WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 3, 2011
 
مصر وأزمة التغيير العربي

الخميس 3 شباط 2011

ناصيف حتّي


تتجه أنظار العرب والعالم كله إلى مصر قلب العالم العربي، رغم التهميش الكبير والتراجع اللذين أصابا كلاً من المكانة والدور المصريين في العالم العربي والشرق الأوسط وافريقيا، حتى صارت مصر، حسب وصف أحد الأصدقاء المصريين بمثابة رجل الشرق المريض في مطلع هذا القرن كما كانت الامبراطورية العثمانية رجل أوروبا المريض في مطلع القرن الماضي. مصر التي تعيش معركة التغيير التي أطلقت شرارتها تونس، التغيير الذي بدأت ظواهره تنتشر في المجتمعات العربية من جهة والخوف منه ومحاولة استباقه واحتوائه من السلطة العربية من جهة أخرى إذ نرى تغييراً حكومياً هنا وكرماً سلطوياً للطبقات المهمشة والفقيرة هناك ووعوداً بالتغيير في كل مكان.


هل يعيش العالم العربي "ربيع العرب" وكان الكثيرون خارج العالم العربي ومعهم كثير من المستفيدين العرب من الوضع القائم قد اعتبروا ولو من مواقع مختلفة ان العرب "محصنون" ضد الديموقراطية وعندهم مناعة ضد التغيير لأسباب تتعلق بثقافتهم السياسية، وبالتالي يمكن الحديث عن الاستثناء العربي والتنعم بنتائجه. صحيح ان لكل عملية تغيير خصوصياتها وسماتها ومسبباتها وعناوينها وعناصر تفجرها وسياقاتها لكن العرب أثبتوا أنهم في نهاية الأمر يشتركون اقليماً وفرادى مع العالم في ان الوصول إلى نقطة اللا عودة يؤدي إلى رد فعل شعبي رافض لأوضاع قمعية وغير طبيعية، وان هنالك بعد ذلك مراحل للمخاض الديموقراطي لا بد من المرور عبرها أياً كانت نتائجها. جنوب اوروبا عاشت هذا الأمر في منتصف السبعينات من القرن الماضي وأميركا اللاتينية في الثمانينات وأوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفياتي مرت بذلك مع سقوط جدار برلين.


شخصنة السلطة التي صارت بدورها اسيرة للأسرة والموالين وسيطرة حزب الموالين على السلطة كلياً وبالتالي على مقدرات الدولة وشل المؤسسات أو إلغاءها وقتل السياسة أو الفضاء الحواري التنافسي النقدي للأفكار والبرامج وللاختيار الذي توفره السياسة وتدجين أحزاب وخلق أحزاب أخرى لتوفير ديكور ديموقراطي وتقديم الاستقرار المفروض بالتخويف وليس الشرعي الناتج من عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، كبديل وحيد للفوضى والدمار والدخول في المجهول كلها سمات للنظم الشديدة السلطوية. ما جرى ويجري وقد يجري من انتفاضات في العالم العربي هي الأكثر ديموقراطية في تمثيلها وأهدافها وتطلعاتها، تأتي نتيجة لعنصر الانفجار الديموغرافي الذي نشهد تداعياته عبر وصول أجيال جديدة إلى سوق العمل، بعد أن تمت السيطرة عليه، وعنصر التطور التكنولوجي الذي خلق ديموقراطية المعلومات وانتشارها. البعض يتحدث عن نحو خمسين مليون وظيفة يجب خلقها في السنوات العشر القادمة في العالم العربي لاستيعاب تداعيات الديموغرافيا العربية. انتفاضات قادها الشباب أمام انسداد الأفق في وجههم وتزايد مشاعر البؤس والمهانة ومظاهر التحريض التي يرونها وقدرتهم على المقارنة مع من هم من اجيالهم وتطلعاتهم في أماكن أخرى في العالم، انتفاضات شارك فيها الجميع تعبّر عن المشترك الوطني الذي يتخطى السياسي والمناطقي والقطاعي والايديولوجي. هذه هي أهم سمة عصر الانتفاضة العربية تقوم بها شعوب تريد انقاذ المستقبل بعد أن رأت الحاضر يتداعى وشاهدت الأمس وقد نحر. ما يجري في مصر ايضاً يحمل بُعداً آخر مقارنة بما حدث في تونس وسببه الأهمية الجيو استراتيجية لمصر وكون التغيير فيها أياً كانت اتجاهاته ونجاحاته سيلقي بثقله على المنطقة بأسرها وعلى توازناتها وسياساتها وأولوياتها. رفعت بعض الأنظمة بالأمس النموذج الصيني بشكل خاص وبعض الآسيوي بشكل عام للحديث عن قدرة التنمية مع استمرار الاقفال السياسي. لكن المشكلة في هذا النموذج ان له حدوده وقد يصلح في فترة انطلاق عملية التنمية ولكن لا يمكن أن يستمر بشكله الاحادي القائم على الحرية الاقتصادية والانغلاق السياسي، ثم ان لهذا النموذج في لحظة معينة من تطوره مشاكل وتأزمات تطاول المجال السياسي كما بدأنا نراه في الصين الشعبية. أضف إلى ذلك ان الحالة الصينية في حجمها وموقعها وادارتها تختلف كلياً عن الحالات العربية التي تريد تقليدها.


تعامل العرب في مطلع هذا القرن بمنطق العلاقات العامة مع قضايا التنمية والديموقراطية ونذكر ثورة الخطاب الرسمي التنموي والإصلاحي العربي المشترك الذي تبلور في القمة العربية في تونس عام 2004 وجرى التعامل معه وكأنه بمثابة رد فعل لامتصاص ضغوط الخارج وتحديداً الأميركي الذي كان يحمل لواء الدمقرطة خدمة لاستراتيجيات لم تعد خافية على أحد ولم تكن الديموقراطية والتنمية على جدول أولوياتها. واستطاع النظام الرسمي ان يتخلص من ذلك الخطاب بعد أفول الموجة الأميركية الغربية، واستطاع خاصة ان يوظف تلك الموجة داخلياً من خلال استنهاض الرأي العام ضد التدخل الأجنبي الغربي وتحديداً الأميركي المرفوض لاعتبارات تبدأ في فلسطين وتمر في العراق. ثم جاءت انتفاضة تونس ليستفيق النظام العربي الرسمي على ضرورة العودة إلى الخطاب التعاوني التنموي ولكن طبيعة التركيبة السلطوية العربية بشكل عام والارث الثقيل لسلوكياتها لا تسمح بإحداث تغيير كبير طالما لم تكن هنالك ضغوط لذلك التعاون المطلوب والمنشود الذي كان يمكن أن يجيب عن بعض الأسئلة ومصادر القلق والغضب في المجتمعات العربية وليس كلها بالطبع. هذا فيما لو اتخذ ذاك التعاون السياق الطبيعي للتعاون الاقليمي الناجح، وهو أمر كان مستبعداً أيضاً لغياب المساءلة وطبيعة صنع القرار وسماته والدرجة العالية من الشخصنة الطاغية عليه والتي تمنع من التعاون التدرجي الاقليمي. سؤالان مطروحان حالياً فيما ينظر العرب والعالم إلى ميدان التحرير الذي يعبّر عن أزمة التغيير في العالم العربي: السؤال الأول يتعلق بمسار مخاض التغيير المصري في تعثراته وآفاقه، والسؤال الثاني بالمرشح أو المرشحين العرب الجدد بعد مصر لعملية التغيير. لقد عاش العرب منذ خمسين عاما ونيف عصر الانقلابات وهم يعيشون اليوم عصر الانتفاضات التي جاءت ولو متأخرة في مجمل الحالات لكنهم عادوا ليدخلوا عملية صنع التاريخ وصناعة المستقبل.عادوا إلى الجغرافيا العالمية التي حاولوا مغادرتها لفترة.
ناصيف حتّي

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved