطف معنوياً مع من يحارب اميركا حتى لو كان الشيطان  نفـــسه، واليمن يعد من الأماكن المناسبة لتحـــقـــيق ذلك، وليس ببعــــيد ما سببه الحوثيون من مشاكل داخلية في اليمن بمعاركهم مع جيــــش الدولة انطــــلاقاً من هذه البيــــئة ذات الطبيعة الجبلية التى تخلق حماية وحصانة للمتمردين.

 

فالطريق لمحاربة الإرهاب والتطرف يبدأ بالعمل على إعادة بناء الدولة الوطنية بشكل جاد وليس الاحتلال، والعمل على القضاء على كل العوامل التى أدت الى فشل بنائها بالشكل المرجو، وهو أمر معالجته تبدو صعبة في مثل هذه المجتمعات الا انه يـــبقى هو الحل الأمثل الذي يرتبط به نجاح بقية العوامل الأخرى، فإصلاح السلطة السياسية سوف ينعكس إيجاباً على المجتمع ككل. فهل نستطيع ان نحارب القاعدة بمحاربتنا للاستبداد السياسي الذي قد لا ندري ما سيجلبه لنا في المستقبل من كوارث أخرى.

 

 

* كاتب مصري


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved