WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 4, 2011
 
«صنع في الشرق الأوسط»

الجمعة, 04 فبراير 2011
وليد شقير


تكتسب نظرية «الدومينو» بعداً آخر مع انتفاضة الشعب المصري بعد انتفاضة شعب تونس، ومع ما تشهده المنطقة العربية من تفاعلات في غير بقعة ودولة تختلف ظروفها وأوضاعها بعضها عن بعض اختلافات موضوعية وبنيوية كبيرة. فـ «الدومينو» الذي أراده «المحافظون الجدد» في أميركا من هجومهم على الشرق الأوسط باحتلال العراق، بحجة واهية هي إقامة الديموقراطية في الدول المحيطة، كان وهماً من الأساس، وفشل، كما كان متوقعاً له، بعد أشهر قليلة من السيطرة على بلاد الرافدين، وهو ما أدى الى بدء تهاوي هؤلاء «المحافظين الجدد» في أميركا نفسها بدءاً من سقوط منظِّرهم الأساسي ريتشارد بيرل آخر العام 2003.


أما «الدومينو» الذي نشهده الآن، حيث يُسقِط حجر اللعبة زميله حين يقع عليه، فإنه اللعبة الأصلية والحقيقية البعيدة من أحلام وجنون «المحافظين الجدد». فالأحجار تتحرك ليسقط الواحد تلو الآخر بفعل حركة نشطة ولدت في رحم كل مجتمع تهب فيه رياح التغيير من داخله وليس بدفع من الخارج، مهما كان دور هذا الخارج.


بما شهدته تونس وتشهده مصر، تثبُت صحة الرفض العربي والأوروبي لجموح إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش نحو التغيير بالقوة، حين امتنع الأوروبيون، في طليعتهم الرئيس الفرنسي جاك شيراك آنذاك، عن مسايرة سياسته التي غلّفها قدر من الشوفينية والعنصرية والأحكام المسبقة حيال العرب في سعيه الى التغيير نحو الديموقراطية، وحين اعتبروا ان خصوصيات المجتمعات لا تتيح الاتجاه نحو الشرق الأوسط الواسع الجديد، لأنه تغيير لا يمكن أن يأتي من الخارج.


وليس هذا الاستنتاج هو الوحيد من دروس تونس ومصر وغيرهما، من التفاعلات التي يشهدها الشرق الأوسط المرشح لأن يجدد نفسه بنفسه. وهذا أمر يقاس بالسنوات وليس بالأشهر أو بكبسة زر.
فالمحرك الداخلي في كل من المثلين الأخيرين، على رغم أوجه الاختلاف في كل من المجتمعين المصري والتونسي، وموقعي البلدين، يقوم على تراكم النقمة على مدى عقود، إزاء الثالوث الذي ترتكز عليه الأنظمة المتداعية: بُنى سياسية تضمن الأحادية في الحكم وتحول دون التعددية، قمع بوليسي وأمني تتداخل من خلاله القوة الأمنية والعسكرية مع البنى السياسية لتصبح شريكة في الحكم والمغانم، وأخيراً طبقة من رجال الأعمال ذوي الثروات الفاحشة المستندة الى الفساد الذي يغذي النظام السياسي والبنى العسكرية بالمنافع والرشى وقوة الاستمرار.


إلا أن تراكم النقمة على القهر المتمادي من هذا الثالوث ليس كفيلاً وحده بتفسير ما يحصل. فهذا الثالوث، ولا سيما طبقة رجال الأعمال، يحتاج الى جيش من العاملين كي يخدم الاقتصاد المركنتيلي الذي يقوم عليه النظام. وهو بالتالي يحتاج الى المتعلمين من الشباب، الذين ازداد عددهم على مدى جيلين أو ثلاثة، فتصاعدت أعداد العاطلين عن العمل منهم بفعل سوء توزيع الثروة. هؤلاء كانوا وقود الانتفاضة. وليس صدفة أن فعالية هؤلاء كانت أكبر من فعالية الأحزاب، وأن عنصر الشباب المتعلّم استخدم الوسائل الجديدة التي أخذ العالم يندهش من دورها في الانتفاضة (تويتر وفيسبوك والخليوي) لأن الإعلام الجديد فاق تأثيره ذلك الذي تلعبه الفضائيات. وبدا أن الصفة الليبرالية التي تغلب على هؤلاء، وهويتهم المنفتحة والحديثة والعفوية، غير الحزبية وغير الدينية، الطاغية عليهم، أعطتهم مرتبة الريادة في ما شهدت مصر وتونس، قياساً الى أدوار الأحزاب، حتى العريقة منها. وإذا تكررت ريادة هؤلاء في دول أخرى، فإنهم قد يكونون عنصراً مساعداً على تخطي الانقسامات العمودية، الطائفية والقبلية في مجتمعات أخرى، التي تستعين بها الأنظمة على حماية ثالوث القمع السياسي والقمع الأمني والفساد المالي والاقتصادي.


استنتاج آخر لا بد منه: أجندة الانتفاضتين داخلية أساساً. على الأقل هكذا انطلقتا. وفي حالة مصر، فإن رفع شعار «الكرامة» في ميدان التحرير يرمز الى أن الديموقراطية هي الطريق لاستعادة دور مصر الإقليمي التاريخي، المغيّب، سواء في الصراع العربي – الإسرائيلي أم في أزمات المنطقة الكثيرة.


«الدومينو» هو عدوى. ومن الطبيعي أن تنسب الأحزاب الإيديولوجية الى خطها السياسي فوائد ما يحصل، لكن ما يجب التوقف عنده هو السؤال عما إذا كانت العدوى جاءت من الثورة الإيرانية، أو من الأوكرانية أو من 14 آذار 2005، أو من التظاهرات الضخمة عربياً ودولياً ضد الحرب على لبنان وغزة، أم من الانتفاضة في إيران احتجاجاً على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009 (وفي الأخيرة أوجه تشابه مع مصر في عملية قمع الانتفاضة)، أم أن العدوى جاءت بفعل هذه الأمثلة مجتمعة؟

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved