WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 1, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
اكتشاف الشعوب

وحيد عبدالمجيد

لم يتوقع أي من المراقبين المشهد في القاهرة وعدد كبير من المحافظات المصرية الثلاثاء الماضي، وقل مثل ذلك عن دعاة التظاهر في ذلك اليوم. كان المشهد المفاجئ أملاً تطلعوا إليه أو أمنية حلموا بها، وربما آخرون معهم، ولكنهم فوجئوا به كغيرهم.


كان حجم المظاهرات أكبر من أي توقعات، وكذلك الحال بالنسبة إلى انتشارها في كثير من أنحاء البلاد، وخروج أعداد متفاوتة من المصريين العاديين البسطاء في مناطق لم يحدث فيها مثل ذلك من قبل. ولذلك بدا المشهد غير مسبوق منذ 34 عاماً عندما نشبت انتفاضة 18 و19 يناير 1977 التي دخلت تاريخ نضال الشعوب. كانت تلك الانتفاضة أكبر حجماً حين تُقاس إلى عدد سكان مصر في ذلك الوقت، فمن نحو 37 مليوناً حينئذ إلى أكثر من ثمانين مليوناً اليوم، تغيرت مصر كليا، وليس فقط ديموغرافيا.


ورغم أن مظاهرات 2011 لا تعتبر انتفاضة، فقد كانت أوسع نطاقاً من انتفاضة 1977 على المستوى الجغرافي، ولذلك ينبغي أن تأخذها الحكومة وغيرها من أجهزة الدولة بجدية شديدة. فقد استهانت بمقدماتها ما دام الداعون إلى التظاهر "شباباً افتراضيين يعيشون في فضاء الإنترنت"، وباعتبار أنهم في حاجة إلى توعية. وقد تستهين بتداعياتها بدعوى أن "الإخوان" هم الذين حركوها. وليت من يقولون ذلك لا يصدقونه، لأن معظم من نزلوا إلى الشارع شباب غير منتمين سياسيا أو فكريا، إنهم أبناؤنا الذين خنقتهم البطالة واستفزهم الفساد بعد أن "نفَّضوا" و"كبَّروا الدماغ" لفترة طويلة.


صرخ أحدهم قائلاً: "أول مرة أخرج في مظاهرة. خلاص اتخنقنا". إنهم شباب غير مسيسين أو منظمين في معظمهم. ولذلك كانت العشوائية ظاهرة في تحركاتهم، لكنهم جسدوا أنبل ما في مصر وهم يرفعون علمها ويحتضنونه.


والحال أنه ليس في إمكان أحد أن يصنع الغضب المكتوم في صدور كثير من المصريين فعلاً، والفقر ليس إلا واحداً من أسبابه التي تراكمت، ولذلك لا جدوى من محاولة رئيس الوزراء وبعض أركان الحكومة إقناع الناس بأنهم في أحسن حال استناداً إلى عدد أجهزة التكييف أو الهاتف المحمول. ولو أن الأزمة الآخذة في التفاقم محصورة في الفقر الذي نختلف على معدلاته وكيفية قياسه لجاز لأصحاب القرار أن يطمئنوا، ولكن الغضب ليس مقصوراً على الفقراء. كثير غيرهم غاضبون لأسباب أخرى من بينها الفساد والاحتكار وغياب المعايير وافتقاد التكافؤ في الفرص وسطوة المال الذي يشتري البشر وليس فقط الأشياء وغيرها.


هذا فضلا عن الانسداد السياسي وتبديد الأمل الذي خلقه الرئيس حسني مبارك في مطلع عام 2005، عندما طالب بتعديل الدستور لكي يكون اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب، فقد التف حُراس الانسداد السياسي على ما بدا وقتها أنه إصلاح قادم، وجنَّدوا كل قدراتهم وخبراتهم لتفريغ التعديلات الدستورية من أي مضمون إصلاحي، بل أعادوا عقارب الساعة إلى الوراء عبر بعض تلك التعديلات.
كان كاتب السطور أحد من تعلقوا حينئذ بالأمل في الإصلاح. ولذلك شارك في أعمال لجنة رفيعة المستوى شُكّلت في مطلع عام 2006 لبحث التعديلات الدستورية، وشهد عن كثب كيف خُنق الأمل الوليد بأيدي بعض من كانت المسؤولية الوطنية تفرض عليهم رعايته لتحقيق إصلاح تدريجي يقي البلاد خطر الغضب حين يتراكم إلى أن يصعب حبسه مهما كانت الأبواب مغلقة والقنوات مسدودة، وهذه قصة بالغة الدلالة قد يحين أوان كشف النقاب عنها قريبا.


فليس هناك سبيل إلى تجنب انفجار غضب الشعوب إلا العمل من أجل تلافي أسبابه ومنع تراكمه وفتح الأبواب المغلقة بشكل تدريجي بدلا من انتظار كسرها عنوة. ومازال هذا ممكناً اليوم، ولكن فرصته تتضاءل بسرعة بعد أن بدأت حركة الشعوب في عدد متزايد من بلاد المنطقة.


وإذ يقف المجتمع الدولي مدهوشاً وهو يكتشف للمرة الأولى أن في المنطقة العربية شعوبا، لم يعد ممكنا الاستمرار في تجاهل الحاجة إلى إصلاح جدي يُقنع المصريين الذين عرفوا الطريق إلى الشارع بأن هناك طريقاً أخرى أكثر أمناً وأقل تكلفة. فليس في الوقت متسع لمزيد من الرهانات الخاطئة في لحظة يقود فيها أي تفكير عاقل إلى إدراك أنها ليست كغيرها مما مر على البلاد في السنوات الست الأخيرة التي ظلت الحركة السياسية فيها قشرة على سطح جامد، وبقيت الاحتجاجات المطلبية معزولة عن بعضها البعض في مجتمع مفتت.
ولم يعد ثمة خيار ثالث بين إصلاح سريع وانفجار لا يستطيع أحد توقع مداه، مثلما لم يكن ممكناً التنبؤ بما حدث الثلاثاء الماضي. هذه هي رسالة 25/1 إلى من يعنيه الأمر.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved