WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 3, 2011
 
الانتفاضات الشعبية والمصالحة بين الديموقراطية والوطنية

الخميس, 03 فبراير 2011
رغيد الصلح *


عرفت المنطقة العربية خلال منتصف القرن الفائت أنظمة وحكومات استلهمت المبادئ الديموقراطية، ولكنها أخفقت في أمرين: الأول في حماية الأمن الوطني فانهارت أمام الغزو الاستيطاني الصهيوني، والثاني في تحقيق المساواة بين المواطنين وتأمين العدل الاجتماعي لهم. واستنتج البعض من ذلك الانهيار أن هناك عطلاً في الديموقراطية يجعلها غير قادرة على حماية الأوطان من المؤامرات ومن الطوابير الخامسة، واعتبر انها لا تستطيع ان تعبئ الشعوب للدفاع عن أرض الوطن كما فعل ستالين عندما دحر النازية، أو كما فعل مصطفى كمال أتاتورك من قبله عندما أخرج الغزاة الأوروبيين من أرض تركيا.


وعرفت المنطقة العربية أنظمة استلهمت المبادئ الوطنية ولكنها أخفقت في أمرين: الأول ضمان الحريات السياسية والديموقراطية طالما أنها كانت مقتنعة بأن هذه الحريات تضعف الحصانة الوطنية في وجه التدخل الخارجي، الثاني أنها هي الأخرى لم تتمكن من حماية الأمن الوطني من الحروب والاعتداءات التي شنتها إسرائيل ودول الغرب على دول عربية كما جرى في حرب العراق.


كما حمّل البعض الديموقراطية العربية الناشئة مسؤولية الانهزام العربي أمام التوسع الإسرائيلي، فقد حمّل البعض الآخر الوطنية العربية مسؤولية «الموجة الثانية» من الهزائم العسكرية. ودعا هذا الفريق الى استبدال منظومة القيم العربية السائدة بمنظومة جديدة يحتل مركز الصدارة فيها قيام نظم ديموقراطية في المنطقة وتحقيق السلام مع إسرائيل والانضواء تحت قيادة القطب الأميركي الأعظم على صعيد السياسة الدولية وتطبيق مبادئ «إجماع واشنطن» التي تؤكد على دور السوق.


استأثرت هاتان المدرستان بتأييد واسع بين الذين طفقوا يفتشون عن أسباب الانكسارات المتوالية أمام القوى الخارجية والعجز الديموقراطي ببعديه السياسي والاجتماعي فوجدوها في غياب الديموقراطية حيناً وفي تغييب الوطنية أحياناً. وبدا أن كل واحدة من هاتين المدرستين تقدم تفسيرات مختلفة عن تلك التي تقدمها المدرسة الثانية، ولكن الحقيقة انهما تتفقان على شيء واحد ألا وهو أنه لا مجال لقيام أنظمة تجمع بين الوطنية والديموقراطية معاً، وأنه سواء تحقق هذا الأمر في دول ومجتمعات أخرى، فانه ليس للعرب -ولسبب غير مفهوم - أن يطمحوا الى قيام مثل هذه الأنظمة في ديارهم.
هاتان المدرستان ساهمتا، من دون قصد بالضرورة، في ولادة مدرسة ثالثة تضم لفيفاً من أهل السياسة الذين يجمعهم الاستهتار بالقيم الديموقراطية والوطنية. الممثل الأبرز لهذه النظرة هو القيادة المصرية والسياسة التي انتهجتها تجاه مسائل الإصلاح على الصعيد الداخلي، والعلاقات مع إسرائيل على الصعيد الخارجي.


فأمام الدعوات المتزايدة الى الإصلاح والتغيير الذي كانت تصدر عن الأحزاب والحركات والمنظمات المصرية في الداخل، وأمام المنظمات والهيئات الدولية المعنية بقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان في الخارج، لجات القيادة المصرية الى أساليب المراوغة والى إدخال تعديلات شكلية بقصد احتواء الضغوط التي كانت تمارس عليها. أمام الضغوط الداخلية أعلن الرئيس المصري حسني مبارك إدخال تعديلات دستورية وقانونية مثقلة بالشروط، فضلاً عن أنها لبثت في أكثر الأحيان مجرد نصوص لا معنى لها. فبعدما أدخلت تعديلات دستورية بهدف السماح للمنافسين بدخول الانتخابات الرئاسية ضد مبارك، وبعد أن صدّق أيمن نور هذه النصوص الدستورية فرشح نفسه ضد الرئيس، ألقي القبض عليه وحكم عليه بالسجن لسنوات. وأمام الانتقادات التي كانت توجه إليها من الخارج، لجأت الى رفع راية «السيادة الوطنية» وحرمة الداخل في مواجهة الخارج.


ولقد بلغت المبادرات التجميلية للنظام نهايتها المتوقعة والهزلية عندما أجريت الانتخابات العامة فحقق فيها حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم «انتصارات ساحقة» و «اكتسح» الدوائر الانتخابية على نحو عز نظيره في تاريخ مصر الديموقراطي! وظهرت قيمة هذه الانتخابات على حقيقتها خلال التظاهرات الأخيرة عندما استنجد النظام المصري بمؤيديه لكي ينزلوا الى الشارع ويعبروا عن تضامنهم مع مبارك، فلم يستجب الى هذا النداء إلا عدد هزيل مقابل مئات الألوف من المصريين والمصريات الذين أجمعوا على مطالبة الرئيس المصري بالاستقالة والرحيل.


وكما بينت سياسة مبارك على استهتار بالمبادئ الديموقراطية، فإنها دلت على موقف مشابه تجاه القيم الوطنية أيضاً. وتبلور هذا الموقف بصورة خاصة في السياسة التي انتهجها تجاه إسرائيل. صحيح انه انتهج سياسة متوازنة في المرحلة الأولى من حكمه، إذ وضع بعض الضوابط على التطبيع مع إسرائيل، إلا أنه ما لبث أن اندفع على طريق التطبيع خاصة بعد أن قرر البقاء في الحكم الى ما لا نهاية وعندما اتخذ قراراً ضمنياً بترشيح ابنه للرئاسة من بعده.


استحق مبارك في ضوء هذه السياسة وبسبب الخدمات الكثيرة التي قدمها الى إسرائيل تقدير الإسرائيليين فبات حليف بنيامين نتانياهو - رئيس أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً - الأول والاستراتيجي. لم تغير مواقف مبارك سياسة إسرائيل تجاه مصر أو تجاه الفلسطينيين أو العرب فلم تقدم للمصريين أي تنازل ولم تتراجع عن معارضتها لقيام مصر بأي دور إقليمي فعال ولا قدمت للفلسطينيين تنازلاً على أي صعيد، ولكن سياسة مبارك أكسبته هو شخصياً رضى الإسرائيليين. ذلك أنهم يدركون انه «باستثنائه هو والحلقة الضيقة المحيطة به لا يوجد بين المصريين من يؤيد السلام والتطبيع مع إسرائيل» «وانه إذا ذهب مبارك فان نتانياهو سوف يبقى من دون حليف إلا إذا جاء الى الحكم في مصر واحد من تلك الشلة الصغيرة المحيطة بمبارك»، كما صرح أحد المسؤولين الإسرائيليين الى صحيفة «هيرالد تريبيون» الدولية (31/1/11)


في خضم الانتفاضة الشعبية العارمة ضد النموذج المباركي وما يمثله على الصعيد العربي وليس المصري فحسب، هل نتوقع أن تبرز مدرسة جديدة ورابعة في السياسة العربية تلتزم بالمبادئ الديموقراطية وبالقيم الوطنية معاً وتبرهن على أن التناقض المحتوم بينهما هو أمر مفتعل، غريب عن علم السياسة ويفتقر الى الأساس الجدي؟


لم يتبلور هذا الرأي في مدرسة محددة المعالم ولا في نهج واضح ولم يبرز له تأييد واضح النطاق، ولكن الانتفاضات الشعبية تبدو كأنها نقيض مباشر وصريح لفكرة التضاد بين الوطنية والديموقراطية، وتأكيد على انه من حق العرب أن يتطلعوا الى إقامة حكومات وطنية وديموقراطية معاً تصون هويتهم وشخصيتهم الجمعية وترعى مصالحهم الحيوية وتحمي أرضهم من الاحتلالات والمحتلين.


فالأحزاب المعارضة التي تضطلع بدور رئيسي في تنظيم حركات الاحتجاج في مصر والأردن وتونس تجمع على ضرورة إعادة النظر في سياسة تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وفي سياسة التبعية للإدارة الأميركية، والتمسك بالهوية والمصالح العربية. والحركات الشبابية التي تساهم بقوة في هذه التحركات تطالب بوضوح بذهاب الأنظمة الأوتوقراطية واستبدالها بأنظمة ديموقراطية. ويتفق الجميع الذين يمثلون شتى الطبقات والشرائح الاجتماعية على ضرورة مكافحة البطالة والفقر والفساد والتمايز الاجتماعي الفادح. إذا تمكنت هذه القوى من الحفاظ على هذا التحالف الواسع الذي تمكن من هز دعائم الأنظمة في تونس والجزائر فانه من المستطاع القول أننا أمام عصر جديد تتحقق فيه المصالح بين الوطنية والديموقراطية في المنطقة العربية.

* كاتب لبناني

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved