WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jan 28, 2011
 
التغيير في تونس وأسئلة الخبز والحرية حين تطرح في غير بلد عربي

الجمعة, 28 يناير 2011

اكرم البني

 

قالوا إن شرارة التغيير في تونس كانت البحث عن لقمة العيش، وإن الاحتجاجات الشعبية استمدت قوتها من وفرة المعوزين والعاطلين عن العمل، وغالبيتهم من حملة الشهادات الجامعية. وقالوا إن الحرية هي الحافز، وما كان للغضب واليأس أن يملآ روح محمد البوعزيزي ويحرق نفسه ويحرك الشارع لولا شيوع حالة من القهر والإذلال.


على أي حال، ومهما تكن الدوافع والأسباب، فإن ما تشهده تونس من تحولات يشير إلى غلبة الهم السياسي وتقدم شعارات التغيير الديمقراطي وحقوق الإنسان على ما عداها، وكأن الشعب التونسي استشعر ربما بحسه العفوي أن التغيير في ميدان السياسة هو الخطوة الصحيحة التي توفر فرص نجاح عملية التغيير بأبعادها المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.


رسالة تونس واضحة، لا مكان لتكرار التجربة الصينية التي تستهوي تطبيقاتها النخب الحاكمة لجهة إهمال دور الديمقراطية وتأثيرها الإيجابي على التطور والتنمية، فللصين خصوصية وفرادة لا يمكن لأحد أن يقاربها وتبدو، في مجتمعاتنا العربية، إمكانية عزل مسار النهوض الاقتصادي عن أي مبادرة لضمان الحقوق السياسية للناس أشبه بالوهم، جربته بلدان أكثر قوة اقتصادياً وأشد منعة سياسياً، وكانت النتيجة التحولات التي شهدها الاتحاد السوفياتي وبلدان أوروبا الشرقية. وعليه، فما كان يسمى بـ «المعجزة التونسية» صار اليوم موضع دراسة ونقد، وأسقط الرهان على نجاح تنمية الاقتصاد والاستثمارات في ظل غياب الحريات، وربما لا يخفى على أحد أن ما شهدته تونس من نهضة وتطورات عمرانية على أهميتها شُوِّهت بفعل الفساد وأفرغها الانغلاق السياسي من محتواها لتغدو بعيدة عن حاجات الناس وطموحاتهم.


ما سبق يؤكد وجهة النظر التي تقول إن فكرة التنمية لم تعد تقتصر في عصرنا الحديث على البعد الاقتصادي، وإنما تتسع لتتضمن دولة القانون وحقوق الإنسان والحريات، بما يعني ارتباط الحراك الاقتصادي ورفع معدلات النمو بعافية الوجه الــسياسي في عملية التنمية الذي يضفي على الوجوه الأخرى حيويتها وفاعليتها، ويعني أيضاً أن تحــسين المستوى المعيشي للناس لا يستقيم ما دام دورها السياسي غائباً، فدعم الديمقراطية وقيم المشاركة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعدالة في توزيع الثروة، فالطبقات المحرومة سياسياً هي كذلك محرومة اقتصادياً، والنخب الحاكمة لا تستأثر فقـط بأشكال ممارسة الحكم، وإنما أيضاً بكيفية التصرف بالثروة العامة، واستدراكاً لا تصح معالجة ظاهرة البطالة وإيجاد فرص عمل لجيش من العاطلين إذا لم يسد مناخ من الحرية والتعددية كفيل بتنشيط حركة التنافس والاستثمار، مثلما لا جدوى من محاربة الفساد محاربة ناجعة دون إرساء أجواء من الشفافية والمحاسبة وإعلام حر ينتصر لمعايير الكفاءة والنزاهة على الروح الوصولية والانتهازية.


صحيح أن البحث عن كسرة الخبز هو عند الكثيرين أهم من الاهتمام بقضايا الحريات وحقوق الإنسان، لكن يخطئ من يعتقد أن الناس لا تشغل بالهم السياسة، وأنهم لا يطمحون، حتى وهم في حالة العوز والحرمان، إلى إحياء دورهم في تقرير مصائرهم والمشاركة في بناء القرارات التي تخصهم. وعليه، فحين تُخِلّ الحكومات بمسؤولياتها في توفير الضرورات الأساسية للحياة، وتتراجع قدرتها على التعاطي الإيجابي مع حاجات المجتمع ويفضي انتشار الفساد والتركيز الفاحش للثروة إلى انهيار القوة الشرائية للأغلبية الساحقة من المواطنين وإضعاف الطبقة الوسطى، ليس ثمة من يعرف متى يتحول الإحباط والاحتقان الاجتماعيين إلى ردود أفعال شعبية عفوية، تضع عملية التغيير السياسي على نار حامية، يزيدها حرارة لجوء هذه الحكومات إلى القوة والعنف لضمان السيطرة ومعالجة ما يحصل من احتجاجات.


التونسيون قالوا كلمتهم تجاه المعادلة التي طالما رُوِّج لها، بأن إشغال الناس في معاناتهم الاقتصادية يصرفهم عن هموم السياسة وأهلها، وساهموا بلا شك في هز الثقة بأسلوب القمع والترهيب في ديمومة السيطرة، لعل أصحابه يقتنعون أخيراً بأن مثل هذه الطريق لا تفضي سوى إلى تأجيل ردود الأفعال المناهضة، لكن كي تأتي أكثر حدة وعشوائية.


«لا نريد للعالم أن يشمت فينا»، هي عبارة تكررت في تعليقات التونسيين، مشفوعةً بالرغبة في استمرار تحركهم سلمياً وبشكل آمن، بعيداً عن العنف أو ما قد يزعزع الاستقرار. وكأن دروس التجربة العراقية حاضرة ويتمثلها التونسيون جيداً، وكأن هذا الشعب يعيش مخاض تحرره وفي رأسه هاجس الفوضى والخوف من حصول انفلات أمني يؤدي بالأوضاع إلى ما هو أسوأ. وخير دليل على هذا، مبادرة التونسيين السريعة لتشكيل لجان أهلية تضبط حالة الفلتان الأمني وتضع حداً للممارسات الغوغائية في غير مدينة، والتي شكلت رداً حازماً على بعض المهولين الذين ما فتئوا يهزأون من الشعوب التي لا تستحق الحرية، ويراهنون على الفوضى والصراعات المتخلفة، ويشيرون بسخرية إلى بعض المظاهر السلبية التي حصلت من سلب ونهب وحرق للممتلكات العامة. وما يثلج الصدور أكثر ويطمئن القلوب، هو غياب الروح الاستئصالية والثأرية، وبالمقابل حضور إيمان عام بدور الدولة ومؤسساتها في عملية التغيير، وأيضاً بتدرج وسلمية هذه العملية، وكأننا أمام سيمفونية مشغولة بدقة تعتبر حضور الدولة الديمقراطية هو شرط الحرية وغايتها، وتتقصد تفكيك الأساليب الأمنية والتسلطية التي سادت في إداراتها ومؤسساتها بصبر وإتقان.


لكن التغاضي عن زمن الأزمة السياسية هو تعبير عن عجز في عملية الإقلاع الديمقراطي، حتى وأن كانت الفوضى خيار بعض القوى الهامشية التي لا مستقبل لها. ووراء طول استمرار هذه الأزمة تقف مخاطر كثيرة، أهمها احتمال تفسخ إرادة التغيير وتشويهها، وتمكين قوى مختلفة تترصد هذه التجربة لتخريبها والارتداد عنها.


وبينما يبدأ الشعب التونسي معركة استقلاله الثاني، لا يزال أوضح عنوان لتخلفنا ولحالة الضعف والارتباك التي نعانيها، هو عندما ذهبت مجتمعاتنا العربية منذ فجر الاستقلال حتى اليوم إلى اعتبار الديموقراطية شعاراً غريباً عن حقوقنا وثقافتنا، واختارت معاداتها ومواجهتها بمناخات لا تؤمن بالتعدد السياسي والحوار والتشارك، بل تسوغ، على النقيض من ذلك، أساليب القوة والاضطهاد والعنف.
ولا نتعجل الاستنتاج أو نبالغ إذا قلنا إن نجاح التجربة التونسية سوف يترك أثراً كبيراً على خيارات المجتمعات العربية، وبالحد الأدنى يكفي هذه التجربة فخراً أنها ساعدت في تنامي يقظة الشعوب ودرجة تحسسها لمصالحها، وفي منح فكرة الديموقراطية حضوراً جديداً بعد انحسار، لتشغل الحيز الذي يليق بها في الفضاء الثقافي والسياسي، بما في ذلك عودة الروح إلى مصطلحات المواطَنة والحرية والمشاركة، بعد أن بذل أعداؤها جهوداً حثيثة لإنكارها ووأدها.

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved