|
واشنطن - هشام ملحم / دمشق – الوكالات
خيم الصمت أمس على درعا التي انسحبت منها وحدات الجيش السوري بعد حملة تمشيط دامت عشرة ايام، كما لزم معظم السكان الذين خرجوا من منازلهم للمرة الاولى الصمت نتيجة الخوف. وشاهد مراسلون اجانب سمح لهم بدخول المدينة، طلقات فارغة وزجاجاً مكسوراً وآثار جنازير الدبابات على الاسفلت والاطارات المحترقة وبقايا الدخان الأسود التي خلفها الحريق على الجدران، الأمر الذي يظهر كثافة العمليات العسكرية في هذه المدينة جنوب البلاد، التي شكلت رمزاً للتمرد على نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وعلى رغم اعلان دمشق سحب جنودها من درعا، أكد سكان ان المدينة لا تزال تحت الحصار، وعادت صور الرئيس الاسد الى الظهور في المؤسسات وواجهات المحال التجارية . ويفترض ان تتوجه بعثة انسانية تابعة للامم المتحدة الى المدينة حيث قتل نحو 300 شخص ، من اجل تقويم الاوضاع والحاجات. وصرح الناطق باسم الامم المتحدة فرحان حق: "حصلنا على امكان الوصول وستقوم بعثة انسانية بزيارة درعا خلال الايام المقبلة لتقويم (الحاجات)". وفي علامة على ان النظام يتوسع في استخدام الجيش لسحق التظاهرات، نشرت دبابات وعربات مدرعة حول مدينة الرستن قرب حمص واقامت وحدات الجيش نقاط تفتيش حول بانياس. وقال ناشط طالبي إن قوى الأمن فرقت تظاهرة في جامعة حلب. ومع ذلك، جدد المعارضون الدعوة الى تظاهرات جديدة اليوم في كل المدن السورية في ما اطلق عليه "جمعة التحدي".
العقوبات الاوروبية وافاد ديبلوماسيون أن الاتحاد الاوروبي قد يتوصل إلى اتفاق مبدئي اليوم الجمعة على فرض عقوبات على القيادة السورية، لكنه لم يقرر بعد ما اذا كانت العقوبات ستشمل الرئيس الأسد. وكانت الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي قد اتفقت الأسبوع الماضي من حيث المبدأ على فرض حظر على الاسلحة على سوريا، لكن المناقشات لا تزال جارية في شأن ما اذا كان ينبغي ان تستهدف العقوبات افراداً بعينهم من طريق تجميد ارصدتهم وفرض حظر على سفرهم أو اتخاذ خطوات مماثلة أخرى. وسيجتمع سفراء من دول الاتحاد الاوروبي مجدداً اليوم لمناقشة قائمة الأفراد الذين يمكن استهدافهم بالعقوبات. ولا بد من الموافقة بالاجماع على أي عقوبات. وقال ديبلوماسي اوروبي: "هناك اتفاق على نطاق واسع لفرض عقوبات على افراد ولا تعترض على ذلك سوى استونيا. النقاش الثاني الكبير يتعلق بما اذا كان سيدرج الأسد (ام لا)". وتخشى استونيا على سلامة مواطنيها السبعة المخطوفين في لبنان.
واشنطن وفي واشنطن، دعت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الجمهورية أيليانا روس ليتنن والعضو الديموقراطي الابرز في اللجنة اليوت اينغل الرئيس الاميركي باراك اوباما الى تطبيق العقوبات الاميركية المفروضة على سوريا على نحو شامل، وتوفير الدعم الاميركي لتعزيز الديموقراطية في سوريا. وقال النائبان في رسالة الى اوباما إن سوريا لا تزال تواصل السياسات والممارسات ذاتها التي أدت الى اعتماد "قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية" في 2003، ووصفا انسحابها من لبنان بانه "تقني" وليس "فعلياً". وبعدما اشارا الى ان الحكومة الاميركية لا تطبق هذا القانون بشكل فعال، حضا الرئيس على تقوية العقوبات على دمشق نظراً الى "الخطر الذي تشكله سوريا اليوم، بسبب تنامي علاقتها مع ايران وقتلها لشعبها". وطالب النائبان تحديداً بتطبيق العقوبات المتعلقة بمنع الشركات الاميركية من العمل في سوريا، وتقييد تحركات الديبلوماسيين السوريين في واشنطن ونيويورك ضمن دائرة لا تتعدى 25 ميلاً، وتجميد اي نشاط اقتصادي تكون للحكومة السورية أي حصة فيه.
الجيش السوري بدأ سحب قواته من درعا وعززها حول بانياس والرستن
بدأ الجيش السوري ينسحب من مدينة درعا التي دخلها في 25 نيسان لقمع موجة الاحتجاج على النظام، فيما تجددت الدعوات الى التظاهر في "جمعة التحدي" على رغم حملات الاعتقال التي كان آخرها توقيف اكثر من 300 شخص صباح امس في بلدة سقبا في ريف دمشق.
أفاد مراسلون ان نحو 350 جندياً ركبوا نحو 20 ناقلة جند مدرعة لصقت عليها صور للرئيس السوري بشار الاسد تركوا درعا قرابة العاشرة صباح امس. وصرح مدير الادارة السياسية في الجيش السوري اللواء رياض حداد: "بدأنا الخروج التدريجي بعدما اتممنا مهمتنا". واضاف: "سنتم خروجنا كليا في نهاية اليوم (امس)".
وشدد على ان "الجيش لم يواجه المتظاهرين. نحن نتابع عصابة ارهابية مختبئة في اماكن محددة وندهمها". وكرر ان "الجيش لم يتصد للتظاهرات على الاطلاق ولم يتم استخدام اسلحة ثقيلة اطلاقا، فقط الاسلحة الفردية". واشار بيده الى الابنية التي تقع عند مدخل المدينة والتي هي في طور البناء، قائلاً: "هنا كان يختبئ القناصة الذين اشتبك معهم الجيش في اليوم الاول من العملية" التي بدات في 25 نيسان. واوضح ان "العملية ادت الى مقتل 25 جنديا وجرح 177 آخرين... وتم القاء القبض على المجموعات الارهابية المسلحة التكفيرية التي روعت الناس وقتلت الابرياء واعتدت على الممتلكات". وخلص الى ان "الحياة الطبيعية ستعود تدريجاً الى درعا". لكن شهوداً اكدوا أن وحدات من الجيش السوري تدعمها مدرعات لا تزال منتشرة في عدد من مداخل المدينة.
بانياس من جهة اخرى، تجمعت عشرات الدبابات والمدرعات، الى تعزيزات ضخمة من الجيش، قرب مدية بانياس الساحلية تمهيداً لمهاجمتها. وأقامت وحدات من الجيش نقاط تفتيش حول أحياء تسكنها غالبية سنية في المدينة. وروى ناشطون ان "عشرات الدبابات والمدرعات وتعزيزات ضخمة من الجيش تجمعت عند قرية سهم البحر التي تبعد عشرة كيلومترات عن بانياس" المحاصرة منذ اكثر من اسبوع. وقال احدهم: "يبدو انهم ينوون الهجوم على بانياس كما سبق لهم ان فعلوا في درعا". سقبا وقال شهود إن المئات من الجنود السوريين في زي القتال اقتحموا المنازل واعتقلوا نحو 300 شخص بينهم مشايخ في ضاحية سقبا للعاصمة السورية التي شهدت تظاهرات حاشدة ضد الرئيس بشار الأسد الأسبوع الماضي. ونقلت "رويترز" عن مواطنة طلبت عدم ذكر اسمها، في إشارة إلى شقيق الرئيس السوري، ماهر الأسد: "الجنود لم يحددوا من هم. أعتقد الناس أنهم من الفرقة الرابعة التابعة لماهر... قطعوا الاتصالات قبل وصولهم. ليست هناك مقاومة. التظاهرات في سقبا كانت سلمية. ألقي القبض على العشرات". وانضم الآلاف الى تظاهرة في سقبا الجمعة الماضي مطالبين بتنحي الأسد.
وفي الساحة العامة التي سميت "ساحة الشهداء"، نزعت اجهزة الامن "لافتة تشير الى الاسم الجديد، كما مزقوا صور الشهداء التي كانت ملصقة"، استناداً الى احد الناشطين. وأضاف: "اكثر من الفي شخص تابعين لاجهزة الامن والجيش شاركوا في حملة الاعتقالات وقد نقلوا باوتوبيسات". واشار الى ان "سبعة من سكان سقبا قتلوا منذ بداية موجة الاحتجاجات" منتصف آذار .
وتحدثت المنظمة السورية لحقوق الإنسان "سواسية" عن قوات مسلحة منتشرة في ضاحية عربين بدمشق وفي بلدة التل شمال العاصمة حيث اوقفت قوى الأمن 80 رجلاً وامرأة وولداً على الأقل. وقالت في بيان عن الاعتقالات في التل إن خمسة رجال تجاوزت اعمارهم 70 عاماً اعتقلوا وإن ما من أحد ينجو من الضرب والإهانة. وأضافت أن السلطات السورية احتجزت امرأتين رهينتين لأن قوى الامن لم تتمكن من العثور على ابنيهما. واتهم المرصد السوري لحقوق الإنسان الأجهزة الأمنية السورية باعتقال الشاب ماهر عبد اللطيف صهيوني فجر أمس من مشفى خاص على طريق جبلة - اللاذقية. الى ذلك، أحكمت وحدات من الجيش مدعومة بالدبابات حصار بلدة الرستن القريبة من حمص.
اللجوء الى الجيش وقبل أن يدهم الجيش درعا مهد الانتفاضة السورية، كان الأسد يعتمد أساسا على قوى الأمن والشرطة السرية في مواجهة التظاهرات الحاشدة. ونسبت "رويترز" الى مسؤول في حكومة عربية يتابع الأوضاع في سوريا: "قرار الأسد استخدام الجيش هو أكبر تصعيد للقوة يمكن أن يقوم به ومؤشر واضح لكونه لا ينوي الموافقة على أي مصالحة". ويقول خبراء عسكريون إن الرئيس الراحل حافظ الأسد زاد سيطرة الأقلية العلوية التي ينتمي إليها على الجيش الذي يقوده حاليا في الغالب ضباط علويون ويسيطر عليه فعلاً شقيق الرئيس قائد الحرس الجمهوري.
دعوة إلى التظاهر وتحاول حركات المعارضة للنظام السوري تنظيم اعتصام في المدن الكبرى في البلاد. وكتب ناشطون على صفحات في المواقع الالكترونية السورية المعارضة: "مستمرون في ثورتنا وفي تظاهراتنا السلمية في كل ارجاء سوريا حتى تحقيق مطالبنا بالحرية". ودعا الناشطون الى التظاهر اليوم في ما سموه "جمعة التحدي" في السادس من ايار، وهو ذكرى الشهداء التي تحييها سوريا عادة. ودعت وزارة الداخلية المواطنين إلى الامتناع عن تنظيم مسيرات أو تظاهرات من دون أخذ موافقة رسمية. وأعلنت أن 361 شخصاً من "المتورطين في أعمال شغب" سلموا أنفسهم، قبل ان تفرج عنهم بعد تعهدهم عدم تكرار "الإساءة إلى أمن الوطن".
كلينتون وفراتيني على الصعيد الدولي، صرح وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني في ختام لقاء في روما مع وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، بان الولايات المتحدة وايطاليا تدعوان الحكومة السورية الى "وقف اعمال العنف والعودة الى الحوار". وتطرق ايضا الى "العقوبات" على سوريا، وخصوصاً "تعليق المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي من اجل التوصل الى اتفاق للتعاون" و"قيود على تحرك الاشخاص المتورطين مباشرة في اعمال العنف التي وقعت في الاسابيع الاخيرة". ودعت كلينتون إلى فرض عقوبات أوروبية على سوريا، معتبرة أن ما يجري هناك "قمع وحشي" للسكان.
جوبيه وكرر وزير الخارجية الفرنسي الان جوبيه إن بلاده تعمل مع شركائها في الاتحاد الأوروبي لاتخاذ عقوبات في حق الزعماء السوريين ولكن لا اتفاق بعد على من سيدرج على القائمة. وقال بعد اجتماع روما لـ"مجموعة الاتصال السياسية حول ليبيا" المناهضة للزعيم الليبي معمر القذافي: "في الاتحاد الأوروبي إرادة لتطبيق العقوبات بسرعة كبيرة... نعمل في الوقت الحاضر على وضع اللمسات الاخيرة على قائمة الأشخاص الذين ستفرض عقوبات على أصولهم وتريد فرنسا إدراج بشار الأسد في القائمة". وتجمّع المئات من السوريين أمام السفارة الفرنسية في دمشق احتجاجا على مواقف الحكومة الفرنسية الأخيرة من الأحداث في سوريأ. وحمل المحتجون لافتات كتب فيها: "عفوا فرنسا إنها سوريا . لن نرد عليكم بالمثل. نحن السوريون نعتصم بحضارة ".
زيباري ورأى وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري في تصريحات صحافية، ان المصالحة بين حركتي "فتح" والمقاومة الاسلامية "حماس" تشير الى ان "الاسلاميين" باتوا يتوقعون حصول "تغيير" في سوريا. وابلغ صحيفة "فرانكفورتر الغيماينه تسايتونغ" الالمانية ان "ذهاب رئيس (المكتب السياسي لحركة) حماس خالد مشعل الى القاهرة لتوقيع اتفاق مصالحة مع زعيم فتح (الرئيس) محمود عباس يعني ان الاسلاميين يشعرون بأن التغيير في سوريا آت". ولاحظ ان النظام السوري سيجد صعوبة في البقاء في الحكم"، نظرا الى طبيعة الاحتجاجات التي يواجهها، قائلاً: "لست محللا سياسيا... لكنني اعتقد انه سيكون من الصعب ابقاء النظام السوري". وذكر ان الرئيس السوري "لم يتحرك بالسرعة الكافية" لتحقيق اصلاحات. ولو انه اعلن عن اصلاحات حقيقية وقوية لكانت تغيرت الامور، الا انه اختار عوض ذلك ان يسلم مسؤولية تقديم الاصلاحات الى لجان ولجان فرعية... الآن وقد سفكت الدماء، سيكون من الصعب قلب الصفحة".
( و ص ف، رويترز، ي ب أ، أ ش أ)
|