WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 27, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
تونس - لبنان: في تضاد المتشابه

منى فياض


غريبة حكايتنا مع هاجس المؤامرة. فعندما تستنقع الشعوب العربية في أوضاعها المزرية، يكون في الأمر مؤامرة نجحت الأنظمة المدعومة من الاستكبار العالمي بتنفيذها. وعندما تحصل ثورة شعبية عفوية، تكون هناك مؤامرة ومدعومة هي أيضاً من جهات خارجية او متخفية لا نعرف أهدافها بعد. بالطبع ما يحصل في تونس يثير الدهشة والاستحسان، وكذلك البلبلة والتخوف على مصيرالثورة. والمدهش أنه في حين تتَّهِم الصحافة الفرنسية حكومتها بالتواطؤ طويلاً وحتى آخر لحظة مع حكم بن علي وعدم تجاوبها مع الثورة عند انطلاقها يتحفك محدثك بأنه لا بد من وجود مؤامرة غربية خلف أحداث تونس واذا لم تكن فرنسية فهي لا بد أن تكون أميركية، هي نفسها أميركا المتهمة بدعم نظام بن علي من الأصل!


والمؤامرة موجودة بالرغم من النقد الذي وُجّه إلى وزيرة الخارجية الفرنسية التي سبق لها أن عرضت، قبل اطاحة بن علي، بمساعدة الأجهزة الأمنية على "حفظ الأمن والنظام"! أي قمع الثورة. الوزيرة فسرت موقفها  بأن "فرنسا مثلها مثل دول اخرى لم تكن تتوقع هذه الاحداث". مع ذلك يبحث البعض عن مؤامرة لكي يلام الغرب في حال التغيير وفي حال الجمود، في حال الانفتاح وفي حال القمع. المهم عدم الالتفات الى المسؤولية الداخلية والنقد الذاتي، الذي عندما يمارسه البعض يأتي الرد: لنكف عن "جلد الذات" .


ربما لطول الشقاء ولتجذر الخوف على أنواعه في العالم العربي، تصبح نظرية "المؤامرة" أسهل الحلول كي نريح أنفسنا من عناء  المشاركة في الدعم او لتبرير التقصير في إحداث التغيير. إذ يصعب تصديق إمكانية التغيير بالسهولة التي بدا عليها الأمر في تونس، حتى الآن على الأقل. ولبنان خاصة لا يعيش إلا على "وقع المؤامرات": تلك المتوهمة، او تلك التي تحبك وتعرض على شاشات التلفزة وتلك الحقيقية أيضاً. وهذا ما يتخفف منه التونسيون انفسهم فلا يشيرون إلى مؤامرة حتى الآن.


تحيلنا ثورة تونس على انتفاضة الأرز الشهيرة، وتجعلنا نعاين الانحدار الذي وصل اليه الوضع  في لبنان؛ أين كنا وأين أصبحنا؟ ففي وقت يطالب فيه التونسيون بالانتخابات الديموقراطية ويجدون أن مجرد تحقيق حقوقهم يمكّنهم من التقدم، نعاين في لبنان كيف تُداس الحقوق فتم ضرب نتيجة الانتخابات بعرض الحائط وكأنها لم تكن. يطالب التونسيون بتطبيق الدستور والقوانين؛ بينما في لبنان يتم القفز فوق القوانين ويتم تفسير الدستور بحسب مصلحة الجهة التي تقوم بذلك. يئس اللبناني من تردي الوضع ومن مآل ما كان مفترضاً أنه "ثورته السلمية" التي أبدى عناداً غير مسبوق من أجل دعمها وحفظها. صحيح أن الانتفاضة كانت تهدف بشكل أساسي الى رفض عمليات الاغتيال السياسي التي تحولت ظاهرة منظمة ووسيلة سيطرة وصار معظم المسؤولين السياسيين و أصحاب التأثير الاقتصادي او الايديولوجي ضحايا فعليين أو محتملين لها، وصحيح أيضاً أن المطالب الملحة كانت تتعلق بالحرية والسيادة والاستقلال، لبلد عانى من أنواع الهيمنة والاحتلال طويلاً؛ لكن الصحيح أيضاً أنها كانت تهدف ضمنياً إلى أكثر من ذلك، ولو لم يظهر الأمر كفاية بسبب الصراع  المتعدد الاتجاه الذي عانى منه البلد. فانتفاضة الاستقلال كانت تهدف أيضاً  إلى دعم دولة المواطنة؛ دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية والمساواة في المواطنية وكذلك القضاء على الفساد والزبائنية.


ولكن النظام الطائفي منع تظهير ذلك وأعان على طمس هذه المطالب وتحريفها، وهذا موضع الاختلاف الجذري عن ثورة تونس التي لم تعانِ من هيمنة خارجية ولا من انقسام طائفي.


إن جمهور انتفاضة 14 آذار، السلمي وغير العنفي، والمدني المواطني بامتياز كان يرغب في غالبيته بوطن يلبي طموحاته لجهة المواطنية والمساواة أمام القانون بمعناها العميق والشامل في وجه النظام الطائفي والمذهبي والزبائني. لم تتوضح هذه المطالب  في البداية بسبب الأولويات الساخنة التي رافقت الانتفاضة والتهديد الأمني الذي أظهر فاعليته في  اجهاض اي تحرك جذري. وهذا ما سمح للقيادات السياسية ، التي لا نغفل أنها تعرضت لهجمة أمنية شرسة بالطبع، ولكنها وبسبب من بنيتها وطبيعة تكوينها وانتسابها الى الطاقم السياسي نفسه التقليدي، سرعان ما تغافلت عن ذلك التوجه المواطني المدني ولم تلب طموحاته التي بقيت ضمنية ودخلت بازار التسويات غير المبدئية؛ لكي لا ألقي التهمة على السياسة، إذ يمكن السياسة أن تكون أخلاقية أيضاً . فعُقدت تحالفات واتُبعت سياسات مهادنة في الغالب حيث كان الجمهور يضيق بها ويؤكد في كل مرة تمسكه بانتفاضته وبمطالبه ليفرضها على قياداته التي ظلت بحاجة دائمة الى رقابته ودعمه عبر زخم التظاهرات العفوية الحاشدة التي كانت تفاجئ القيادات وعبر الاقتراع الذي كان أيضاً يفاجئهم في كل مرة.


لكن للأسف، استعادت اخيراً اللعبة السياسية التقليدية لياقتها وخيب آمال الجمهور الذي حلم بالحرية والديموقراطية والشفافية، خضوع ممثليه لمنطق التسويات الإقليمية غير العادلة والتي أدى تعثرها الى وضع البلد على محك منطق القوة والعنف من جديد . ومن هنا نلاحظ مفارقة الوضع في لبنان، فهو البلد الأكثر انفتاحاً وديموقراطية بين الدول العربية، لكن  هذا لا ينفع الشعب اللبناني في ظل تحكم زعماء الطوائف ومصالحهم وامتداداتهم الخارجية. تجد غالبية هذا الشعب نفسها وخاصة المواطنين والمدنيين بينهم، خارج هذه المعادلة السياسية بالمعنى الأسوأ للكلمة. في ظل ضعف الدولة وتشرذم المؤسسات الرسمية وانقسامها من الداخل. فالدويلات لم تعد مناطقية أو جغرافية بل مؤسسية. المتحكم الوحيد باللبنانيين الآن هو الخوف. الخوف من الآخر والخوف على الذات أولاً ومن ثم على لبنان للبعض، والخوف من العدالة والخوف أيضاً من التحارب. ومن يهدد باستعمال القوة ربما الأكثر خوفاً! أما الأداة المستعملة لرد الخوف عن مختلف الأطراف فهو المواطن اللبناني، غير المنتمي الى جبهة حربية، في أمنه ولقمته ومستقبله.


وبينما يغرق لبنان في خوفه ويغيب المواطن الذي كان سباقاً في انتفاضته، نرى أن المواطن التونسي الذي طالما كان غائباً ينجح، وحتى إشعار آخر، في الإمساك بزمام المبادرة وفي التصدي للحكومة التي لا يزال رجال من النظام متحكمين بها ولذا يعجزون أو يحاولون عرقلة التغيير الجذري بالرغم من إبدائهم لنوع من الاستماع لمطالبه. وبينما يثور الشعب التونسي من أجل بناء دولته، دولة العدل والقانون، نجد أن الدولة في لبنان تُهدم على أيدي السياسيين المستقوين بالخارج. وفيما تستعيد الممارسة السياسية الديموقراطية البعيدة عن العنف أهميتها ووظيفتها في تونس تُمسخ السياسة في لبنان وتُبتذل ونخير بين العنف والعدالة .


الخوف سيد الموقف في لبناننا الأخضر. اننا نرزح تحت نير الخوف والقوة. جميع الأطراف ترتجف من الخوف. وفيما يمتلك احد الأطراف قوة يبدو أنها تفوق احتماله؛ يخاف الجمهور اللبناني المدني والمواطني من تهميشه والاعتداء على أمنه وعيشه وحرياته ولا يتسلح سوى بمعارضته للعنف والسلاح.؛ يدعم الدولة ومؤسساتها، ولكن يسأل عن حق: أين هي الدولة؟  ويقف عاجزاً عن التدخل أو التأثير!!


فلبنان يُسيَّر من فوق بالغلبة السياسية الممارسة عليه، يُسيَّر عكس التاريخ، وعكس اتجاه الجيل الشاب في المنطقة والذي يبدو صامتاً ومتخلياً عن السياسة، لكن هذا في الظاهر. فمن المستغرب أن يتم التهديد المبطّن في لبنان، ذي الميزة الوحيدة في أنه "بلد الحريات"، باللجوء الى السجن والقتل والتنكيل وان يتهم عبر مواقع مشبوهة الكتاب والصحافيين والمناضلين الوطنيين بالتجسس لأميركا، في وقت تُعلن فيه على الملأ براءة متهم ومحكوم عليه بالقرائن بالتجسس لمصلحة إسرائيل!! هكذا نكون نخرج طوعاً من التاريخ الذي بدأت تشهده المنطقة أمام عدم تصديق الأنظمة المستبدة.


تُداس الحريات في وقت صار فيه مطلب احترام حقوق الانسان الأساسية والبديهية مطلباً غير قابل للنقض ولا للتخلي. وهذا درس أساسي من دروس ما حصل ويحصل في تونس. القمع ينفع لفترة، لكنه لن ينفع في المدى الطويل، ويضرّ بمن يمارسه قبل أي أحد آخر. وتزيين القهر بشعارات لا يتبناها إلا المتعصّبون لها لأسباب مصلحية ونفعية بما يعاكس اتجاه الرياح العالمية، ونحن جزء منها سواء قبلنا أم أبينا، ربما يفيد على المدى القصير لا غير. في الأنظمة الديموقراطية، لكل فريق الحق باتخاذ الموقف الذي يريد، لكن لا يمكن ، بحسب الخيار والممارسة الديموقراطية الزام الآخرين به. هذا هو الفرق بين الديموقراطية والاستبداد. يجب التنبه أن زمن العنف والانقلابات العسكرية والقبضة الحديد قد ولّى سواء كان يمارس باسم الشعوب أو الأديان. إنه زمن جديد آتٍ ولو على دفعات؛ فجيل الانترنت والفايس بوك والتويتر يتواصل بحرية ويقيم شبكاته من أجل هذه الحقوق التي صارت بديهية بالنسبة له. المستقبل الآن لهذه الأجيال وليس للانقلابات العسكرية؛ ربما هو جيل يبدو أنه لا يتابع ولا يهتم بزواريب السياسة المخضرمة ولكن لديه من النضج والتطور الإنساني والوعي المواطني ما يجعله يجد بديهياً ما ترفضه الأنظمة الأثرية المتهالكة. فلتسرع بالإصلاح إذا استطاعت الى ذلك سبيلا.


ربما هذا ما يجعل النظام الايراني يحاول تجيير الثورة التونسية الديموقراطية لجعلها إسلامية بالقوة إذ ربما يحيد بذلك نظر الخضر الإيرانيين عنها بحيث لا تسول لهم انفسهم تقليدها ما دامت إسلامية مثل ثورتهم....!!


 المهزلة ان كل طرف في لبنان ينسب الديموقراطية والشفافية الى نفسه وإلى من يسنده وينزّه الأطراف الخارجيين الداعمين. الاستبداد والقمع والفساد هي صفة من يدعم "عدوي الداخلي"،  بحيث تصبح الوهابية أشد تأثيراً في لبنان وأخطر عليه من ولاية الفقيه!! لا ندري بعد لماذا؟


في الواقع لا تمتاز الاطراف الخارجية الداعمة للداخل عن بعضها البعض لجهة الديموقراطية او الشفافية، وبالتالي يفقد التعيير بالاعتماد على خارج دون آخر اي تمايز فمعظم الأنظمة المحيطة بنا هي أنظمة قمعية، لكنها تختلف في نوع القمع وشدته. أماالفساد فهو الآن صفة عالمية لا يمتاز بها بلد عن آخر سوى بإمكانية المحاسبة والمساءلة التي تختفي في بلدان الجوار ولكنها أكثر تأثيراً في البلدان الغربية. ولا يكفي أن ينعت أي نظام نفسه بالثورية لكي يكون ثوريا او ديموقراطياً او شفافاً.
يجب نزع الأوهام من رؤوسنا، لا مفاضلة بين نظام وآخر وجهة وأخرى إلا في نسبية ابتعادها عن الدموية والعنف وفي القدر التي تحفظه لنا من الحريات على أنواعها.

 

(استاذة جامعية) 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved