WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 6, 2011
 
الثورتان التونسية والمصرية وولادة فاعل تاريخي اسمه الشعب – حسن الشامي

الأحد, 06 فبراير 2011


هناك شبح يحوم حول المنطقة العربية. يطرق بقوة على حديد الأبواب الموصدة، فيقضّ مضاجع كثيرين ويرعد فرائصهم، في المنطقة وخارجها، فيما يستفيق على طَرقه كل الذين أقاموا على انتظار محموم لقدومه. يبدو أنّ الثورتين، التونسية فالمصرية، أياً يكن مآلهما، لم تكتفيا بإلقاء حجر كبير في البحيرة العربية الآسنة. فهما أخرجتا إلى النور فاعلاً تاريخياً غيّبه الاستنقاع والركود طويلاً. هذا الفاعل يحتل موقع المبتدأ في جملة رددتها حناجر كثيرة: «الشعب يريد إسقاط... ». الفاعل هذا كان مفعولاً به طوال عقود. إنه الشعب. من المؤكد أننا أمام كائن اصطلاحي غريب، بقدر ما هو طارئ، ومألوف في آن.


ليس الآن مجال التدقيق في تاريخية المصطلح هذا، وإن كنا نقدّر تبلوره وترسّخه في قاموسنا السياسي الحديث في الفترة المضطربة التي تلت الحرب العالمية الأولى وأخرجت جماعات كثيرة، خصوصاً في المشرق العربي، من كنف السلطنة العثمانية إلى كنف أوطان لا تنتظم صورتها ولا حراكها الوطني في مخيلة سياسية وحقوقية مشتركة. وهذا ما يجعلنا نرجّح، وسط اضطراب دلالي يجرجر أذياله منذ النهضة، ألا يكون هناك بالضرورة تطابق بين الدال والمدلول. وينطبق هذا على مصطلح الشعب كما على مصطلحات أخرى تضرب بجذورها في قاموسنا اللغوي العربي القديم والمعرّب مثل «الأمة» و «الوطن» و «الحضارة» و «الثورة»... ليس أمراً مستبعداً أن نكون إذاً حيال صورة (الشعب) أكثر منها مفهوماً ناجزاً. وهي صورة تختلط فيها عناصر لا تنتمي إلى مرجعية دلالية واحدة وجامعة. ففيها نجد الوجه الحديث المقتبس عن الغرب كما نجد ما يرد إلى «العامة» و «الجمهور» (قبل ترجيح صيغة الجمع أي «الجماهير») و «الأهالي» بالتقابل مع «الخاصة»، وإلى «السواد» مقابل «النخبة» و «الصفوة».


ما تختبره الثورتان هو إمكانيات تحقق «الشعب» في تعبير سياسي وحقوقي، واستجماع الشروط التي تتيح العثور على ترجمة ملموسة لهذا التحقق عبر قوانين وقواعد لعمل المؤسسات تكون محترمة ومعترفاً بها من الجميع. وهذا بالتأكيد منعطف تاريخي، أو، بلغة أكثر تواضعاً، بداية انعطافة ستعترضها من دون جدال عوائق وأثقال وتقلبات ونزاعات لا حصر لها. ذلك أنها بارتسامها كوثبة هائلة تتشوّق إلى أن تكون منصّة إقلاع تاريخي لمجتمعها، لا تكتفي بلفظ شبكة العلاقات السلطوية التي يفرضها النظام على جملة المجتمع. فهي تضع كذلك على محك الاختبار تمثيلات وصوراً وأفكاراً عن مثال المجتمع الذي تتطلع إلى بنائه، وعن ترجمته السياسية في دولة وطنية. ويعني هذا بالضرورة إعادة صوغ الموقع الذي تحتله الدولة الوطنية هذه وتعديل أدائها داخل منظومة العلاقات المعقدة والمتشابكة إقليمياً ودولياً.


غني عن القول إن هذا التقدير لحمولة التبدل ولسعة مداه ينطبق ربما على مصر أكثر مما على تونس، بالنظر إلى موقع مصر المفصلي في استراتيجيات السيطرة قديماً وحديثاً، خصوصاً منذ حملة نابليون. لا ننتقص من قيمة الثورة التونسية إذا قلنا إنها أصبحت في موقع خلفي بعض الشيء، مقارنة بالصدارة التي تحتلها الانتفاضة المصرية عربياً وإقليمياً ودولياً بالنظر إلى وزنها الديموغرافي ودورها الريادي في تاريخنا الثقافي الحديث. وهذه الدوائر المتصلة بالموقع الجغرافي - السياسي لمصر مطروحة اليوم، في صورة عملية على الأرجح، على بساط البحث في «ميدان التحرير» في قلب العاصمة المصرية.


ثمة على الأرض ما يتشكل وما يجري اختباره بطريقة شعورية أو لا شعورية، بما في ذلك قيم التضامن والأخوة وتقاسم المصير الوطني. وهذا في حد ذاته، ومن دون رهانات رومنطيقية أو توظيفات عاطفية، يرشّح مصر لأن تكون من جديد، وإن في ظروف ومعطيات أعقد من السابق، قاطرة العالم العربي.


للتدليل على المكانة الاستثنائية للحدث المصري الجاري على قدم وساق، ليس هناك أبلغ من السيولة الهائلة التي تسم تعاقب الحوادث وتسارع إيقاعها وتقلباتها الداخلية كما تسم بالقدر ذاته تقريباً، وبالتوازي، مسلسل التصريحات والنصائح والتوجيهات الصادرة من عواصم كبرى عموماً، ومن واشنطن خصوصاً. ومن مفارقات الأمور أن تعبر هذه التوجيهات عن ارتباك في فصاحتها وسيولتها. لقد صدرت مواقف أميركية متباينة، وأحياناً متناقضة وفي تصريح واحد. وفي انتظار ما ستقرر واشنطن، بدت الدول الأوروبية أقرب إلى التلعثم وتقطيع الوقت بكلام لا يقول شيئاً. وحدها حكومة نتانياهو اقتصدت على غير عادتها في الكلام، وطلب رئيسها من كل الوزراء عدم الإدلاء بتصريحات قد تؤثر في مجرى الأحداث، مكتفياً هو نفسه بالتلميح إلى خطورة حصول سيناريو يشبه ما حصل مع الثورة الإسلامية في إيران. واللبيب من الإشارة يفهم. على أن الصحافة الإسرائيلية تحدثت عن رسائل من نتانياهو إلى الحكومات الغربية يحذر فيها من أخطار عدم التمسك ببقاء الرئيس مبارك في السلطة. وقد ذكرت «لوموند» الفرنسية، استناداً إلى مصدر ديبلوماسي، أنّ الحكومة الإسرائيلية بعثت برسالة إلى الأميركيين والأوروبيين تطلب فيها عدم التضحية بسرعة بمبارك خشية الوقوع في وضع يصعب التكهن بنتائجه. ويمكننا أن نفهم كل ذلك.


مصر قاطرة العالم العربي. عندما تتعطّل القاطرة يتعطّل القطار أنّى كانت وجهته. لا مبالغة في هذا الكلام. ثمة من يريد للقطار أن يبقى معطّلاً كي لا يحصل انتقال أو تقدم. وقد نجح إلى حد بعيد في ذلك. فهناك عالم عربي، على رغم تعاظم الظنون باعتبار العربة المتوقفة مملكة منفصلة لا يربطها بالعربة الأخرى سوى قدرية الجوار الصماء، والقابلة لأن تكون لعنة أحياناً. كيف نفهم عدوى انتقال الثورة التونسية إلى مصر وجملة الحراك في غير بلد عربي (اليمن والأردن والجزائر حتى الآن) لو لم يكن هناك مدى أو فضاء مشترك تتصادى فيه التجارب الكبرى. وقد ارتفعت بالفعل، بالأحرى رُفعت، فزّاعتان لدى اندلاع الثورتين: خطر صعود الإسلام السياسي وخطر استئناف العروبة السياسية، وإن كانت هذه مؤهلة لاحتواء ذاك، إذا تعهدت شروط ومتطلبات أهليتها وطنياً وديموقراطياً. وهذا بعض ما يُعقد اليوم على مآل الثورة المصرية.


والتلويح بالفزاعة الإسلامية بات في الغرب مادة ابتزاز منظّم ومصدر شرعية أخيرة لحكّام يحسبون إقليمهم جزيرة ووقفاً عليهم. وهذا ما يجيز في عرفهم استخدام الشرطة ورجال الأمن كميليشيا، ناهيك عن «البلطجية» والقمع السياحي والاستشراقي بعض الشيء (مشهد الجمال والخيول المجلوبة من منطقة الأهرامات).
قد نكون دخلنا حقبة أخرى لدى نشر هذه السطور. المؤكد أننا لا نريد النظر إلى الحدث الكبير من ماضي الأيام الآتية ولا من مستقبل افتراضي لماضٍ بعيد. فقط أن نشهد هنا والآن.

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved