WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 23, 2011
 
إقصاء الحريري: تبديد مبكر لفرصة دمشق اللبنانية

الأحد, 23 يناير 2011
حازم الأمين


لنفترض ان الاستشارات النيابية اللبنانية أفضت الى تسمية مرشح «حزب الله» لرئاسة الحكومة في لبنان، وهو افتراض ممكن جداً في ضوء التراجيديا اللبنانية، ولنطلق خيالنا في رسم مشهد المرحلة المقبلة في لبنان.


بدايةً، ستحكم لبنان حكومة يرأسها سياسي سنّي عديم التمثيل، فهو في أحسن الاحوال نائب وحيد نجح في الانتخابات ضمن لوائح الحريري (نجيب ميقاتي)، وفي أسوئها خاسر في الانتخابات (عمر كرامي). المعادلة هذه توحي بأن الجانب السوري، وهو الذي تولى تظهيرها، لم يستفد من تجربته السابقة، والمتمثلة بإقصاء شريحة وجماعة.


فشل الجانب السوري في تجربته السابقة في لبنان، والدليل النتيجة التي حصدها في عام 2005، فبعد إدارة للأوضاع في لبنان اعترف هو نفسه بسوئها، وبعد تكريسه حياة سياسية أشرف على تقميشها من ألفها وحتى يائها على مدى عشرين عاماً، لم يتمكن من الصمود أياماً قليلة. صحيح ان اغتيال رفيق الحريري كان الواقعة التي أحدثت الانقلاب، لكن واقعة إخراج الوجود السوري من لبنان لم تكن لحظة، بل تراكُم ظروف وأخطاء لم تُعِرْها دمشق اهتماماً.
اليوم، يبدو ان الجانب السوري يكرر التجربة، من دون قفازات. صحيح ان هناك فوارق بين التجربتين، لكن الفوارق ليست لمصلحته على الإطلاق، فالفارق الأول يتمثل في عدم وجود قوات عسكرية له على الأرض، ولا يمكن ان يعوض عليه الحضور الأمني لـ «حزب الله» هذا الغياب، اذ إن الأخير قوة أهلية غير قادرة على اختراق بنى طائفية أخرى، وإن كانت «فاعليتها» الميدانية كبيرة.


الفارق الثاني يتمثل في ان الوجود والنفوذ السوريين في لبنان قبل عام 2005 كان متمتعاً بعباءة عربية ودولية متفاوتة المتانة، تبعاً لمراحل مختلفة، لكنها لم تنعدم يوماً، وهو أمر غير متوافر الآن على الإطلاق، فتفسير الجانب السوري وحلفائه لحدث الـ «2005»، المتمثل بالانسحاب السوري، بأن قراراً أميركياً اتُّخذ في هذا الصدد، وهو تفسير يمثِّل جزءاً من الحقيقة وليس كلها، يعني انه قبل هذا التاريخ لم يكن القرار الأميركي متخذاً. لكن السؤال هنا هو: هل ثمة قرار أميركي أو دولي بالسماح لدمشق بالإمساك بلبنان وتلزيمه لـ «حزب الله»؟ والجواب قطعاً لا.


يكرر الجانب السوري التجربة نفسها التي خاضها في لبنان بين عامي 1990 و2005، فهو أقصى المسيحيين منذ البداية، وأنشأ توازناً في الأدوار بين السنّة والشيعة: للسنّة الاقتصاد وللشيعة المقاومة، وله السياسة والقرار، وتحرَّكَ هو في الهامش بين الموقعين، موظِّفاً نفوذه على نحو سيئ ولكن محصن بالقبول الدولي وبهشاشة الوضع الداخلي. وفي عام 1998، قرر الإخلال بمعادلة كان مكلفاً بإرسائها ومستفيداً من اشتغالها. قرر إقصاء السنّة عن المعادلة، فأطاح رفيق الحريري من الحكم، فكانت النتيجة فوز الأخير في عام 2000 بالانتخابات النيابية في شكل لم يكن هو نفسه يتوقعه، وعاد الأخير الى الحكومة ولكن على نحو مختلف هذه المرة، إذ ان خصومة ضمنية كانت بدأت تنشأ بينه وبين الجانب السوري، خصومة أسست لمقاومة صامتة مارسها الرجل وانكشفت وقائعها بعد اغتياله. وفي عام 2004 كررت دمشق تجربة إقصاء الحريري عن الحكومة، وذهابها في الإخلال بالمعادلة الى أقصى الحدود عبر التمديد لرئيس الجمهورية في حينه اميل لحود، وكانت النتيجة خروجها من لبنان.


الحريري الأب لم يكن فقط رفيق الحريري، فالرجل كان لحظةَ توازنٍ اقليمي ودولي، وكان أيضاً ممثلاً لعصبية داخلية من الصعب ان تستقيم سلطة من دونها.
أما الفارق الثالث بين تجربتي النفوذ السوري في لبنان قبل الـ2005 وبعدها، فهي السرعة في التداعي، تلك التي تفرضها متغيرات عالمية. لقد سهلت وسائل الاتصال إمكان تجميع حركة اعتراض وبلورة خطاب مواجهة يعيد تصويب الأوضاع، ولم تعد لأدوات الضبط التقليدية الفاعلية نفسها. هكذا يمكن أن تكون للنموذج التونسي ملامح تتكرر في لبنان.


هذا لناحية الصعوبة التي تلامس الاستحالة، في عملية تشكيل حكومة من دون السنّة ومن دون الجزء الأكبر من المسيحيين في لبنان. اما الصعوبات الهائلة في أداء هذه الحكومة بعد اجتيازها عملية التشكيل فستكون مضاعفة، اذ إن حكومة عرجاء وضعيفة الحيلة ستكون المهمة المطلوبة منها الصدام مع المجتمع الدولي عبر إلغاء المحكمة الدولية. وتبدو هنا الخطوة السورية غير منسقة على الإطلاق مع ما أوحى به الجانب السوري لجهة مراجعة التجربة السابقة في لبنان. إذ كان من الحري به ان يوكل هذه المهمة الى حكومة يرأسها سعد الحريري، وهذا ما يبدو غير مفهوم في إطاحة الجانب السوري الحريري الابن، تماماً كما لم يكن مفهوماً إصراره على التمديد لإميل لحود، إذ كان في إمكانه في حينها الإتيان بمن هو أقرب اليه من لحود، من دون ان يجر عليه ما جرّه التمديد للأخير. وكم يبدو مكرراً على نحو صادم دفع وليد جنبلاط الى الامتناع عن تسمية الحريري اليوم، إذا ما تذكرنا ان رفيق الحريري دُفع عنوة الى التصويت على تعديل الدستور بما يتيح التمديد في عام 2004.
ان يُقال ان الظروف تغيرت، وإن ما كان خطأً في العام 2004 وقبله، لم يعد خطأ اليوم، فيه شيء من عدم الواقعية، فالظروف تغيرت لمصلحة ضرورة عدم التكرار، وإذا كان الحظ حليف الجانب السوري لجهة إتاحة الفرصة له مرة ثانية في لبنان، فإن تبديد هذه الفرصة بدأ على نحو مبكر على ما يبدو.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved