WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 4, 2011
 
الخبـــث الرئاســـي

عباس بيضون 


لم تتأخر العدوى التونسية، انتقلت فوراً من المغرب إلى المشرق. لكنها اختارت هذه المرة النظام الأكثر تضخماً واستفحالاً. النظام الذي ربّى عبر أكثر من نصف قرن آليات دفاع قد يكون السبات الظاهري إحداها. انتقلت العدوى من بلد عربي إلى بلد عربي وسيكون مقدراً لها، إذا نجحت هذه المرة، أن تنتشر في العالم العربي. لقد فعلت روابط اللغة والتاريخ والثقافة وكنا لفرط ما ركدنا وما همدنا آثرنا أن ننساها. كنا عربا ساعات الانتفاضة والتوتر اكثر منا أوقات اليأس والهمود.


أصابت العدوى أول ما أصابت، الرأس الكبير، لذا أصاب الرؤوس الأخرى ذهول لم تفق منه إلى اليوم. لقد تعلم المصريون من الدرس التونسي الا يخافوا، لكن النظام المصري تعلم أيضا الا يواجه الا اضطراراً وأن يكون أشد التواء وخبثا وتخفيا، وأن يحارب بكنايات وأسماء أخرى، وحين يضطر، وأن يوفر قوته ولا يستنفذها في أول صدام.


هكذا، سلّط شرطته في الأيام الأولى وقتلت هذه ما قتلت، ولما شعر أن هذه ستكون ملحمة بطولية. شعر أن الدم المسفوح يغدو منارة وكنزا والشهداء يغدون ذخيرة وإرثا للأجيال، سحب الشرطة من الشوارع فبدا للوهلة الأولى أن ما أنجزه التوانسة في أسابيع انجزه المصريون في أيام فالشرطة غائبة والجيش محايد بل يصرح مراراً بأن مطالب الناس مشروعة وأنه لن يتصدى بالقوة لها. هكذا تراءى ان النظام انهزم أو تفكك ولم يبق إلا ساعة الفصل. لم يبق إلا ان يرحل الرئيس وترحل دولته معه ونظامه.


لكن مصر ليست تونس وحسني مبارك ليس النظام، والنظام لم يسلّم بل انكفأ ليعيد رص صفوفه وهو أخبث من أن يرمي بقوته كلها في معركة. أخبث من أن يواجه في موقعه فاصلة. مبارك رأس النظام لكنه ليس النظام كله فالنظام المصري لا يزال ينبني منذ سقطت الملكية أي ما ينيف عن خمسين عاماً. وهو إذا أخل بالبناء الطبقي وطاح به استولد طبقات جديدة واستولد على وجه الخصوص طبقته هو. تضخم واتسع وليست الشرطة المليونية رافده الأوحد ولا طبقة رجال الأعمال صدارته الوحيدة، فالأرجح انه متغلغل في الاقتصاد وفي السياسة بحيث ان جذوره وخلاياه تنتشر داخل المجتمع كله، ونظام كهذا لا يرحل مع مبارك، كما حسب المتظاهرون، ولا يوجد به. إن مكانة رئيس الجمهورية وسلطانه المطلق، وانتظام الحكم وعدم تعرضه منذ زمن طويل إلى هزة كبرى إنما يدلان على استقرار النظام ومتانته. لم يكن لدى المتظاهرين سوى بند واحد هو رحيل حسني مبارك لكن طبيعتهم الشعبية كانت تحمل في مكبوتها نعرات شتى ضد مجوعيهم المتهالكين على المال العام والممسكين بمقاليد الاحتكارات والوارثين للتأميمات التي استحالت بالخصخصة أملاكاً خاصة. ارتفع الصراخ ضد هؤلاء ففهموا ان رحيل مبارك سيكون على المدى الأبعد محاكمة لنظامه الذي يتخذ له اسماً جامعاً هو «الحزب الوطني»، لذا نفهم الآن كيف كان الرئيس يتراجع و«النظام» يهاجم. نفهم الآن كيف انسحبت الشرطة وحل محلها المجرمون، كيف تدرج الرئيس في تراجعه من حل الوزارة إلى الوعد بمغادرة السلطة في مدى أشهر (هي النهاية الطبيعية لدورته الرئاسية)، في حين بقي الجيش على حياده وان سمح للبلطجية أن يهاجموا المتظاهرين بالهراوات والسكاكين في أعقاب تظاهرة مضادة «شكلية» تؤيد مبارك.


كان مبارك في تراجعه المنتظم يخاطب في الحقيقة الطبقة الحاكمة التي لم تكن كلها متفقة على التوريث، وقد أوحى للجيش ورجال الأعمال انه قدم أقصى ما يستطيع من التنازلات وانه تنازل تقريباً بشخصه عن كل شيء. لكن أي تنازل آخر لن يكون شخصياً وسيكون هذه المرة من لحم الطبقة الحاكمة وامتيازاتها. أي انه الآن الحد الفاصل بين الشعب والطبقة الحاكمة وإذا انزاح بالقوة فسيقفز الثائرون إلى كراسي من خلفه يحطمونها على رؤوسهم. أنذر مبارك الحزب الوطني بأن الدور التالي سيكون عليه. وكان طبيعياً أن يكون البلطجية هم حلف الحزب الحاكم فالحزب يتشكل من بلطجية الاقتصاد والسياسة، النظام هكذا بونابرتي بالمعنى الذي قصده ماركس في 18 برومير، وسيقاتل بلطجية الاقتصاد وبلطجية الشارع في الصف نفسه. لكن هذا بعد ان جمع الجيش المجرمين وفوت بذلك نية خبيثة لاتهام المتظاهرين بالفلتان والفوضى، سيكون هذا تظاهرة ضد تظاهرة وستكون نذر الحرب الأهلية بادية فيه خاصة بعد ان وعد الرئيس بمغادرة السلطة ونزل هكذا في الظاهر عند مطالب المتظاهرين. الأرجح أن الحزب الوطني الذي قام بالتظاهرة المضادة غداة تسليم الرئيس الظاهري بالمطالب يريد بهذا «إقناع» الجيش بأن العاقبة ستكون الفوضى إن لم يقم بواجبه في الدفاع عن النظام، ربما سيكون لهذا، بالإضافة إلى تعيين عمر سليمان وأحمد شفيق لنيابة الرئاسة ورئاسة الوزراء، اثره في الجنرالات الذين هم من زمرة النظام، لكن الهجوم بالجمال والجياد لا يخفى طابعه المسرحي، إن ادعاء البداوة تهريج «بلطجي» وإذا كان للبلطجية فرقة في أمن الدولة الذي دافع عن الرئيس، فإن بونابرتية النظام لن تجد أوضح من توظيف البلطجية وتشريعها.


إلى أين؟ يبدو أن النظام متحسب أكثر مما توقعنا. انه هو الآخر يلعب ويراهن على الوقت ويأمل ان ذلك سيتيح له رص صفوفه فيما يستمر الطرفان في المراهنة على الجيش، ستكون المعركة طويلة وسيسعى النظام إلى كسر التظاهرة وتفريغها ووصمها وإلى اقناع صفوفه بالتكتل والمجابهة سوية. انه يعلم ان حسني مبارك حال رحيله سيرحل معه بلطجيته، لذا لن يستسلم هؤلاء بسهولة وستكون المعركة طويلة. لكن انتصار الشعب المصري سيكون عدوى سريعة وهائلة وستتقوض الأنظمة العربية وتهوي في مدى قصير. ستكون هذه نهاية العار العربي، ولن نفكر بعدها أننا راضون بديكتاتورياتنا، كارهون للحرية، تنابلة ساكتون.


[[[
عندما نال جابر عصفور جائزة القذافي العالمية للآداب أحصينا الجائزة فوجدناها أكثر من مئتي ألف دولار وقلنا لا جناح بأن يخرج هذا المبلغ من كيس القذافي إلى جيب جابر عصفور، وأشفقنا على جابر من ان ينخدع بأن الجائزة حقا عالمية وحقا للآداب وأن يصدق بأن اسم القذافي يصلح لجائزة من هذا النوع.
لكن قبول جابر بتسنم وزارة الثقافة على جثث مئة قتيل واكثر من شعبه ليس شيئا يحمل على الدعابة. أراد الرئيس من هذه الوزارة أن تكون زيا معاراً، وقبل جابر بأن يكون في الثوب الرئاسي ووضع فصاحته في خدمة الرئيس. هذه المرة لم ينخدع جابر لقد باع واعيا الثقافة والآداب وباع نفسه قاصداً للمستبد ولن نقول هذه المرة إن الوزارة خرجت من كيس مبارك إلى جيب الرئيس و«صحتين على قلبه»، سنقول إن جابر وضع كل ما يملك، اسمه وآدابه وثقافته عند قدمي الرئيس. سنشفق عليه من أن يكون انخدع باسم القذافي اكثر من انخداعه باسم الجائزة وكنا نتمنى لو ان مبارك منحه جائزته فذلك افضل من أن يمنح هو الثقافة والفصاحة جائزة للرئيس. نشفق على جابر من ان يكون انخدع بتعيينه وزيراً.
لم يصدق المتظاهرون الرئيس فالنظام البلطجي لا يُمسك بكلمته ولا يقف عندها. لقد وعد مبارك في الليل وفي الغداة بدأت محاولة كسر التظاهرات. ولا يعلم أحد ماذا يبقى من وعد الرئيس إذا خلا الشارع خاصة أن كسر الانتخابات سبق كسر التظاهرات، والبلطجية كانوا دائماً حرس النظام. ستكون هذه الوزارة إذا رحل مبارك ذكرى سيئة لأصحابها، وجابر عصفور منهم، ولن يفكر عاقل بعد ذلك في إعادتهم إلى الضوء.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved