WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 6, 2011
 
حركات التحرر المواطني – بقلم ياسين الحاج صالح

الأحد, 06 فبراير 2011


أياً تكن المسارات التي ستسلكها الانتفاضة المصرية في الأيام المقبلة، فقد أجهزت على شيئين: حكم الرئيس البلدَ مدى الحياة، ثم توريث حكمها للابن أو من في حكمه. علماً أن الحكم الأبدي والتوريث هما الشيء نفسه. هذا المكسب الذي غدا مضموناً الآن، بل تجاوزته الأحداث، كان قبل شهر واحد فقط يبدو أشبه بقدر تسير نحوه مصر، وربما تونس، كأنما في نومهما. المبدأ ذاته يبدو قد سقط ثقافياً وأخلاقياً، وربما يتكرس ذلك دستورياً وقانونياً في مقبلات الأيام في البلدين وغيرهما. وقد كانت أولى الثمار أن سارع الرئيس اليمني إلى إعلان أنه لن يجدد لنفسه. بل إن فكرة الحكم الرئاسي ذاتها تغدو موضع جدال بعد التغيير التونسي، ويجري تفضيل الحكم البرلماني عليها (هذا تفضيل حمة الهمامي، زعيم حزب العمال الشيوعي التونسي).


الإنجاز الثاني للانتفاضتين التونسية والمصرية هو الاحتجاج الشعبي الواسع بحد ذاته. لقد تحدى سكان البلدين نظامين يبدوان راسخين، فأحدثا تغييراً كبيراً في أولهما، قد يتجذر أكثر مع الأيام، وهزّا الثاني هزاً عميقاً، يرجح أن تكون له أصداء مدوية في العالم العربي، والعالم ككل، إن استكمل بانهيار النظام. وأن يبدو هذا وارداً جداً، لهو، بحد ذاته، مؤشر دال على الحركية العالية لسير الأحداث في مصر. ولا ريب في أنه سيحصن التغيير التونسي ويثبته ويضعف احتمالات الالتفاف عليه.


ينال أحد الإنجازين من «النظام»، هذا الذي قال المحتجون المصريون، بفصحى فظة، إن الشعب يريد إسقاطه، فيما يحيل الإنجاز الثاني إلى «الشعب»، هذا الذي يظهر ويحتج و «يريد»، ويتصرف طيفه الناشط، الواسع والمتنوع، بصورة أرفع، وطنياً وإنسانياً، من «النظام» بما لا يقاس. طوال عقود، كان «النظام»، أراد إسقاط «الشعب»، وقد تحقق له ما أراد، وإن ليس من دون كفاح جبار دؤوب، بما فيه قتل الناس، وبما فيه سياسة «فرق تسد»، وبما فيه شراء الضمائر.


ولعل نسب فوز رؤساء الجمهوريات في الاستفتاءات الرئاسية تصلح مقياساً لمدى نجاح النظام في إسقاط الشعب. يفوز الرئيس بما يقارب الـ99 في المئة من الأصوات. من التطورات الدالة التي سجلت في العقد الأخير أن النسبة انخفضت إلى 98 و97، بل إلى 94 في المئة، النسبة التي فاز بها زين العابدين بن علي عام 2004، أو حتى 89 في المئة، النسبة التي نالها حسني مبارك في انتخابات 2005 الرئاسية. لكن صدام حسين نال مع ذلك 100 في المئة من أصوات العراقيين عام 2002. هذا يعني أن وزن الشعب العراقي كان صفراً. أما في غير العراق فيتراوح وزن الشعب بين 1 أو 2 أو... 11 في المئة. وقد يمكن القول منذ الآن إن نسبة 11 في المئة هذه فتحت ثغرة في جدار نظام مبارك، مهدت للانتفاضة الشعبية الراهنة.
اليوم يريد «الشعب» نسبة 50 في المئة. أن يكون شريكاً معترفاً به في وطنه.


والشعب هذا ليس حزباً ولا «هوية» ولا «قوماً». إنه مواطنون أفراد، متعلمون، نساء ورجال، مستقلو الضمير، يرفضون أن يعتبروا كمّاً مهملاً، ويريدون أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم. وإنما لذلك قد يمكن وصف ثورتي مصر وتونس بأنهما ثورتا التحرر المواطني، أو ثورتا الكرامة، كرامة المواطنين الأفراد، وليس كرامة القوم أو الوطن. تقرير المصير الفردي وليس القومي.


عرفت بعض بلداننا ثورات وطنية، أبرزها الثورة الجزائرية، من أجل الكرامة الوطنية. لكن انتهى الأمر بتفريغ هذه من محتواها، على نحو تسجل مصر بالذات، تجلّيه الأقصى والأقسى، عبر عزل المواطنين وترهيبهم، والحجر السياسي على الشعب. الثورتان المصرية والتونسية تدشنان عهد التحرر المواطني، هذا الذي يمتنع أن تبقى البلدان العربية بمنأى عنه. أياً تكن المسارات المتعرجة لهاتين الثورتين، وأياً تكن تعثراتهما وأطوارهما، فقد فتحتا الطريق أمام تحول أساسي في العلاقة بين «الشعب» و «النظام» في بلداننا. لا يتحتم أن تتحول العلاقة بصورة ثورية، لكن يجازف كل «نظام» لا يستوعب هذا الدرس بجلب السقوط على نفسه. هذا لأن التحرر المواطني إنساني وتقدمي، متفوق بصورة قطعية على الأوضاع اللاإنسانية القائمة في مجمل بلداننا اليوم. زمن الـ99 في المئة ينتهي. وكذلك الـ90 في المئة. ومعه الحكم المؤبد. والتوريث. ومجمل الآليات اللاإنسانية لحكم البلدان ونزع كرامة البشر فيها.


نتكلم على البلدان العربية لأنه يظهر، بعد كل شيء وعلى رغم كل شيء، أنها تشكل بيئة متفاعلة ومتبادلة التأثير، بدرجة كان يصعب تقديرها قبل التحولات التونسية والمصرية. وتفاعل البيئة هذه مركّب بصورة ظاهرة. أو لنقل إنها تتوزع هي ذاتها بين قطبي «الشعب» و «النظام». ليس فقط أن لا أحداً من عناصر القطب الأخير مبتهج بانتفاضتي تونس ومصر، بل إن الفوارق بين العناصر هنا، أي «الأنظمة»، لم تبدُ يوماً أقرب إلى الانعدام مما هي اليوم حيال الانتفاضتين. هذا يقول الكثير عن الشعارات واليافطات والعناوين الأيديولوجية التي تفضل الأنظمة انتحالها لنفسها. في العلاقة بين «النظام» و «الشعب» لا فرق بين الجميع. أو لنقل إن انقسام «النظام العربي» مغاير هنا تماماً لانقساماته الظاهرية المعتادة التي تقف عندها وتحولها إلى حقائق نهائية منابرُ أيديولوجية وإعلامية متنازعة، متماثلة في النهاية. الانقسام هنا يضع عناصر قطب «النظام» في مقابل عناصر قطب «الشعب». الأولون أكثر تقارباً بكثير من الأخيرين، على رغم كل مظاهر الخصومة.


وبقدر ما يمكن الاستدلال عليه، ظهر تفاعل قطب «الشعب» إيجاباً حيال تونس ومصر، ويبلغ حد التماهي. لكنه ليس تماهياً «قومياً»، وإنما هو مواطني، يتصل بتجارب متماثلة ومطالب متماثلة، تسهّل اللغة العربية تداولها بين البلدان. لذلك فالتماهي هذا أقوى في بلدان تقارب بنيتها الاجتماعية ومستوى الدخل فيها ونمط ممارسة السلطة نظيراتها في تونس ومصر منه في بلدان أخرى.


على أية حال، من المبكر الحسم في هذا الشأن وفي شؤون أخرى فكرية وسياسية كثيرة تثيرها التفجرات الاجتماعية الجارية. لكنْ هناك سؤال يفرض نفسه: هل من الوارد أن يتمكن قطب «النظام» من هزيمة قطب «الشعب»، وإحباط مطالبه المواطنية؟ كل شيء مرهون بمصير الانتفاضة المصرية التي يُكتب هذا المقال بينما «النظام» يستنفر غرائزه المظلمة كلها ضدها. الصراع هناك، في «ميدان التحرير». ومحصلته ستحدد أشياء كثيرة في العالم العربي، وفي العالم.

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved