WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 22, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
الحركات الاحتجاجية في العالم العربي ما بين السياسي والاجتماعي

كتب ابرهيم حيدر:


تطرح حركة الاحتجاجات في عدد من الدول العربية اسئلة متفاوتة عما يمكن أن تحققه من مطالب، وتثير في المقابل تساؤلات عن حقيقة ومستقبل الإصلاح في العالم العربي. هذه الظاهرة التي انفجرت في تونس والجزائر على وقع الأزمة المعيشية وارتفاع الأسعار، وكادت ان تأخذ مساراً آخر في الأردن، فيما بقيت تحت سيطرة النظام في مصر، وهي جامدة في لبنان بفعل أزماته السياسية والطائفية، وتم تطويقها في البحرين، لم تغير من الواقع شيئاً، انما كرست الأزمات القائمة وعمقتها، لعجز هذه الانظمة عن الاستجابة لمطالب المحتجين أولاً، ولعدم قدرة حركة الاحتجاج على السير باستقلالية ظاهرتها الى النهاية.


لكن كيف تصنف النظم العربية السياسية طبيعة الاحتجاجات؟ هي تصفها دوما بأنها عمل ارهابي وتخريبي، وتحركها جهات خارجية. أما الوسيلة الرئيسة لمواجهتها واخمادها، فبالقمع، من دون الاكتراث الى ما يمكن أن تحدثه من تكريس للازمات وتعميق للانقسام المجتمعي، حتى وان اقدمت على اجراءات لخفض الاسعار ومضاعفة التقديمات. وعلى المقلب الآخر، فإن الاحتجاجات تتجه الى الفوضى من دون ان تتمكن قيادات الحركة الاحتجاجية من ضبط الشارع، مما يزيد الواقع تأزماً وتصبح القوة هي المعيار لمعالجة المشكلة.

الاحتجاجات لصيقة بالنظم السياسية


على وقع ما حدث في تونس من سبه انتفاضة، بدأت بمطالب معيشية وادت الى فوضى في المدن لم يحسمها الا تدخل الجيش، وفي الوقت عينه كانت الجزائر الدولة تستوعب الحركة الاحتجاجية، فيما النار لا تزال تحت الرماد في المغرب ومصر والأردن واليمن، ولبنان ايضاً، فإن مسار هذه التحركات جميعها لا يبعث على احداث تغييرات أو تطوير في هذه الأنظمة، وان كانت بعض الاحتجاجات، كما في الحالتين التونسية والجزائرية مثلاً، تعبر عن حركات احتجاج اجتماعي في المرتبة الأولى، إنما في بقية الدول تحمل مزيجاً ما بين السياسي والاجتماعي، كما في المغرب ومصر والاردن، وحال استقطاب سياسي وطائفي ومذهبي على ما حصل في البحرين، وتحريك سياسي وطائفي ومذهبي، كما في التجربة اللبنانية، والتي لم تكن تاريخياً على هذا المنوال.


ويصادف ان كتاباً بعنوان: "الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي"، يدرس حالات مصر والمغرب والبحرين ولبنان، صدر أخيراً عن مركز دراسات الوحدة العربية يقارب الاحتجاجات في هذه الدول، قبل ان تندلع في تونس والجزائر ودول مرشحة أخرى، مسجلاً طابع التنوع والتمايز والتشابه في ما بينها، وليستنتج بأن ظاهرة الاحتجاجات في الدول العربية، غالباً ما تكرس الأزمات وتعمقها، فيما الأنظمة تتحايل على المطالب ولا تنفذ تعهداتها.


وتبدو علاقة الحركات والاحتجاجات في النظم العربية القائمة علاقة مركبة، وفق الباحثين في الكتاب، فحتى في النظم السياسية التي تعرف تداولاً للسلطة، كلبنان، ظلت ديموقراطيتها مقيدة بأعراف عائلية وطائفية عطلت من تطورها، في حين بقي النظام السياسي المغربي النموذج الافضل نسبياً ما بين نظم التعددية المقيدة التي تضم مصر والجزائر واليمن والسودان. أما البحرين فهي تشهد تعددية فكرية وسياسية، وليس حزبية، لكن قيودها كثيرة، وأهمها حضور البعد المذهبي في صراع كثير من الحركات الاجتماعية في النظام القائم.

تونس ودول عربية...


قبل اندلاع حركة الاحتجاج الاجتماعي في مدن الجنوب التونسي وانتقالها الى العاصمة ومدن أخرى، كانت الأخبار تتناقل عن حالات من الفقر المدقع في عدد من المناطق التونسية، أدت الى حالات وفاة عديدة. وتحدثت التقارير عن الفجوة الهائلة في التنمية ما بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية الجنوبية. فمناطق الشمال تحظى بحصة الأسد من التمثيل في مؤسسات الدولة السياسية وفي القطاعات الاقتصادية المتنوعة، وأبرزها السياحة.


وبرغم الاحتجاجات التي قاربت الانتفاضة في تونس، لم يطرأ أي تغيير على السياسات الداخلية، بل إن الاجراءات المتبعة أشارت إلى الاصرار على مقاومة أي اصلاحات ممكنة من جانب السلطات، وفرضت الحكومة المزيد من القيود السياسية، ومن بين الاجراءات اقفال الجامعات وتشديد الرقابة على وسائل الاتصال الحديثة، إضافة الى اعتقال عدد من المعارضين.


وتدل الاحتجاجات على إحباط سياسي واقتصادي وعلى صورة نموذجية للنمط السائد في العالم العربي، وهو نمط تكرر في الجزائر ويتكرر في العديد من الدول العربية، حيث تتصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي في ظل غياب الاصلاح السياسي وضعف المشاركة الشعبية ومحدودية تأثيرها. وفي الأردن تتصاعد حركات الاحتجاج الاجتماعي على خلفية الاعباء المعيشية المفروضة على المواطنين الأردنيين، فحالات الفوران الاجتماعي وتصاعد العنف داخل المجتمع ما هي الا مقدمة لتحركات على مستوى أوسع.


ويبدو أن جدال الاصلاح لم يلامس الواقع العملي الذي يعيشه المواطن العربي، فهو إما خطابات رنانة تدين الفساد وسوء توزيع الثروة، وتشيد بأهمية التنمية السياسية والاقتصادية، وتفاخر بالكوتات النسائية التي تفوقت فيها تونس على سائر الدول العربية. فالإصلاح بحسب الخبراء، يجب أن يحمل في طياته إعادة نظر واقعية ودقيقة للحالة الاقتصادية والاجتماعية، وليس ترفا فكريا أو سياسيا يعززه الثقة المفرطة بالأجهزة الأمنية.


وتمثل اليمن نموذجا آخر، وان كانت أوضاعه مرتبطة بصراعات اقليمية، فأساس الحركات الاحتجاجية في الجنوب مثلاً اقتصادي واجتماعي، إلى جانب كونه يتعلق بسوء الإدارة ورداءة التمثيل السياسي الذي يتيح المجال لوضع استراتيجية تنموية متوازنة.

الصورة الجديدة للاحتجاجات


أصبحت الاحتجاجات الاجتماعية واقعاً تحاول الدول العربية التعايش معه، في تونس ومصر واليمن والجزائر والمغرب، وان كانت بعض الدول تعتبر نفسها غير معنية بهذه الظاهرة، فإن نار الاحتجاجات تبقى تحت الرماد. ووفق الباحثين، فإن انسداد افق التغيير والتطور، يخشى معه أن تتطور الاحتجاجات في السنين المقبلة لتتحول إلى حركات انفصالية أو أفكار شديدة التطرف، مما يصعب السيطرة عليها. كما أن اشتداد الأزمات الاقتصادية والديموغرافية يفتح أبوابا جديدة للشكل الذي سيكون عليه الصراع السياسي والاجتماعي في العالم العربي خلال السنوات العشر المقبلة.


ويمكن قياس ذلك الى ما يحدث في السودان، وما يمكن أن يحدث في دول عربية أخرى تحمل الصواعق المتفجرة نفسها التي أسهمت في انفجار العنف وتطوره إلى حركات انفصالية أو عنفية متشددة، فالمعالجة الامنية للملفات الاقتصادية والاجتماعية ما زالت الخيار الامثل لدى السلطات في العالم العربي.


ولعل ما حدث ويحدث في تونس والجزائر والسودان واليمن ومصر مؤشر واضح على النمط الذي سيسود في السنوات المقبلة، مما يستلزم الشروع بالاصلاح وتوسيع المشاركة الشعبية.
في مصر، دخلت البلاد مرحلة جديدة بعد مواجهات مدينة المحلة العمالية في نيسان عام 2008، وتتمثل في ان الخطر الحقيقي لم يعد، بحسب الكتاب، خطر التنظيمات السياسية، انما خطر الاحتجاجات الاجتماعية العشوائية، ولأن السلطة المصرية عاجزة عن تحقيق المطالب للاحتجاجات المتوقعة، سيصبح هناك خطر حقيقي من ان تتحول من المجال الاجتماعي الى المجال السياسي.


أما في المغرب، فإن السبب الرئيس لتحول الاحتجاجات الى حركات سلمية، هو ما طرأ على بنية النظام السياسي، وتحوله من نظام مغلق الى نظام سياسي مفتوح نسبياً. وتشير بحوث الكتاب الى ان الحركات الاحتجاجية الاسلامية والأمازيغية في المغرب تراجعت لعدم تمكنها من مقارعة النظام وقدرته على الحد من قوة الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية من خلال اجراءات عدة. لكن المؤكد، وفق الكتاب، أن الحالة المغربية هي الأكثر تسيساً من نظيرتها المصرية، فالجيل الجديد من الحركات الاجتماعية اتسم بالعفوية وببعده عن التنظيمات الرسمية، وفي ذلك دلالة على غياب المؤسسات الوسيطة التي تعمل كحلقة وصل ما بين تلك الحركات والنظام السياسي.


وتختلف تجربة البحرين عن غيرها من الدول العربية في ما يتعلق بحركات الاحتجاج. فبحسب بحوث الكتاب، تقوم معادلة الاحتجاجات الاجتماعية في البحرين على ثنائية الصراع ما بين أقلية مذهبية مسيطرة على مقاليد الحكم والسلطة، وأغلبية مستبعدة من الحكم والسلطة، برغم ان عددا من الاقلية يعتبرون جزءاً من المنظومة الحاكمة سياسياً واقتصادياً.


وعانت البحرين وفق الكتاب، مشكلتين اساسيتين. كلتاهما ناتجة من طبيعة النظام السياسي البحريني، الذي يمثل اقلية، ويسعى الى تعزيز قوته الاقتصادية، بل تغيير التركيبة الديموغرافية، وهما: "الدفان" والتجنيس، فالدفان هو ردم مساحات شاسعة من البحر لزيادة مساحة الأراضي، والتي يتحكم بها الملك، أما التجنيس فهو السعي الى اعطاء الجنسية لوافدين من دول أخرى، مما أدى الى ظهور حركات احتجاجية اتخذت أشكالاً ووسائل مختلفة، من العرائض والشكاوى الى التظاهرات وأعمال الشغب.

... حضور الطائفي والمذهبي في لبنان


تبدو صورة الحركات الاحتجاجية في لبنان، أكثر تعقيداً مقارنة بالدول العربية الأخرى، وإن كانت فاعلة في زمن الدولة قبل الحرب. وتشير بحوث الكتاب الى ان هذه الحركات تأثرت بطبيعة نظام لبنان السياسي، سواء من حيث بدء التأريخ لمرحلة جديدة من الحركات، أو من حيث نوعيتها وتأثرها بالقوى السياسية اللبنانية.


وإذا كان "الطائف" قد اسس لنظام قائم على المحاصصة الطائفية، فإن خصوصية لبنان تميزه عن غيره ببنيته الطائفية، وارتباطه بالمحيط الخارجي وتأثره به سواء الإقليمي أو الدولي.
وقد طغت على لبنان التحركات الاحتجاجية السياسية والأمنية والطائفية خلال السنوات الماضية، فيما تراجع العامل الاجتماعي الى الخلف بفعل سيطرة القوى السياسية على حركة النقابات العمالية والاتحادات، فبات الاجتماعي يتحرك لمصلحة السياسي والطائفي، وهو في خدمته، بعدما فقد استقلاليته.


ولعل الانقسام السياسي في لبنان، الذي يعكس الصراع الاقليمي والدولي، جعل التحركات الاحتجاجية اكثر اتصالا بالخارج، وانعكس على مسار الاحتجاجات الاجتماعية، بصورة بات من الصعب فصلها، ليس فقط عن الواقع السياسي، انما أيضاً عن القوى السياسية والمذهبية. ولعل تحرك الاتحاد العمالي العام في 7 أيار عام 2008، خير دليل على هذا الاستنتاج، إذ تحول الاحتجاج الى مواجهات مسلحة بنزول حزب الله الى الشارع، ونتج عنه اتفاق الدوحة، فيما الصراع لا يزال مستمراً تحت عناوين سياسية رئيسية، من المحكمة الدولية الى شهود الزور الى حجم التمثيل بحجم القوة السياسية والعسكرية الفاعلة على الأرض.


ويبدو ان الهم المعيشي والاجتماعي عند اللبنانيين، بات أسير الاصطفافات السياسية والطائفية. فالحركات الاحتجاجية الاجتماعية والسياسية كانت سباقة في لبنان، ولها أثر مهم في الحياة اللبنانية قبل الحرب، لكنها سقطت اليوم بفعل الانقسام والاصطفافات، حتى ان الاحتجاجات الوطنية لا تسلم من التسييس الطائفي، فيما كل الحوادث المطلبية والتحركات خرجت عن أهدافها الاجتماعية ودخلت بقوة في مجال الصراع السياسي اللبناني المباشر. ويمكن القول ان تنوع لبنان السياسي والمذهبي جعل الانقسام في بعض الأحيان يأخذ أشكالا أكثر تعقيداً من الحالة البحرينية .


واذا كان في لبنان حركات اجتماعية متنوعة، تبنت مطالب اجتماعية أو سياسية، الا انها ظلت في غالبيتها الساحقة جزءاً من المعادلة الحزبية والسياسية الطائفية. لكن من الطبيعي في حال التوافق اللبناني والسير قدماً في بناء دولة القانون، وكسر جزء من المعادلات الطائفية المهيمنة على النظام السياسي اللبناني، أن تبدأ الحركات الاجتماعية مجدداً في بناء حيز مستقل يتأثر بالأحزاب والتجاذبات السياسية، ولكن لا يكون صنيعتها. فحين تتعمق التجربة الديموقراطية اللبنانية من خلال بناء المؤسسات، تتعمق خبرة الحركات الاجتماعية ودور النقابات، ويصبح هناك فرصة لنسج علاقة صحية ما بين المجالين السياسي والاجتماعي. وهو أمر ما زال غير متوافر اليوم!

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved