WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 6, 2011
Author: Ziad Majed
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
أسئلة التحوّلات المقبلة - بقلم زياد ماجد

يتطلّب استخلاص العبر مما جرى في تونس ومصر مزيداً من الوقت، خاصة إن أردنا التمييز بين التجربتين والمقارنة بين أسبابهما وأشكالهما. كما يتطلّب الحديث عن مؤدّياتهما بعض الهدوء نظراً لانطلاق مسارات ما زالت متعرّجة وشائكة ويمكن أن تشهد الكثير من الانعطافات الخطيرة في الأيام والأسابيع المقبلة.


غير أن قراءة أوّلية للحدثين الكبيرين يمكن أن ترشدنا الى بضعة استنتاجات منها:


1- أن انطلاق التحرّكات تطلّب شرارة عاطفية وانفعالاً حاداً حطّم قيود الرقابة الذاتية وأنهى التطبيع مع الخوف محرّراً الفرد والمجموعة من الثقل الرمزي لمؤسسات الاستبداد دافعاً الى مواجهتها.


2- أن طرد الخوف دفع التعبير عن الغضب المتراكم لسنوات أو عقود الى حدوده القصوى، مكثفاً لحظة المواجهة، ومحوّلاً الانتفاض على الظلم والقمع الى تمرّد على الذات، والى سعي للانتقام في غضون ساعات من قمع عقود.


3- أن النزول الى الساحات العامة التي كانت حكراً على احتفالات النظامين بما يسمّيانه إنجازات ومبايعات حطّمت سطوة النظامين وأقامت لأول مرة منذ زمن بعيد جسراً بين الحيّزين الخاص والعام يعبره المواطنون بتحدّ ثم بتحرّر.


4- أن حرق صور الرئيسين التي كانت في حضورها اليومي في مختلف الساحات وبالأحجام العملاقة تُشعر المواطنين بعين ما تراقبهم وتفترض طاعتهم، أنهى سطوة الترهيب المتنقّل على الدوام بين المباشر والرمزي. كما أنه أنهى القدسية التي لطالما يريد المستبدّون إحاطة أنفسهم بها، عبر ادّعاءات الأبوّة والقيادة، وعبر الظهور على الدوام في لحظات تلويح للجماهير المصفّقة لهم والبادية وكأنها في حضرة آباء لها ترفعهم على الأكف والأكتاف. فإذا بكل هذا الحقل من الرموز والطقوس المزوّرة يتداعى أمام ملصقات رئاسية عملاقة تتهاوى في القاهرة أو في تونس.


5- أن الناس قادرون على الصمود في الشارع والمثابرة ورفض التوقف عن إنجاز أهدافهم ما داموا يشعرون بانفتاح الأفق أمام المزيد من الإنجازات، وما داموا يلمسون أن آلة القمع فقدت المبادرة، أو أنها لم تعد كافية لممارسة بطشها نظراً لحجم الحضور الشعبي الضخم المواجه لها.


6- أن الظروف المعيشية للناس، في ظل اقتصادات متهالكة وفساد مستشرٍ وثروات مستفزّة لها قدرة تحريك استخفّ بها أكثر الأطراف السياسية مقدّمين عليها قضايا قانونية أو متصلة بالسياسات الخارجية هي لا شكّ مهمة جداً، لكن التعبئة حولها لا تكتمل من دون الأجندة الاقتصادية-الاجتماعية الداخلية المقرونة بوضوح بمسألة الحرية ورفض الاستبداد ومظالمه، لا سيما في بلاد تحوي عشرات ملايين الفقراء، كما هي حال مصر.


7- أن الخارج، لا سيما الولايات المتحدة الاميركية (في الحالتين) ومن بعدها فرنسا (في الحالة التونسية)، يصبح في لحظة ثانوياً في تأثيره مرتبكاً في مواقفه غير قادر على التماسك وفق منطق واحد، فينتقل بين لحظة وأخرى من إعلان تواصل وتنسيق وعرض دعم الى مناشدة بوقف العنف الى المطالبة بالإصلاح الى تبني حركة الاحتجاجات، ولو لفظاً. وهذا لا يعني في أي حال إنعدام تأثيره، خاصة على المديين المتوسّط والبعيد، أي بعد هدوء الأمور ورسوّها على واقع جديد. فللخارج القدرات الاقتصادية والسياسية العميقة التأثير. لكنها جميعها تبدو عاجزة في لحظة الهبة الشعبية عن فهم ما يجري وتقدير أبعاده. ويظهر في لحظات كهذه كم أن أحاديث المخططات الخارجية والمكائد السائدة تضج بالمبالغات.

 

8- أن الآثار السياسية لعصر المعلومات وللعولمة تلعب الدور الحاسم في لحظات كالتي نعيش. فالفضائيات تعمّم الصور المباشرة، ومواقع الانترنت والمدوّنات تنقل المعلومات والأخبار والمشاعر التي لا يقوى جهاز على قمعها، والمواقع الالكترونية الاجتماعية مثل الفايسبوك والتويتر واليوتيوب وغيرها تصبح أدوات التعبئة الأكثر فاعلية، والهواتف المحمولة بكاميراتها الذاتية وبخدمة الرسائل القصيرة تتحوّل سلاحاً فائق الأهمية يصعب ضبطها أو توقيف أصحابها. وهذا كله يولّد مع الحدث تعاطفاً مباشراً، أي من دون مفعول رجعي (وبعد فوات الأوان أحياناً) كما كان يجري في السابق، ويحرّك الناس في كل حدب وصوب في التوقيت نفسه وبغير حاجة الى تنسيق للتعبير عن التضامن والتعاطف. والأهم أنه ينقل العدوى ويثير الحسد ويدفع للتماهي مع الشبيه الثائر في دول تعاني مما يعاني منه الضحايا-المنتفضون والمنتصرون.


على أن ما يمكن التوقف عنده أيضاً في الحالتين التونسية والمصرية على اختلافهما، مرتبط بعنصرين غير موجودين في الكثير من البلدان العربية الأخرى، لا سيما المشرقية منها. فالنظامان التونسي والمصري هما نظامان بلا قواعد اجتماعية أو طائفية أو قبلية – مناطقية تدافع عنهما. وحتى لو أن عائلات محددة ورجال أعمال وأجهزة حزبية متضخّمة يشكلون الوعاء الذي يتحرّك فيه النظام ويمدّ أتباعه بالمال ويعزّز فسادهم ليوظّف شبكاتهم الزبائنية في آليات تسويق له وإنتاج لبعض نخبه، إلا أنها جميعها تبقى دون قدرة الصمود الحاسمة إن لم تكن المؤسسات الأمنية بكاملها داعمة لها. وهذا الدعم لم نره في تونس حيث بدا الجيش جيشاً للدولة أكثر منه جيشاً للنظام مؤثراً رحيل رأس النظام على ترك الدولة – وهو في صلبها – تنهار أمام موجات الغضب الشعبي. وهذا الدعم أيضاً لم نره في مصر ولو أن الجيش هناك هو العمود الفقري للدولة وللنظام في آن واحد. إلا أنه أمام حجم الهبّة الشعبية، قرّر تجنّب الدفاع عن النظام قبل تعديلات في شكل الأخير وقبل تفويض مباشر له لضبط الأمور والتفاوض مع جميع الأطراف للاستمرار عموداً فقرياً لكل من الدولة المستمرة والنظام المتبدّل، إن في مرحلته الانتقالية، أو في مستقبله الأقرب، ولو اقتضى الأمر التضحية ببعض الاستقرار ريثما يسلّم له الجميع بسطوته وسيطرته.


والأمر هذا يختلف أيضاً عما هي عليه الأمور في الكثير من بلدان المشرق والخليج (وربما الجزائر) حيث قيادات الجيش ومواقع الأمن الاستراتيجية تنتمي دينياً أو قبلياً أو مناطقياً الى البيئات نفسها التي ينتمي إليها الرؤساء وكبار المسؤولين في الدولة، مما يجعلهم في دفاعهم عن النظام إنما يدافعون عن أنفسهم، إلا إن شعروا أن القفز من مركب غارق يمكن أن يقيهم الغرق الجماعي.
يبقى أن أسئلة يصعب التكهّن بأجوبتها راهناً هي ما ستحدّد بعض الاتجاهات في المرحلة القريبة المقبلة:


أ- هل سنشهد عمليات تحوّل ديموقراطي تنتج سلطات منتخبة وفق قوانين انتخاب جديد وفصل سلطات وحكم قانون ودستور، أم أننا سنكون أمام مرحلة انتقالية قد تطول (ويمكن أن تتغيّر موازين القوى فيها) تاركة الجيش – في الحالة المصرية – وبعض النخب السياسية القديمة – في الحالة التونسية – تلعب الأدوار الأساسية
خلالها؟


ب- هل سنشهد نزعات استئصالية أو ثأرية يمكن أن تؤذي الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وتُسقط التمييز الواجب بين الصالح والطالح بحجة الانتماء الى "العهدين السابقين" أو الى المعسكرات السياسية المتنافرة؟


ج- وما هو الدور المقبل للأخوان المسلمين في البلدين، لا سيما في مصر، وما سيعنيه الأمر من تبدّلات عميقة، إن هم تقدّموا، ومن إثارة حالات قلق وخوف لدى بعض شركائهم في الانتفاضة الشعبية الحالية، ناهيكم بأطراف الخارج القريب والبعيد؟ وإن تقدّم الأخوان، هل ينبغي التفكير بآثار ما في عدد من الدول الأخرى؟ وهل تصبح تركيا عندها، المحكومة بثنائية الأخوان (بنسختهم الأردوغانية) والجيش في مجتمع متنوّع ومتعدّد نموذجاً يتطلّع إليه أخوان المنطقة العربية؟


قد يبدو طرح قضية الأخوان هنا مستغرباً عند البعض، خاصة أن حجم الحراك الشعبي كبير لدرجة أنه يُغرق كل الأطراف ويصعّب عليها هضمه واستيعابه. لكن التجربة تفيدنا أن القوة الأكثر تنظيماً هي التي تتقدّم على سائر القوى في حالات الفراغ، حتى ولو كانت تمثّل أقلية شعبية بين أقليات عديدة أُخرى.


د- وماذا عن السياسات الخارجية للحكومتين المقبلتين، خاصة للحكومة المصرية، التي تحتل بلادها موقعاً استراتيجياً إستثنائي الأهمية إن لجهة الحدود والعلاقة مع إسرائيل أو لجهة التحالف مع الولايات المتحدة أو لجهة الدور (ولو المتراجع) داخل العالمين العربي والإسلامي وفي الحوض المتوسّطي وفي إقليم النيل الأفريقي؟ هل من تبدّل ما قد يطرأ على الإطلالات والعلاقات الإقليمية والدولية لمصر أم أن انطواءً على الذات سنشهده لفترة بهدف ترتيب الأوضاع الداخلية - التي حرّكت الجماهير - قبل بلورة استمرار أو تبدّل خارجي؟


لا شك في أن الأسابيع المقبلة ستضج بالتبدّلات والأحداث، وأن العديد من الأجوبة ستبدأ بالظهور، لتولّد من بعدها مباشرة، أسئلة جديدة. وهذه هي حال اللحظات التاريخية حيث التحوّلات تسابق الوقت وحيث كل تقويم يظل دون مقاس الاستحقاقات ودون سرعة الشارع...

 

( كاتب سياسي لبناني )


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Articles for the same author
Le paradoxe palestinien
Une nouvelle «question d’Orient»?
Face au silence des intellectuels, il faut rompre la solitude du peuple syrien
The Apathy of a Hodgepodge of many Leftists & Arab Nationalists
Combats à Damas : "La forteresse sécuritaire du régime est secouée"
Copyright 2026 . All rights reserved