WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 6, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
عندما يتحرر "الرجل الصغير" فينا - بقلم منى فياض

لطالما استغربتُ كيف أن شعوبنا تقبل هذه الأوضاع المزرية على جميع الصعد؟ كيف تقبل هذا الاستعباد الذي تكبل نفسها به؟ وأقول: لا بد أن تثور، ولا بد أن يتغير الوضع. ولطالما سمعتُ تعليقات تهزأ من "تفاؤلي"، أي "سذاجتي". لكن يبدو أن عصور "الرجل الصغير" بحسب رايش آيلة الى السقوط.


في العام الماضي كنت في زيارة للقاهرة في مثل هذا الوقت بالذات، بالتزامن مع معرض الكتاب هناك، ومما كتبت في صحيفة "أوان" الكويتية: "معرض القاهرة كان التتويج للفقر الذي صدمني في المدينة. وهو ظاهر بشكل يصفع العين، وما يقع خلفها، أي الوعي والحساسية البشريين، والحس بالعدالة والحق في إنسانية محتشمة للجميع. صدمني الفقر في حي سيدنا الحسين، صدمني في الشوارع الفقيرة في منطقة بولاق الدكرور، وصدمني أيضاً في معرض الكتاب، ولو بشكل أقل ومختلف. صدمني أن أرى بشراً مثلي، لهم مظهري ووعيي نفساهما والأدوات - الأعضاء الأساسية - التي لديَّ: ينطقون مثلي ويشمّون ويسمعون ويتنفسون مثلنا جميعاً... فلماذا أجدني مختلفة عنهم، وأحصل على أكثر بكثير مما يحصلون عليه؟ وأسأل لماذا يعيشون في ظروف على هذا القدر من السوء، هم الذين استطاع أجدادهم القدامى أن يكونوا على هذه الروعة من التطور والتقدم؟ لماذا اختلفوا إلى هذا الحد؟ ولماذا لم يعد في إمكانهم التمتع بالحد الأدنى من الاحتشام الانساني؟ لماذا يجب ألا يتمكنوا من الحفاظ على النظافة الشخصية والصحة والحصول على طعام نظيف وثياب معقولة ومساكن مقبولة ومواصلات وطرق وعمل...؟ لماذا يشكل الانتقال من مصر الجديدة عبر كوبري بسيط يقاس بالأمتار، انتقالاً من عالم إلى آخر، ومن عصر إلى عصر، لا تنتظم قوانينه بما هو متعارف عليه! لماذا أجد هذا الفارق غير المقبول على المستوى الإنساني بين مواطنين ينتمون إلى البلد عينه كأنهم كائنات من مكان آخر؟ وكيف يقبل الانسان المصري المتوسط هذا الوضع، وبماذا يبرر المسؤول هذا الوضع؟ كيف يقبل أن يكون مسؤولاً ويترك معظم مواطني بلده، أو القسم الأكبر منهم على هذا الوضع؟".
كلام ساذج، ومثالي، ولا يفهم بالسياسة، ربما! لكن السؤال: كيف السبيل إلى تغيير الأمور؟ أليس عبر محاولة الإجابة عن أسئلة بديهية وبسيطة وساذجة؟


مع ذلك استمتعتُ في القاهرة بعروض صوفية، أحدها قدّمه زوار سيدنا الحسين الفقراء، لمناسبة ذكرى المتصوف الشاذلي، وآخر – "عرض التنورة" - في الغورية في مبنى تابع لوزارة الثقافة. هذان العرضان، وسواهما، يقولان أشياء متعددة عن العمق التاريخي والثقافي للمصريين. ومن المؤسف أن تتجاور مع كل هذا الفقر، ونقص الحيلة، والتأخر لبلد عشنا طفولتنا نحلم به كمثال، ونشرب أقوال زعيمه وأفعاله. فكيف تحول البلد الذي كان المنافس الأكثر تطوراً لليابان في مطلع القرن العشرين، إلى ما هو عليه حالياً؟


قد يقول قائل إن المصريين القدامى كانوا فقراء في معظمهم، لكن عدا أن مفهوم الفقر في تلك الأيام كان مختلفا عنه الآن، فشتّان ما بين الفقر مع الإنجاز (كما هي حال معظم الصينيين) والفقر من دون أي قدرة على أي إنجاز، أو ابتكار، كما هي حال دول الفقر العربية.


رايش، المأخوذ بالحرية، وهو أحد أهم المحللين النفسيين والمنظّرين الماركسيين – الفرويديين؛ خاب أمله مما آلت اليه الأمور في الاتحاد السوفياتي، ففضح الفاشية الحمراء مثلما فضح الفاشية السوداء، وجميع أشكال الفاشية والمجتمع التسلطي، خزان البؤس الكبير. في كتابه الصغير، "إستمع أيها الرجل الصغير" راقب رايش طويلاً كمشاهد ساذج، وفهم أخيراً لماذا يتصرف البشر كما يفعلون، مكتشفاً برعب ما يكابده رجل الشارع، أي الإنسان العادي، ويفرضه على نفسه، وكيف يتعذب ويثور، وكيف يعجب بأعدائه ويغتال أصدقاءه، وكيف أنه في اللحظة التي يصل فيها الى السلطة كممثل عن الشعب، يسيء استخدام سلطته ويمارسها بشكل أسوأ مما كان يقوم به بعض ساديي الطبقات العليا.


هذا السلوك الوضيع المتعصب الذي يتملكنا ويفتتنا، يسمّيه "الطاعون الانفعالي" ويجد أن هيمنته تعدّ أكبر خطر يهدد الحياة الطبيعية السليمة؛ لأن المصاب بهذا المرض يعتقد أن جميع نظرائه يمتلكون سماته نفسها، أي أنهم يكذبون ويخدعون ويخونون ولا يصبون إلا الى امتلاك السلطة. ويدين مثل هذه الحياة لأنها لن تكون سوى خاسرة وموبوءة.


ينتقد رايش كل "رجل صغير" فينا، الرجل الجبان الخائف غير المسؤول الذي يهرب ولا يستطيع النظر الى نفسه؛ يخاف النقد الذاتي ويخاف القوة التي يتوعد بها ولا يجرؤ على استخدامها. لماذا؟ لأنه لا يجرؤ على تخيل نفسه بشكل مختلف، ولا يجرؤ سوى على اتباع المعايير المفروضة عليه، ولا يجرؤ على أن يكون حراً، بل يقبل أن يظل ككلب مضروب. وإذا حصل على حريته، فلا يعرف كيف يحافظ عليها؛ لأنه لا يجرؤ على ان يكون صريحاً مع نفسه بل يلجأ الى ما يسمّيه "التكتيك". لا يجرؤ على أن يكون له رأي لأنه يحتقر نفسه ويقول: "هل يمكن أن يكون لي رأي مستقل لكي أقرر حياتي؟ لكي أعلن على الملأ أن العالم ملكي؟ وبلدي أنا أقرر مصيره؟". 


الرجل الصغير يخفي صغارته وضيق أفقه خلف أحلام القوة والعظمة، خلف عظمة رجال آخرين. انه فخور ببعض قادة الحرب، لكنه ليس فخوراً بنفسه. يعجب بالأفكار التي لم يبدعها، بدل الإعجاب بأفكاره. الرجل الصغير يجعل من نفسه عبداً. أنه شرطي نفسه. إنه المسؤول الوحيد عن عبوديته، وليس أي أحد آخر.
يبدو هذا ما فهمه الشعب المصري، الذي على ما قاله أحدهم هنا: "عايزين عيشة حلوة". فهل هذا كثير؟


وهذا ما ستفهمه الشعوب العربية جميعها. فألف تحية الى الثورات اللاعنفية والمدنية المواطنية الحقيقية الصاعدة، التي لا تريد الإسلاميين المتعصبين. أليس لافتاً أن يعلن الغنوشي أنه ليس الخميني!؟

كلمة أخيرة إلى المتبجحين اللبنانيين الذين ينتظرون ما يقوله نتنياهو أو وزير خارجيته النازي الموتور أو غيرهما لكي يتسلحوا بأقواله ضد الخصوم – "الأعداء الداخليين". عندما يجدّ الجدّ، يخرس المسؤولون الإسرائيليون ويرتبكون، ويُخرس نتنياهو ليبرمان لكي لا يؤثر كلامه سلباً على الأوضاع في مصر! فكفانا استخدام لأقوالهم المسمومة نوجهها سهاماً الى صدور "أعدائنا الداخليين" تارة، أو للتدليل على "صحة مواقفنا" بما صار يقترب من الهزل. أنهم يلعبون بنا لأنهم يجدون أن ما نقوم به ملهاة عبثية مضحكة في صالحهم. فهل نتعلم!؟


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved