WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 23, 2011
 
بناء الأمة والانقسامات الإثنية الدينية

الأحد, 23 يناير 2011
فالح عبدالجبار


على رغم اننا أحوج المجتمعات الى السوسيولوجيا السياسية لبناء الأمة، فإن المكتبة العربية تكاد تخلو من الادبيات الهائلة التي تدرس هذه الموضوعة، كما ان المناهج الجامعية محرومة هي الاخرى من هذا الحقل، الذي يدرس اعتيادياً في جامعات العالم. وتشتد هذه الحاجة بمجرد إلقاء نظرة على الوضع في ديارنا: الانقسام الإثني في السودان، التصدع الطائفي في لبنان ومصر، التصدع الإثني – الطائفي في العراق واليمن، وغير ذلك. والسؤال عن ماهية الأمم وسبل بنائها ليس لعباً اكاديمياً بل ضرورة وجودية.


ابتداء لا تنمو الأمم على الاشجار، فهي لا تنتمي الى حقل الطبيعة، بل الى حقل المجتمع. الأمة، الدولة القومية، والنزعة القومية ظاهرات حديثة تنتمي الى العصر الصناعي، ولا سابق لها قبله، وهي ابتكارات اجتماعية، ثقافية وسياسية، اي انها اصطناع بشري.


كما ان الرقعة العربية دخلت عصر القوميات في اطار الامبراطورية العثمانية، اواخر القرن التاسع، وبداية القرن العشرين، في اطار مجتمع زراعي اما مركزي (مصر)، او شبه مركزي (العراق) او قبلي - مركزي (ليبيا - تونس - المغرب)، وهي نقاط انطلاق شديدة التباين، كما انها كانت (ولا تزال الى حد معين) مجتمعات قبل قومية.


كان بناء الأمم الحديثة يقوم في القرن العشرين على قاعدة ان لكل أمة دولة وكان مشروطاً بأن الأمة يجب ان تتوافر على مقومات اساسية هي: الكفاية العددية والكفاية الاقتصادية والكفاية العسكرية... الخ، قام بناء الأمم في اوروبا على ثلاثة اسس هي:


مستوى اول (المقاربة الاقتصادية): يرتكز على بناء شبكة اتصال وتواصل من الانتاج والتداول والتبادل، والتفاعل (مصانع - سكك حديد - خطوط تلغراف)... الذي يولد ما سماه دوركهايم «التضامن العضوي» بديلاً من التضامن «الميكانيكي» لأواصر القرابة في المجتمعات القروية والتجمعات القبلية.


ومستوى ثان (المقاربة الثقافية): بناء شبكة اتصال وتواصل ثقافية (الكتاب/ الجريدة/ المدرسة/ الجامعات/ الفن/ التلغراف/ الراديو والآن التلفزيون/ الانترنت/ الموبايل)، التي تخلق ثقافة ومخيلة جمعية مدعمة برموز وعلامات ذهنية وبصرية.


مستوى ثالث (المقاربة السياسية): بناء جهاز سياسي مركزي (عاصمة/عملة موحدة/جهاز اداري - جيش، جهاز قضاء... الخ) يفرض سلطة على الاقليم ويمثله، ويتفاعل معه.
بعض الأمم بدأت من المستوى الاول (الاقتصادي) او الثاني (الثقافي) (اغلب اوروبا الغربية وأميركا)، وهو نموذج بناء الأمة من اسفل. وثمة أمم اخرى بدأت بناء الأمة من اعلى (المستوى الثالث - السياسي) وهو اغلب البلدان النامية، ومنها الرقعة العربية. بناء الأمم من اعلى اضعف بسبب قصر امتداده التاريخي، وهزال مؤسساته الحديثة.


ان بناء الأمة ليس معطى نهائياً، ولا بد من انتاجه وإعادة انتاجه، من خلال ايديولوجيا جامعة، ومشاركة سياسية، ومشاركة اقتصادية، ومرونة تكيف النظام (او النظم) السياسية مع التغيرات المجتمعية، ويصح هذا بدرجة كبيرة على البلدان العربية.


كتب الكثير عن ان الأمة هي جماعة قومية ذات خصائص مشتركة (لغة، دين، عرق، تاريخ)، والدولة جهاز للادارة في رقعة اقليم محدد، اما القومية فهي الحركة والمشاعر والآراء الرامية الى جمع الأمة في دولة: انفصالاً عن كيان اكبر، او دمجاً وتوحيداً لكيانات اصغر.


لكن التجانس المجتمعي، الناشئ عن المقاربات الثلاث (في الفرضية الثالثة)، الاولى والثانية والثالثة، وهو شرط اساس لبناء الأمة لا يتحقق الا بمدى تاريخي طويل لفك الجماعات الزراعية (قبائل/ طوائف/ طرق صوفية/ أصناف حرفية/ تجمعات دينية) وإشراكها المتدرج، وهذا شرط حاسم لبناء الأمة في الفضاءات المجتمعية ذات التعدد الإثني - الديني - المذهبي. والعوامل المقررة للتجانس: المشاركة السياسية، المشاركة الاقتصادية، المشاركة الادارية، المشاركة الثقافية.


غير ان عصر العولمة، اذ عمم قيم الديموقراطية، والاستقلال الذاتي، وحقوق الاقليات، اذكى الوعي الجمعي عند الإثنيات والجماعات (المذهبية/ الدينية) حيثما كانت هذه تعاني فعلاً او تتصور انها تعاني من الإقصاء والحرمان.


اخيراً ابتكرت التجربة العالمية أنماطاً من المشاركة للأقليات والجماعات مثل الادارة المحلية/الحكم الذاتي/التوافقية/ الفيدرالية، لتخفيف نموذج الدولة المركزية الواحدية Unitary State، التي لم تعد تصلح لتمثيل التعدد المجتمعي حتى في ظل الديموقراطية البرلمانية.


ان الاستراتيجيات المركزية ونماذجها السياسية في الرقعة العربية المستمدة من النموذج البريطاني او العربي الممركز لم تعد ادوات كافية، او صالحة لبناء الأمة في المستوى المحلي (القطري)، وهي قطعاً ليست صالحة في أي حال لبناء الأمة في المستوى الاشمل (القومي).
ونوجز بالقول: ان اي استراتيجية جديدة لا بد من ان تقوم على:


- تأسيس شرعية الدولة بوسائل التفويض الشعبي (الانتخابات)، بفتح باب المشاركة السياسية بلا قيود.
- فك الاحتكار (الاقتصادي) للدولة، وتوزيع الموارد بوسائل متعددة: اللامركزية السياسية الادارية للمناطق بإدارة وموارد ذاتية، فتح اقتصاد السوق، توزيع عقود الدولة على المناطق وعلى اوسع قطاعات رجال الاعمال (القطاع الخاص).
- فك الاحتكار الاداري، اي فتح باب المشاركة في الاجهزة البيروقراطية والعسكرية على كل المناطق، والجماعات المحلية.
- فتح باب المشاركة الثقافية، ونجاحه في تعميم اجهزة التعليم، وإنهاء احتكار الانتاج الثقافي، وانتاج وتداول المعلومات.
فانغلاق النظام السياسي، او تمركزه، بل شخصنته، من شأنها جميعاً ان تؤدي بأية جماعة سياسية الى الهلاك.


لقد مر النشاط والتصور والحراك السياسي في العالم بأربع لحظات كبرى: حروب الاديان، حروب القوميات، حروب الطبقات، وحروب الهويات. وهي اليوم متراكمة طبقة فوق اخرى، بحيث باتت حرب الهويات الراهنة هي حرب فقر، او حرب جماعة إثنية، او جماعة دينية، مهمشة تريد بلوغ المتن، او موسرة تدافع عن امتياز الموقع. والمآل واحد: التمزق.

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved