WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 6, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
 
من أجل الخبز والحرية - بقلم خالد غزال

قد يكون مبكرا اطلاق احكام على ما ستؤول اليه التطورات الدراماتيكية التي تشهدها كل من تونس ومصر على صعيد تكوين الحكم ومصير المطالب المرفوعة في كل من البلدين، لكن ما يمكن الجزم به ان مرحلة نوعية جديدة دخلتها المنطقة العربية، على مستوى السلطات الحاكمة وعلاقتها بالشعوب العربية. فما يجري اليوم هو الابن الشرعي لمجمل سياسات الأنظمة العربية وللاحتقان المتراكم منذ عقود من الزمن، وهو احتقان كان لا بد من ان يجد تصريفه في الشارع.


ليس غريبا ان يكون انشداد الانسان العربي الى ما يحصل في مصر هذه الايام، من دون ان يقلل ذلك من اهمية الحدث التونسي. فللتاريخ، كانت مصر في الخمسينات والستينات مفتاح النهوض القومي والتحرر من الاستعمار والتقدم، حيث شكّل المشروع الناصري الرافعة التاريخية التي ألهبت مجمل الشعوب العربية، وانعكس ذلك على مجمل التغيرات التي شهدها العالم العربي عبر الانقلاب على معظم السلطات القائمة. لكن مصر نفسها شكلت بوابة الانحدار والتقهقر للمشروع القومي النهضوي والتحديثي في العالم العربي، مذ طاولتها الهزيمة في حزيران 1967، وهي هزيمة لم تقتصر على الجانب العسكري بقدر ما شكلت هزيمة مجتمعية بكل معنى الكلمة، لم تقتصر آثارها على مصر، بل تعدّتها الى معظم العالم العربي. ليس مبالغة القول ان الشعوب العربية لا تزال تعيش وطأة هذه الهزيمة من خلال الانهيارات البنيوية التي تصيب مجتمعاتها، وتتسبب في انبعاث بنى العصبية والتخلف، بما يعنيه ذلك من حروب اهلية طائفية ومذهبية في اكثر من مكان في العالم العربي.


لم تكن "انتفاضة" 2011 الاولى من نوعها في مصر، فتاريخ الشعب المصري يشهد لانتفاضات في اكثر من مرحلة، من ثورة عرابي في نهاية القرن التاسع عشر الى تظاهرات 1919 بقيادة سعد زغلول، الى حريق القاهرة وما تبعه من انقلاب 1952، الى التظاهرات الطالبية في 1968 و1972، وصولا الى انتفاضة كانون الثاني من العام 1977. كانت هذه الاحداث تضع النظام كل مرة على شفير الانهيار، لكن اجهزة السلطة كانت قادرة في الوقت نفسه على السيطرة على الوضع وضرب القوى المناهضة لها والمتسببة في الاحداث، مما يجعل المرء قلقا على المآل الذي سينتهي اليه الوضع الشارعي هذه المرة، وما اذا كانت الانتفاضة ستشهد مصائر مماثلة لما عرفته انتفاضة العام 1977.


لم تكن الانتفاضة المصرية الجارية، ومعها الانتفاضة التونسية قبلها، صاعقة نزلت من سماء صافية، بل هي محصلة ممارسات النظامين على صعيد التحكم بالسلطة وكيفية معالجة المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. تحولت السلطة حفنةً من المتسلطين على الشعب من رجال اعمال وقادة عسكريين، تحكموا بموارد البلاد وعاثوا فيها نهبا وفسادا، فتكوّنت طبقات طفيلية راكمت المليارات فيما يعيش معظم الشعب تحت خط الفقر، وتسود البطالة ويعاني الشباب التهميش. لتأمين هذه السيطرة على الموارد، سيّجت هذه الانظمة حكمها بالاستبداد والتسلط والقمع العاري، عبر ضرب القوى المعارضة والزج بها في السجون او ارسالها الى المنافي وتقليص حرية الرأي والتعبير الى اقصى الحدود. لذا لم يكن غريبا ان تكون شعارات الانتفاضتين التونسية والمصرية متركزة على مطلبي الخبز والحرية، بصفتهما الحد الادنى مما يحتاجه المرء للحياة الكريمة.

 

لم تكن مصر وتونس الدولتين الوحيدتين في العالم العربي تعرفان هذا النمط من الحكم الاستبدادي والنهب لموارد البلاد، فعلى امتداد العقود الماضية لم تقدم الانظمة الى شعوبها ما يخالف تقديمات النظامين المصري والتونسي، بل ان بعضها كان متفوقا في القمع والاستبداد والنهب. لا شك ان جميع الانظمة العربية تراقب اليوم ما يجري في مصر خصوصا، لان الاحتقان المنفجر هناك يصعب ان تبقى آثاره محصورة هناك. في كل حال، ما يشهده اليمن والجزائر راهنا من اضطرابات، يبقى مؤشرا الى امكان انتقال العدوى المصرية.


لسنوات خلت بدت الشعوب العربية غارقة في عالم من الركود واللامبالاة تجاه ما تعانيه من فقر واذلال واحتقار، بل كان الشعور السائد اقرب الى اليأس من امكان مغادرة هذا الركود الشعبي. اليوم، يقف العالم كله مشدوهاً حيال ما يحصل في مصر من تحولات واحتلال شوارع. لا ينكر احد ان ما بعد النزول الى الشارع ليس مماثلا لما قبله، فقد دخلت المنطقة العربية في مخاض جديد، لن تقلل الفوضى، السائدة الى حد بعيد، والتخريب المرافق لها، من اهمية ما يجري. في كل حال، لا يقدم التاريخ ثورات صافية خالية من الفوضى والشغب، منذ الثورة الفرنسية وصولا الى ثورات القرن التاسع عشر في اوروبا، ومعها حركات التحرر الوطني في العالم الثالث خلال القرن العشرين.


يمتزج اليوم شعور عربي غالب بالأمل والقلق: الامل في ان ينتقل الحدث المصري ويكنس انظمة الاستبداد، والقلق من اجهاض الحركة واستعادة الاجهزة الامنية سيطرتها لصالح سلطة اشد هولا في الاضطهاد والقتل.


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved