WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 23, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
لبنان في العالم العربي: الخصوصيات ثقافية

بقلم  فاديا كيوان


إن هذه الإشكالية الحساسة ليست بجديدة وهي تتمحور حول سؤال أكثر دقة وهو هوية لبنان ومبرر وعلة وجوده ككيان وكدولة.


إن معالجة هذه الإشكالية هي في غاية الدقة بالنظر إلى خطرين اثنين يعترضان الحديث حول موضوع مساهمة لبنان الثقافية في العالم العربي. فمن جهة، هناك صعوبة في التمييز بين الثقافة والسياسة وموضوعنا هو المساهمة الثقافية تحديدا مع الإشارة إلى أن الثقافة هي غير السياسة لكنها تلتقي معها من خلال الثقافة السياسية أي مجموعة القيم والنظم الثقافية السائدة والتي تؤسس للسلوكيات الاجتماعية في الحياة العامة. فالرأي السياسي والموقف السياسي والخيارات السياسية كلها مسائل مرتبطة عضويا بالخلفية الذهنية أي الثقافية للفرد كما للجماعة. الحديث في الثقافة هو إذا حديث في أساس أو أسس وخلفيات السياسة.


أما الخطر الثاني فهو التداخل بين الثقافة والإيديولوجية. فالأولى غير الثانية لكنها تشكل حاضنة لإنتاج الإيديولوجيات بحسب الظروف والمعطيات الخاصة بكل زمان ومكان. حديثنا سيبتعد قدر الإمكان عن الإيديولوجية – فهي مجموعات الأحكام القيمية التي يعلن الفرد الإيمان بها والتي ينطلق منها لتوجيه فهمه للواقع ولتحديد مواقفه وخياراته العملية.


فما هي الأوجه الأكثر وضوحا في سمات لبنان الثقافية والتي ترفد الثقافة العربية وتعد قيمة مضافة فيها؟
هناك في نظرنا ست سمات خاصة بلبنان تعتبر في أساس تكوينه وفي أساس عقيدة الدولة الوطنية منذ نشأتها وهي: 1- سمة الإقرار بالتنوع في النسيج الاجتماعي اللبناني،
 2- سمة القبول بالاختلاف في الرأي،
 3- سمة الانفتاح على العالم بكامله،
 4- سمة تقديس الحرية،
 5- سمة الاستناد على القانون الوضعي،
 6- سمة احترام استقلالية المجتمع المدني.


في ضوء هذه السمات وبفعلها يعتبر الأشقاء العرب أن لبنان يحمل قيمة مضافة في تعاونه معهم وهم يتطلعون إلى تعميق هذا التعاون لكن واجب الصراحة يفرض علينا الإقرار بأن النظرة إلى لبنان مزدوجة. فهي نظرة إيجابية بالنظر إلى السمات الست والتي يعرفها سائر الأشقاء العرب وهي في الوقت نفسه ممزوجة بالمخاوف خاصة لأن تجربة لبنان -على نموذجيتها- ما زالت غير مستقرة وهي تنتقل من أزمة إلى أخرى. وربما كان من المفيد الإشارة إلى أن هناك ميلا أقوى لدى الشعوب العربية للإلتفات إلى لبنان من خلال تلك النظرة الإيجابية وأن هناك ميلا أقوى لدى الأنظمة العربية للنظر بقلق إلى التجربة اللبنانية خاصة بعد الخضات المتلاحقة التي هزت أكثر من مرة وما زالت الكيان اللبناني والدولة اللبنانية على حد سواء.


أما السمات الست فهي تتجلى كالآتي:


1- سمة الإقرار بالتنوع في النسيج الاجتماعي اللبناني. بالفعل فقد تأسس لبنان الكبير على مبدأ الشراكة المسيحية- الإسلامية في تكوين البلد نفسه. وربما كان مفيداً التذكير بلحظة إعلان دولة لبنان الكبير في أول أيلول 1920 حيث كان يحيط بالجنرال غورو كل من بطريرك الموارنة ومفتي المسلمين في ذلك الحين. وبعد سنوات قليلة أقر أول دستور للبنان فتميز بخصوصية المواد 9 و10 و95 منه حيث كفل حرية العائلات الروحية في ممارسة الشعائر الدينية الخاصة بكل منها وضمن أيضا للاهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية وأقر حرية التعليم وحقوق الطوائف في إنشاء مدارسها الخاصة.


وفي ما بعد، جاء الميثاق الوطني في العام 1943 فجذر مبدأ التوافق في ما بين المسيحيين والمسلمين ووضع أسسا محددة وآليات للتعاون في ما بينهم وكذلك فعل اتفاق الطائف في العام 1989. وتجدر الإشارة إلى أن اتفاق الطائف أكد على العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين وقد دخل هذا المبدأ إلى صلب الدستور اللبناني المعدل وذلك في مقدمته. وتضمن اتفاق الطائف بعدين اثنين : بعد إيجاد توازن وتعاون بين الطوائف وبين السلطات وبعد الانفتاح على تطوير النظام في اتجاه المزيد من الانصهار الوطني وذلك عبر التعديل الذي أدخل على المادة 95 من الدستور شأن آلية إلغاء الطائفية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن اتفاق الطائف كان واضحا لجهة الدعوة إلى تعزيز أواصر الوحدة بين اللبنانيين وكذلك لجهة ربط إلغاء الطائفية بآليات وطرق كفيلة بتحقيق ذلك.


2- القبول بالاختلاف في الرأي، وهو أيضا يشكل مكونا عضويا للبنان ككيان وكدولة. وفي حين يترجم ذلك عبر الإقرار بتعددية العائلات الروحية في لبنان وحريتها، يترجم ذلك أيضا في الإقرار الدستوري والعملي بالتعددية السياسية التي طبعت الحياة السياسية في لبنان منذ نشأة الدولة الحديثة فيه. فالمناخ الليبرالي الذي نشأ في لبنان شجع على تأسيس أحزاب وتنظيمات متنوعة المشارب والاتجاهات العقائدية. وهذه التعددية ليست فقط تعددية أمر واقع بل هي في الأصل تجلٍ لاحترام الاختلاف واحترام الرأي الآخر. وفي هذا المبدأ ابتعاد كامل عن الأحادية وقبول ولو غير معلن بتداول السلطة. وبطبيعة الحال، يؤدي قبول الاختلاف في الرأي إلى فتح نقاش سياسي واسع وإلى اتساع مروحة الخيارات أمام المواطنين واتساع مواز في هامش حريتهم.


3- الانفتاح على العالم بكامله وهو السمة الثالثة للثقافة اللبنانية التي كانت دائما ملتقى ثقافات عدة وجسرا في ما بينها جميعا. وفي حين كانت هناك أسباب عدة لإرادة المسيحيين في الانفتاح على الغرب لكن النتيجة كانت توسيع مكتسبات جميع اللبنانيين الثقافية وانطلاقهم جميعا من هذه الخاصية إلى الانفتاح على العالم العربي وهم جزء منه لكنهم جزء يحمل إليه جديدا من خارجه. ولا يجوز أبدا النظر إلى مسألة التنوع الثقافي واللغوي في لبنان على أنها ازدواجية أو ثنائية قد تعكس تصدعا في وحدة لبنان بل أنها فرصة للتفاعل بين ثقافات الشرق والغرب مع عناصر الثقافة العربية والثقافة الإسلامية. والتفاعل بحد ذاته عملية ديناميكية منتجة ومبدعة بدورها لثقافة خاصة تختلف عن كل مكوناتها وتحتضن هذه المكونات جميعها في صيغة ثقافية غنية وجديدة.


4- تقديس الحرية وغالبا ما يجري التغني بهذا المبدأ فهو ركن أساسي من أركان تركيبة لبنان أيضا. وقد تكرست الحريات العامة في الدستور اللبناني ونمت وتطورت الصحافة والمؤسسات الإعلامية السمعية البصرية وكذلك الإنتاج الأدبي والفني في مناخ من الأمان لم تعكره سوى استثناءات معدودات وهي أكدت بدورها على مشروعية الحرية وأنتجت المزيد من التشبث بها. لكن مفهوم الحرية الذي تبلور في لبنان اتجه بصورة خاصة إلى تكريس حرية الجماعة فيما بقي فاتراً في ما خص حرية المواطن الفرد. واليوم يتصاعد اتجاه ثقافي أكثر قوة يدفع في اتجاه توسيع دائرة مفهوم الحرية ليشمل حرية المواطن الفرد في كل المجالات وفي ظل قانون عادل مبني على حقوق الإنسان. وفتح كذلك النقاش حول المسؤولية التي لا بد أن تترافق والحرية في ما يتعلق بعمل وسائل الإعلام على وجه الخصوص.

5- الاستناد إلى القانون الوضعي وقد طبع عقيدة الدولة منذ تأسيس لبنان الكبير وشجع على نمو مدارس الحقوق في لبنان، وعلى انفتاح واسع على الأنظمة الحقوقية في العالم، وأسس لنشأة فكرة القضاء المستقل وفكرة حقوق الإنسان في كنف دولة مؤسسات يحكمها القانون. لكن من المؤسف اضطرارنا إلى القول أن القانون الوضعي لم يتطور بالسرعة اللازمة ليلتقي مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومع الاتفاقيات الدولية العديدة ذات الصلة والتي التزم الدستور اللبناني المعدل بالتقيد بها. وبالتالي فإن الثقافة الحقوقية منتشرة بصورة خاصة بين المواطنين وهي ليست محترمة بالقدر الكافي من قبل الدولة. وهناك تطلع نحو المزيد من الضغط على الدولة من قبل قوى المجتمع المدني وبخاصة من قبل النخب المتنورة بين المثقفين وذلك بهدف توسيع دائرة الإقرار الفعلي بكل جوانب حقوق الإنسان. لكن لبنان يبقى متميزا في مجال تجذر ثقافة حقوق الإنسان وانتشارها بين مواطنيه وفي هذا المجال تتجه الثقافة اللبنانية نحو العالم العربي بفكر عقلاني منفتح، مؤمن بالحرية وبالحق وهي تسعى للتفاعل مع الثقافات العربية المحلية الأخرى وتسعى للتأثير فيها.


6- احترام استقلالية المجتمع المدني وقد تكرست باعتماد لبنان على صيغة الحرية الكاملة لمؤسسات المجتمع المدني في التأسيس بدون ترخيص مسبق ولكن مع واجب العلم والخبر للدولة. اليوم، لبنان هو الدولة العربية الوحيدة حيث لا يحتاج مؤسسو منظمة غير حكومية إلى ترخيص مسبق. وبصورة عامة يتميز لبنان بحيوية مجتمعه المدني وذلك من خلال عمل نقابات عمالية عريقة وجمعيات أصحاب عمل ونقابات مهنية فاعلة جدا وجمعيات غير حكومية نشيطة جدا وروافد حركة طالبية عريقة كان لها دور ريادي في طرح قضايا الإصلاح والإنماء في مختلف المجالات. إن قوة وحيوية المجتمع المدني كانت السبيل إلى المحافظة على تماسك المجتمع اللبناني حتى في فترة غياب الدولة وهي التي كانت أيضا الضمان لعدم زوال لبنان حتى عندما شلت المؤسسات الحكومية وأحتلت الأرض وفرغت السلطات. بقي لبنان صامدا بشعبه ومتشبثا بالحياة بالرغم من الانقسامات التي مزقته.


 تطل الثقافة اللبنانية على العالم العربي من خلال هذه السمات النموذجية الست التي يعيشها لبنان وقد تبلورت تدريجا في إطار المؤسسات اللبنانية على اختلافها وعلى اختلاف النسيج الاجتماعي والطائفي والمناطقي.


بهذه الخصوصيات يطل لبنان على العالم العربي فيحمل قوة دفع خاصة تساهم في تطوير الاتجاهات نفسها في المجتمعات العربية الأخرى. وهذه السمات موجودة في كل مجتمع عربي لكنها ليست هي الأقوى بل أنها تسعى إلى التجذر وهي تتشجع بالنموذج اللبناني. لكن هذا الكلام لا يعني أن هذه الخصوصيات للثقافة اللبنانية هي دائما بخير في لبنان بل أن بعضها يتعرض لانتكاسات متتالية وهو يستوجب العناية والحماية وكذلك إن الخصوصيات المذكورة هي سلاح ذو حدين إذا جاز التعبير. فقد تتحول إلى أخطار تهدد لبنان، كيانا ودولة. فحذار من التنوع الاجتماعي الذي يولد التعددية المتطرفة التي تهدد بإلغاء الآخر. وحذار الاختلاف بالرأي إذا ما تحول إلى حجة لشل عمل المؤسسات وتغييب الدولة أو إضعافها. وحذار الانفتاح على العالم إذا ما تحول إلى تبعية للخارج وحذار الحرية إذا ما تفلتت من المسؤولية الوطنية الملازمة لها وحذار القانون إذا كان جامدا وغير مبني على حقوق الإنسان وحذار استقلالية المجتمع المدني إذا ما تحولت إلى تمرد وعصيان على الحق وعلى مصلحة لبنان العليا.


إن الثقافة اللبنانية نفسها هي في حالة صيرورة دائمة وتطور مستمر بفعل الظروف والمعطيات التي تمر على لبنان وعلى اللبنانيين وهي تصقل تدريجيا أركانها أو سماتها الست التي ذكرنا في سياق هذا النص. لكنها تموت فيما لو لم تتفاعل مع المحيط العربي الواسع للبنان والذي يشكل الرئة التي يتنفس لبنان منها. والثقافة اللبنانية تتفاعل مع الثقافات العربية المحلية الأخرى وتتبادل معها التأثير. ونحن نأمل أن يكون لهذه السمات الست الثبات في التجربة اللبنانية بهدف زيادة فاعليتها في التفاعل مع الثقافات العربية المحلية الأخرى وزيادة التأثير عليها فيتسع معها دور لبنان الثقافي في العالم العربي ويزيد تأثير الثقافة اللبنانية في محيطها فيقوى في لبنان كما في سائر المجتمعات العربية الأخرى، عصب البديل الراقي والمتنور وهو مشروع بناء دولة الحق، ويتألق النموذج اللبناني متحديا مقولة صراع الحضارات والثقافات والنزعات العنصرية المنتشرة في محيطه فتكون التجربة اللبنانية عصارة تلاقي الثقافات على اختلافها وخميرة لعالم يسوده الإيمان بحقوق الإنسان وبالتنوع وبالحرية كمصادر غنى للبشرية وأسسا متينة للسلام.

(استاذة جامعية)   


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved