WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 6, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
النواطير مستيقظون - بقلم عقل العويط

عندما يصدر هذا العدد من "الملحق"، تكون مرحلة طويلة دامسة قد انتهت - أو شارفت الانتهاء - في العالم العربي، ومرحلة جديدة تشقّ طريقها الى النور والابتداء.
لقد فعلها الشعب المصري الخلاّق أخيراً، كما يجب أن تُفعَل الثورات. هذا ما يأمله المثقفون والناس الأحرار، الذين نزلوا جميعاً الى الشارع لإسقاط الكابوس الاستبدادي. وها هو الشعب الجميل والطيّب يدحض "نبوءة" المتنبي حول نواطير مصر. فانظروا جيداً الى النواطير الحقيقيين الشعبيين في "أمّ الدنيا"، الذين استيقظوا حقاً. هكذا نأمل أن لا يؤكل عنبٌ من عريش مصر بعد الآن غصباً، أو نهباً، أو رضوخاً، إنما فقط من طريق الحق، والحرية، والعدالة، وهنيئاً، وتحت سماء الديموقراطية.


قبل ذلك بأيام، بأسابيع قليلة، كان الشعب التونسي قد فعلها، هو أيضاً، وكما يجب أن تُفعَل الثورات، تأكيداً لـ"نبوءة" أبي القاسم الشابي حول إرادة الحياة.


فتحيةً ثقافية صادقة الى شعبَي مصر وتونس، ودعوة الى استكمال عناصر النجاح لهاتين الانتفاضتين، بإقامة النظام الديموقراطي دون سواه من الأنظمة، وبإبعاد الأيدي التي تتحرك في الظلام.
لقد وضعونا – يا للعار - بين شاقوفين، شاقوف الديكتاتوريات الأمنية والسياسية من جهة، وشاقوف الديكتاتوريات الدينية من جهة أخرى، وقالوا لنا أن "نختار"، مطمئنين وعارفين أن فلسفة المطرقة والسندان هذه، ستجعل الشعوب العربية المضطهَدة ومثقفيها وأحرارها أسرى الابتزاز العقلي الرهيب، وستمنعهم من الاختيار بين شرّين، أحلاهما مرّ.


لكنْ، ها هي الديكتاتوريات العربية تخسر رهاناتها الابتزازية هذه، رهاناً تلو رهان (لا تنسوا الرهان الديكتاتوري العراقي، وإن يكن سقوطه قد تحقق بدبابة أميركية، وإن يكن بديله ليس المشتهى)، ولا أعتقد أن الرهانات ستتوقف عند هذا الحد. فـ"تباشير" الانعتاق تهلّ أهلّتها في أكثر من موضع، في المنطقة العربية الغارقة بأسرها في ليل الديكتاتوريات الدامس.


لا يسعى هذا المقال الى التحليل أو التفكيك أو التنظير الثقافي. كما لا يتنطح الى التدخل في شؤون الدول الداخلية. يبتغي فقط أن يوجه تحية الى كل الأحرار العرب، ويبتغي أن يقول شيئاً واحداً لا غير: حركة التاريخ لا يمكنها إلاّ أن تكون ديناميكية، والى الأمام، مهما تكن العراقيل والمشقات والأهوال. فعسى تشقّ الشعوب العربية طرق التغيير بالأساليب الديموقراطية السلمية، وبأيديها، دون سواها من الأساليب والأيدي.
المسألة بسيطة وواضحة، إذ يكفي أن نتأمل هذا المشهد: العالم العربي برمته، من عواصمه الى قراه، الى أصقاعه البعيدة، يعيش في ظل الأنظمة الديكتاتورية منذ أكثر من أربعين عاماً.
وحده هذا المشهد يعبّر عن أحوالنا. إنه لمشهدٌ مثير للخزي وللشعور بالمهانة. طوال أربعين عاماً، بل أكثر، لم تستطع المكوّنات الثقافية والمجتمعية الطليعية في العالم العربي أن تُحدث نقلة نوعية تاريخية واحدة. كأن القَدَر الكابوسي هو وحده القَدَر.


صحيح أن المقارنة غير موضوعية وغير علمية، بين الواقع اللبناني والواقع العربي عموماً، بسبب الخصوصية السياسية والتكوينية للحال اللبنانية، إلاّ أن ما جرى في لبنان قبل ستة أعوام كان يومذاك ضوءاً يتيماً في العتمة الدامسة، ومفارقة شعبية وديموقراطية نادرة، وإن غير مكتملة العناصر والمكوّنات. وها هو هذا الضوء اليتيم يُهمَد - يا للعار - بأيدٍ لبنانية، فضلاً عن الأيدي الإقليمية والدولية.
كأننا ننتفض أو نريد الانتفاض لكننا لا نستطيع أن نكمل المشوار، أو لا نعرف أن نستطيع ذلك، عبر الشعب أجمعين. مستيقظين متألمين ثائرين رافضين غافلين صامتين راضخين تائهين نائمين منذ عقود، لا حول لنا ولا قوة. في الأحوال كلها، النتيجة واحدة: رقابنا جميعها تحت نير الاستعباد، وإن انتفض بعضنا بين حين وآخر، واقترب قليلاً قليلاً من وهم الخروج من النفق!
... ثم، فجأةً، في غمرة الفجيعة العربية الماحقة، يتساقط القَدَر أمام إرادة الشعبين التونسي والمصري، وتتحقق العبرة. فلتأخذ الشعوب العربية هذه العبرة، إذاً، ولتدافع عنها.

***


فلنعد شهراً واحداً الى الوراء، ولنصفْ ببساطة وتواضع وصدق واقع الأنظمة والحكومات والشعوب العربية، ولنلقِ ضوءاً على كراسيها وعروشها والمجتمعات، لندرك بالأحوال والأسماء وعقود السنوات، أن هذه الأقدار لا تُحتمَل.


سمّوا الدول العربية جميعها، الملكية منها والجمهورية، تدركوا للتوّ أننا نعيش خارج الزمن.
يجب أن نريد العيش في الزمن. لهذا السبب يجب أن لا نريد سوى الديموقراطية. وحدها هذه الديموقراطية المنشودة، تجعلنا على طريق الحياة الكريمة، التي للأسف لا نحياها. كمن يصرخ بلسان شعبه قائلاً: أريد أن أعيش. فنحن في الواقع العملي للأمور، لا نعيش، إنما نعدّ أيامنا، وأحياناً ننساها، وأحياناً نكرهها، وأحياناً نموتها، تحت وطأة الأنظمة الديكتاتورية المتخلفة التي تتحكم برقاب شعوبنا العربية.


نريد أن نحبّ حياتنا. لا نريد شيئاً آخر. ولكي نحبّ هذه الحياة، يجب أن نريد الخبز والحرية والحياة الديموقراطية الكريمة. ليس عندنا أهداف "سياسية" أخرى، لا حزبية، ولا فئوية، ولا إيديولوجية، ولا دينية، ولا انقلابية، ولا كيدية، ولا ثأرية. ليس عندنا مطامح ولا مطامع ولا مصالح. في الحقيقة، مطلبنا واحد وحيد: أن نعيش فقط. أن نعيش في ظل دول حرة وحكومات ديموقراطية.
يا جماعة، لا نريد سوى الديموقراطية. لقد اشتقنا الى الحياة. الى الحياة الكريمة التي يجب أن لا تكون محض أضغاث أحلام.


... ثم، والكلام موجَّه الى شعبَي تونس ومصر: لا تتركا أحداً – لا في الخارج الأميركي والأوروبي والعربي (والصهيوني الإسرائيلي طبعاً) ولا في الداخل التونسي والمصري - يأخذ لقمة الحرية من الأفواه، أو يستغل، أو يصادر، أو يشوّه. ولا تجعلانا نخاف على مصير الثورة والانتفاضة. وحذار أنصاف الحلول... وأضغاثها!
أما عمل الثقافة، فطريقه طويل. وهو يبدأ من جديد، والآن، وإن أحياناً على طريقة سيزيف. وحده هذا العمل، لا ينتهي.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved