WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 4, 2011
 
سقطت «الدولة الأمنية» ويبقى الإجهاز عليها!

طيب تيزيني


في اليوم التالي على سقوط بغداد وزعتُ بياناً في دمشق كتبته بخط اليد، وحمل العنوان التالي: إفتحوا الدائرة أنتم، قبل أن يفتحها الأغيار! أما ما جاء فيه فقد تمثل في الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني يجمع بين ممثلي كل السوريين من أقصى اليمين الوطني والقومي الديموقراطي إلى أقصى اليسار الوطني والقومي الديموقراطي، بحيث يكون هذا مدخلاً إلى تأسيس مشروع جديد في النهضة والتنوير؛ مع الإشارة إلى أن ذلك يقتضي أن يمر عبْر مجموعة من الحيثيات الحاسمة في تأثيراتها الراهنة ضمن كل البلدان العربية دون استثناء، وإنْ على نحو يأخذ بالاعتبار خصوصياتها. وقد تبلورت هذه الحيثيات لاحقاً، وتبلورت معها قضايا أخرى. أما الحيثيات المعنية فهي الوجه الآخر النقيض للعناصر التي يقوم عليها «قانون الاستبداد الرباعي»، التي هي الأربع التالية: الاستئثار بالسلطة والاستفراد بها أولاً، وبالثروة ثانياً، وبالإعلام ثالثاً، وبالمرجعية الوطنية رابعاً.


أما القضايا الأخرى فتجسدت بإجراءات يمتد عمر بعضها خمسين عاماً تقريباً. وتفصح هذه القضايا عن نفسها بمجموعة من الأمور السياسية والاقتصادية والقضائية الخ. التي يبرز من ضمنها سيطرة قوانين الطوارئ والأحكام العرفية؛ وبقاء السلطة أبداً دون تغيير عبر القاعدة السياسية القانونية المعروفة وهي التداول السلمي والدستوري للسلطة؛ ونفي وجود حراك سياسي ديموقراطي ومن ثم نفي الإقرار بالتعددية السياسية والحزبية والثقافية الخ؛ والاستئثار الشَّره بكل أو بمعظم المشاريع التي تدر مليارات من الدولارات الخ.


إن ذلك الذي أتينا عليه يُفضي بنا لوضع اليد على ما نعتبره الاستراتيجية العظمى والحاسمة في إطار «الدولة الأمنية». أما هذه الاستراتيجية فتتمثل في المبدأ الواضح التالي: يجب أن يُفسد من لم يُفسد بعد، بحيث يصبح الجميع (من أبناء الشعوب العربية) ملوّثين ومدانين تحت الطلب. وهذا هو الوجه الأول من الاستراتيجية إيّاها؛ أما وجهها الآخر فيقوم على التواطؤ مع العدو الإسرائيلي وعقد اتفاقيات غير مكتوبة معه، يقف في مقدمتها الإقرار بكليْهما معاً: إقرار الواحد منهما بالآخر، بصيغ تجعل الفريقين يتحركان على أساس علني يقوم على القاعدة التالية: الإعلان عن أن الواحد منهما يقف في صراع مع الآخر، وذلك بالصيغة الملفّقة التالية: لا صوت يعلو على صوت المعركة. وقد راح هذا القول يتغير على نحو انتهى إليه، هو: عملقةُ العدو والأعداء، وتعاظم في تقزّم القوى التاريخية العربية.

الأنظمة الأمنية
وحين نضع ذلك كله في سياق التحولات العظمى العالمية، التي أفْضت إلى ما أفضت إليه في بغداد واليمن والسودان، والآن في تونس ومصر، إذن، حين نضع هذا وذاك مِمّا لم نذكر، قد يتضح أمامنا شعار ذو شقين اثنين: تصديع العالم العربي بعد تفكيكه طائفياً ومذهبياً واقتصادياً سياسياً واستراتيجياً، ومن ثم وضعه مخترقاً بكل الاعتبارات. فالأنظمة الأمنية العربية المجسِّدة لـ «الدولة الأمنية»، قادت شعوبها إلى حدّ السيف: إفقار مطرد متسارع، واستباحة لحقوقهم الشرعية، ومطاردة لحرياتهم. كما علمنا من دراسات ميدانية تمت في عدد من الجامعات العربية الرسمية والخاصة، إن ثمّة حالة من الفساد والإفساد والفوضى يهيمن فيها، بحيث تحول كل شيء فيها إلى «سلعة» تمحورت حولها ثلاثة مصادر هي الجنس المسوَّق والمال المبيَّض (الحرام)، ورجل المخابرات؛ مع عنصر آخر رابع ينتشر الآن في تلك الجامعات، كما تنتشر النار في الهشيم؛ نعني بذلك المخدرات؛ ويتساءل مجموعة من الباحثين وأساتذة جامعيين عمّا آل إليه المثل الشهير التالي: الحرة لا تأكل من ثديها. ويشير هؤلاء وآخرون إلى النسب المضطردة في تسارعها على الأصعدة الثلاثة: الدعارة والمخدرات والفساد الجامعي (بيع الأسئلة والطالبات إلى درجة أنتجت المطلب التالي: إدفعْ، أو إرفع! أما الفقراء والمفقرون فأصبحوا من سكان الشوارع بكل ما يرتبط بهم من محفزات: بيع الجنس على عينك يا تاجر. ويبرز هذا بالعين المجردة ومن جانب آخر، تطلع مصادر الإعلام المحلي لتطمئن أولئك الفقراء والمفقرين المذلين المهانين في كل ما يملكونه، بأن «أعطيات» الرئيس أو المحافظ أو سيد القرار لن تتوقف تجاههم، في وقت فُتحت أسواق البلد لعتاة اللصوص في الداخل والخارج. إن ما قيل عن زوجة رئيس تونس السابق من أنها هرّبت كمية يصل وزنها إلى مقدار طن ونصف الطن من سبائك الذهب، إن هذا أصبح جزءاً من الممارسات الإجرامية، التي يقوم بها الثالوث الشهير: رجال الأعمال، ورجال السلطة ورجال الأمن الحاكمين في الدولة الأمنية؛ وهؤلاء موجودون حيثما نظر الفقراء والمفقرون في الوطن العربي، وهوالمنطقة الأكثر ثراء.
[[[


لقد جاءت الانتفاضتان العظيمتان في تونس ومصر «في وقتهما». لقد صدّعتا أركانها على رؤوس صانعيها. وإنه لجدير بالاهتمام المركّز أن يأتي هذان الحدثان العملاقان، بعد أن دخلت أو تكاد أن تدخل مجموعات من الفقراء والمفقرين (والمثقفون من ضمنهم) في أتون اليأس المتدفق من الداخل والخارج. وانتشر الاعتقاد في أوساط هؤلاء، خصوصاً مع انتشار العولمة التي رفعت المطالب التاريخية للعرب إلى أقصاها: كيف نتمكن من أن نبقى داخل التاريخ الحي في عصر العولمة، التي نعرّفها – على نحو أولي – بأنها النظام السياسي الاقتصادي والعسكري والثقافي، الذي يسعى إلى أن يبتلع الطبيعة والبشر وأن يعيد بناءهم ويخرجهم سلعاً في السوق الكونية السلعية؛ هذا بعد أن بشّر بأن الوطن والدولة الراعية ومنظومات القيم التقدمية الحافزة وغيرهم، قد ولّت دون رجعة. وفي هذا السياق، ينبغي تصويب القول بأن «الدولة» الدستورية القانونية، أي الدولة الراعية وما يحيط بها مراقبةً وضبطاً من مظاهر مجتمعات مدنية، بأن نعلن: أن «الدولة الأمنية» تقوم على تعقّب المجتمع كله (هنا العربي)، على اختلاف مع «الدولة البوليسية العميقة»، التي تتجسد مهمتها في تعقّب خصومها السياسيين والاقتصاديين وغيرهم.


فإذا صُنع البشر على نحو يحولهم إلى مُفسَدين ومُفسِدين، فإن رهانات على مشاريع جدية تنهض بالوطن ستصبح من مخلفات عصور الثورات والانتفاضات وحركات التحرر ومشاريع النهوض والتقدم والتنوير؛ وهذا ما تسعى الدول الأمنية العربية إلى تحقيقه بصيغ ترافقها مثل الطائفية والظلامية الدينية والسياسية؛ فحينئذ يحدث تقاطع ذو دلالة هائلة مع فوكوياما، الذي يعتقد أن التاريخ قد أُغلق، إلا ذلك الذي يأتي تحت راية العولمة الامبريالية الأميركية ومن يلتزم بها خارجاً وداخلاً، وهذا بدوره، يتقاطع كذلك مع دعاة المستشرقين الذي يتحدث أحدهم وهو كابلان إذنْ، نحن نرى فيما يحدث في تونس ومصر إشارات لامعة على أن التاريخ العربي قد راح يمتطي التاريخ الحي المتدفق. فلهما الحب الغامر والوعد القاطع بأننا سنحافظ على هاتين الشمعتين (وعلى شموع أخرى عربية تطل علينا قريباً).
(كاتب سوري)


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved