WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 23, 2011
 
تونس ولبنان: فائض السياسة مقابل فائض القوة والخوف

الأحد, 23 يناير 2011
خالد الدخيل *


يبدو في هذه اللحظة أن كلا من تونس ولبنان يقف عند مرحلة مصيرية وحاسمة. في تونس إنتفض الشعب، ونزل إلى الشارع بقضه وقضيضه ضد النظام السياسي للرئيس زين العابدين بن علي. هرب الأخير عندما تأكد أن الإنتفاضة الشعبية في حالة تصاعد مستمر رغم سقوط القتلى والجرحى، وأن المؤسسة العسكرية لم تعد إلى جانب الخيارات التي كان يرتأيها للخروج من المأزق. كأن الرئيس تأكد بأن حكمه الذي إمتد لما يقرب من ربع قرن من الزمن وصل إلى خواتيمه النهائية. ومع ذلك لا يزال الشعب التونسي، وبعد هروب الرئيس، يواصل ضغطه على الحكومة التي تشكلت، مطالبا إياها إما بالتنحي جانبا، أو بإنهاء حقبة بن علي، وحقبة حزب التجمع الدستوري، والشروع في إستئناف سياسي جديد. اللافت في كل ذلك، والجديد فيه عربيا، أن الحكومة الجديدة تعطي أكثر من مؤشر على أنها تشعر بالضغوط الشعبية. على العكس من تونس، يبدو لبنان في هذه اللحظة نموذج صارخ للحالة العربية القديمة التي تكشف عن رثاثتها وروتينيتها المملة مرة بعد أخرى. يختلف لبنان عن بقية الدول العربية الأخرى بإنفتاحه الاجتماعي، وبهامش الحرية الذي يتيحه نظامه السياسي. هذا صحيح. لكن الصحيح أيضا، وهذه مفارقة، أن لبنان هو البلد الوحيد عربيا الذي يحكمه زعماء الطوائف، وليس الدولة، ولا يكل من إستعادة الصراع بين هؤلاء الزعماء عند كل منعطف، وهو صراع دائما ما يستعيد حيويته رغم أنه يمتد لقرون من عمر منطقة الشام. ولهذا ربما أنه من الطبيعي أن أكثر ما يلفت في المشهد اللبناني أن الشعب يبدو خارج اللعبة، وخارج المعادلة السياسية. ولعل في ما قاله الزعيم الدرزي، وليد جنبلاط يوم الجمعة الماضية، من أنه إختار أن يكون «إلى جانب سوريا والمقاومة» دلالة أكثر من واضحة على طبيعة الحالة اللبنانية. حاليا يدور الصراع في هذه الحالة على موضوع المحكمة الدولية: الزعيم السني، سعد الحريري مع المحكمة لمعرفة من قتل والده، رفيق الحريري. زعيم الشيعة، حسن نصرالله ومعه سوريا، يقف ضد المحكمة لأنه يقال أنها سوف تتهم عناصر من «حزب الله» الذي يتزعمه. وقد إنقسمت البلد بين الطرفين. كان جنبلاط مع الحريري. ثم بعد 7 مايو (أيار) عام 2008م إنزاح جنبلاط إلى الوسط بين الفريقين. يوم الجمعة الماضية إختار جنبلاط أن يميل أكثر ليكون، كما قال، إلى جانب سوريا والمقاومة. وهذا من نوع التكاذب السياسي السائد في منطقة الشام. وإلا كيف يكون جنبلاط إلى جانب مقاومة لم يسمح لها أن تنطلق من الجولان على مدى أكثر من 40 سنة؟


لم يكن بإمكان جنبلاط أن يكون إلى جانب الشعب اللبناني. لأن هذا الشعب منقسم، وليس أمام زعيم المختارة إلا أن يختار. رغم معرفته التامة بأن مصطلح المقاومة أصبح ملتبس تحت وطأة الصراع الطائفي، وأن نصف الشعب اللبناني بسبب ذلك لم يعد متأكدا من يمثل هذه المقاومة، إلا أنه يعرف أيضا بأن الفريق الذي يعتبر نفسه يمثل المقاومة يملك فائضا من القوة لا قبل له بمواجهته، كما تأكد في 7 ايار المذكور. وإذا صح ذلك، وهو الأقرب إلى الصحة، فإن السلوك السياسي لجنبلاط منذ إغتيال صديقه رفيق الحريري عام 2005، وخاصة خلال السنتين الماضيتين، يعبر عن حالة مستعصية من فائض الخوف. ليس بالضرورة الخوف على شخصه هو، وإنما الخوف على طائفته الصغيرة، والخوف على لبنان من أن يغرق في حمام من الدم، كما يقول دائما. بموقفه هذا، يمثل جنبلاط الحالة المقابلة لحسن نصرالله، الأمين العام لـ»حزب الله». حيث ينم السلوك السياسي لهذا الأخير عن شعور مكثف بفائض القوة. فهو الزعيم اللبناني الوحيد الذي يملك قوة عسكرية ضاربة. وعدا عن أنه يعتمد ماليا وعسكريا على إيران، إلا أنه يحظى بدعم سياسي سوري كبير ليس فقط في مواجهة المحكمة، بل أيضا في مواجهة الأطراف الأخرى التي خرجت من لعبة التحالف مع سورية، سواء من بين السنة أو المسيحيين. ما هي النتيجة التي يؤدي إليها ذلك؟ عندما يتصرف الزعماء السياسيون إنطلاقا من مشاعر الخوف من الدم، والخوف من العدالة، والخوف من بعضهم البعض، فإن الشعب الذي يمثله هؤلاء يصبح موضوعا للعبة السياسية، وليس طرفا فيها.


عندما تقارن المشهد السياسي في كل من تونس ولبنان تتبين لك علامات أكثر دلالة على الإفتراق بين حالتين سياسيتين عربيتين، تمثل كل منهما حالة فارقة بحد ذاتها. في الحالة التونسية يحتل الشعب صدر المشهد، ويبدو كأن رجال السياسة يحاولون الإلتحاق بمطالب الشعب. يغلب على الخطاب السياسي في تونس هذه الأيام مفردات مثل: الحرية، وتغيير النظام السياسي، ومحاسبة الفساد والمفسدين، وحق المواطن في العمل والعيش بكرامة. لا تسمع في تونس حديثا عن المؤامرة، لا فرنسية ولا أميركية. كل أصابع الإتهام تتجه للداخل قبل الخارج. تشير مفردات المشهد التونسي كلها، وبشكل مفاجئ في البيئة السياسية العربية، إلى إحساس فائض بالمسؤلية أدى إلى دخول الشعب وبقوة كطرف فاعل في المعادلة السياسية للبلد. والمهم أن الشعب، حتى الآن على الأقل، هو الذي فرض هذه المفردات والقيم على النظام السياسي، وليس العكس. وهذا هو الطبيعي. الشعب هو المكون الأساسي للدولة، وإنتفاضته تهدف إلى إعادة صياغة مفهوم هذه الدولة إبتداءا من تغيير النظام السياسي. تبدو تونس في هذه اللحظة البلد العربي الذي يريد أن يتحرر من نموذج النظام السياسي الخانق إلى رحابة الدولة. بعبارة أخرى، إذا كان فائض الخوف وفائض القوة هما أبرز العوامل التي تتحكم في الصراع على السلطة في لبنان، فإن فائض السياسة وآلياتها، والعملية السياسية تبدو وكأنها بدأت تستعيد مكانها وأهميتها في تونس.


من الذي يحتل الصدارة في المشهد اللبناني؟ ليس الشعب، وإنما زعماء الطوائف، وتحالفاتهم الخارجية. حتى رئيس الجمهورية يتواجد مع بقية اللبنانيين في أطراف المشهد. وعلى عكس الحالة التونسية، فإن المفردات التي تهيمن على المشهد السياسي في لبنان هي: المقاومة، وسورية، والمحكمة الدولية، والمشروع الأميركي الإسرائيلي، والمؤامرة، والطائفة. وهذا خليط من مفردات ينم من ناحية عن حالة تخبط، وينطوي من ناحية أخرى على معنى واحد، وهو إقصاء الشعب عن اللعبة السياسية. الغريب أن الشعب يعي ذلك، ويدركه تماما، لكنه يدرك أيضا بأنه لا يستطيع أن يفعل إزاءه شيئا. وهذا بسبب تحكم الحالة الطائفية: إنقسام الشعب إلى طوائف، وتداخل طموحات الطائفة (وتحديدا قيادات الطائفة) مع الأدوار الخارجية في الداخل، في إطار نظام سياسي الدولة فيه هي الأضعف من بين كل الأطراف، تصبح أمام حالة سياسية يتداخل فيها التكاذب السياسي، مقابل تضاؤل مساحة الحقيقة، وبالتالي تراجع إمكانية المحاسبة والمسؤلية. في هذه البيئة السياسية تصبح مفردة المؤامرة هي المفردة السياسية التي تبرر كل شيئ، وتفسر كل شيئ. ومما له دلالة هنا ما قاله سياسي لبناني عن سبب إنتفاضة الشعب التونسي. السياسي هو إيلي الفرزلي، ناب الرئيس السابق للبرلمان اللبناني. يقول الفرزلي أن السبب الرئيس لما حدث في تونس أنه إنفجر بعد القمة بين الرئيسين الأميركي أوباما والفرنسي ساركوزي في واشنطن. وأن الإثنين قررا رفع الغطاء عن نظام الرئيس السابق. بعبارة أخرى، إنتفاضة الشعب التونسي هي الأخرى مؤامرة جاءت من الخارج. وهو ما يعبر بشكل دقيق عن الثقافة السياسية المهيمنة في منطقة الشام. الأمر الذي يعزز النظام السياسي بفزاعة الخارج، ويعيق مشروع الدولة.

هناك شيئ آخر يميز تونس عن لبنان، وهو علاقتها مع الجوار. تجاور تونس، وهي دولة صغيرة ومحدودة في مواردها، دول كبيرة وغنية مثل الجزائر وليبيا، ودول كبيرة لكن ليست غنية، هي المغرب. بقيت علاقة تونس مع جوارها العربي في حدود العلاقات الطبيعية بين الدول. عندما إنفجرت إنتفاضة الشعب التونسي، لم يكن من الممكن أن تتدخل أية من دول الجوار العربي في الشأن التونسي تحت أية ذريعة من الذرائع. بقي الجميع يترقب ما يحدث عن بعد. حاولت الجزائر أن تمنع عن نفسها إمتداد العدوى التونسية عن طريق خفض الضرائب على السلع، وخفض الأسعار. إلتزم المغرب الصمت المطبق على ما يحدث. من جانبه لم يكن بإستطاعة الرئيس الليبي، معمر القذافي، إلا أن يعبر عن إختلافه الشديد مع الشعب التونسي في الموقف من الرئيس السابق، بن علي. وقد ذهب القذافي إلى حد القول بأن بن علي كان يجب أن يكون رئيسا لتونس مدى الحياة. كان الزعيم الليبي يخاطب بذلك الشعب الليبي، وليس الشعب التونسي.


على الجانب الآخر، يجاور لبنان كلا من سورية، دولة عربية، وإسرائيل دولة إحتلال متوحشة. لكن ما يستعصي على الفهم أن علاقة لبنان بسورية الشقيقة، ليست بأي شكل من الأشكال علاقة طبيعية، ولا تشبه أية علاقة أخرى بين دولتين متجاورتين، أحداهما شقيقة كبرى، والآخرى شقيقة صغرى. والجانب غير الطبيعي في هذه العلاقة أن الشقيقة الكبرى تعتبر أن إستقرار نظامها السياسي يتطلب بالضرورة هيمنتها على الشقيقة الصغرى. من هنا صار كل شأن في الصراعات السياسية اللبنانية، جل أو دق، يعني السلطة في دمشق. في لبنان حالة طائفية لا تتوقف عن تغذية الصراعات، الدموية أحيانا. وفي دمشق نظام سياسي لا يأمن إلى قاعدته المحلية لتأمين إستقراره وإمساكه بالحكم! كيف يمكن فك الإشتباك بين الإثنين؟
* كاتب وأكاديمي سعودي

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved