WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Feb 8, 2011
 
بعد تونس ومصر: هل انحسر دور الأحزاب السياسية؟ - بقلم أكرم البني

سؤال طرحته الأحداث المتسارعة في تونس ومصر وطابع التظاهرات والاعتصامات التي ظهر أنها جرت وتجري من دون قوى سياسية تتصدرها، وفي معزل عن الأيديولوجيات والبرامج الحزبية، ومن دون شخصيات كاريزمية تقودها.


لقد كان أمراً غريباً ولنقل غير مألوف تلك المسافة التي رسمها حراك التونسيين والمصريين مع القوى السياسية التقليدية، وكيف بدت هذه الأخيرة كما لو أنها تركض لاهثة لتلحق بنبض الشارع، حتى بات من الصعوبة بمكان أن يتبجح أي طرف سياسي ويدّعي أنه صاحب هذه الاحتجاجات الشعبية وراعي ما حصل من تطورات، من دون أن نبخس منظمات المجتمع المدني حقها وبعض النقابات والجمعيات المهنية، ما يعطي درساً بليغاً لكل القوى والتجمعات السياسية العربية، بأن لا مفر أمامها سوى الثقة بشعوبها وبطاقاتها الإبداعية الكامنة التي ربما تحتاج إلى مفاتيح خاصة كي تنطلق من قمقمها.


فما حصل في كل من تونس ومصر بدا أشبه بثورة شعبية عفوية لم يحضّر لها إرادياً ولم تخطط لها قيادات سياسية مسبقاً، ومقابل انحسار دور الأحزاب وبعضها عريق وتاريخي، أو لنقل ضعف فاعليتها في تحريك الشارع وقيادته، بدا تالياً الحضور اللافت لمجموعات شبابية تقدمت الصفوف وأمسكت زمام المبادرة، ونالت ثقة الناس بسلوكها اليومي المثابر واستعدادها العالي للتضحية.


مجموعات حديثة التكوين لا تنتمي إلى أي حزب أو تجمع سياسي، ليس عندها ما تخسره مع انسداد الأفق أمامها وتعاظم شعورها بالظلم وغياب العدالة، استعانت بفضاء المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي عبر شبكة الإنترنيت، لخلق مساحة من التفاعل في ما بينها ومع الآخرين، حول همومها المشتركة وسبل حل القضايا التي تشغلها وتتحكم بمستقبلها.


إن الفراغ الذي خلقته عقود طويلة من العمل السلطوي المبرمج الهادف الى تغييب السياسة في المجتمع وإقصاء أهلها، ثم ضعف الأحزاب المعارضة التي أنهكها القمع الشديد والاضطهاد، وأغلقت دونها نوافذ التفاعل مع الناس، عطفاً على ما تعانيه من أمراض ذاتية، كغياب روح المبادرة لديها، وتشتت إيقاع عملها الجمعي جراء حضور الحسابات الأنانية والمصالح الضيقة، كل ذلك وفر فسحة كبيرة لتقدم هذه القطاعات المحرومة والنشطة من المجتمع، كي تتنطح، بالأصالة عن نفسها وبالنيابة عن الجموع لنقد الواقع البائس الذي تعيشه والاعتراض عليه، مبدية حماسة كبيرة للتغيير وحساسية مرهفة للدفاع عن حقوقها ومصالحها.


صحيح أن تراجع تأثير القوى السياسية كان نتيجة طبيعية للمناخ السائد، وصحيح أن تحول الاهتمام بالأحزاب بتنوعاتها الإيديولوجية يعزى إلى فشلها عملياً في دعم الحاجات الأساسية للناس ونصرة تطلعاتها، لكن ثمة عوامل أخرى شجعت على تقدم فعاليات اجتماعية لتفعيل عملية التغيير وقيادتها، من أهمها:


أولاً، نقف في اللحظة الراهنة أمام جيل جديد ولد في ظل شروط استثنائية فرضت على العمل السياسي، لكنه نجح في الالتفاف على قواعد الصراع التقليدية وخلق مساحة اجتماعية حرة للتواصل وللتعبير عن مشاكله عبر فضاءات الانترنيت، متجنباً العمل المنظم وأساليب السرية والتآمر، ومتأثراً بتجارب الشعوب التي عاشت ظروفاً مشابهة وتمكنت من خلق أشكال متنوعة لرفض الواقع القائم والدفاع عن مصالحها وحقوقها.


ثانياً، نالت هذه الفعاليات حظها الخاص في النمو والتطور لأنها أقدر من الأحزاب في عبور الإثنيات والأديان والطوائف، بفعل حداثتها وتحررها من نتائج الصراعات القديمة وبفعل طابع المشكلات التي تشغل بالها وهي مشكلات ميدانية تهم الجميع وتتعلق بالمتطلبات المعيشية وقضايا الحريات والحقوق الفردية، أكثر مما ترتبط بالأيديولوجيات الكبرى وشعارات الهوية العريضة الدينية أو الاشتراكية أو القومية. ولا تخرج عن هذا السياق غالبية أحزاب الإسلام السياسي، التي لا تزال عموماً مشغولة بقضايا الهوية الدينية وتقف بشعاراتها الأيديولوجية الخاصة كـ «الإسلام هو الحل» وغيره، في تفارق مع الشعارات المستوحاة من معاناة الناس، أو لا يزال بعضها منشغلاً بآليات تعبئة متخلفة وخطيرة تتضمن التسعير الطائفي أو الشحن المذهبي كي يعيد إنتاج خصوصية حضوره وقوته!


ثالثاً، كان لشيوع ظاهرة العولمة وانهيار الأيديولوجيات والتصورات المسبقة عن العالم وطرق تغييره بصورة مخططة وإرادوية، دوره في منح الحراك الجديد قدرة على القيام بالأدوار التي تقوم بها الأحزاب السياسية بكفاءة ومرونة أكبر، هذه الأحزاب بدت بطيئة في قراءة المتغيرات الحاصلة والتكيف معها. وعجزت في غالبيتها عن التحول من حالة نخبوية إلى حالة جماهيرية.


رابعاً، نلمس اليوم تراجعاً ملحوظاً في أعداد من لا يزالون يحبذون خوض معترك العمل السياسي من الأبواب الحزبية، أو الذين لا تزال تجذبهم أفكار وعبارات تدّعي ملكية الحقيقة والصواب المطلق في ما تقوم به، وحين تتميز الأحزاب بهدفها الصريح وهو تأجيج الصراع السياسي والوصول إلى السلطة، فذلك يضعها في مرتبة أدنى من حيث إمكانية التعبئة والجذب من الحراك الشبابي الذي يميل إلى الاكتفاء بتشكيل أداة ضغط للتغيير ومراقبة للأداء السياسي من منظار حقوقه ومصالحه المباشرة، من دون أن يضطر للالتزام ببرنامج متكامل والدفاع عنه، بخاصة أن المعروف عن الشباب ميلهم الأصيل إلى تشجيع المبادرة والتحرر من أي قسر أو إكراه، أو من إلزامهم بمعتقدات محددة من دون نقد وبقرارات موجبة التنفيذ من دون اعتراض.


في الماضي كانت آليات التغيير تعتمد أساساً على القوى السياسية الأكثر انضباطاً، وقد عرف تاريخنا العربي مرحلة طويلة سادت فيها الأحزاب السياسية الشديدة التنظيم والحزم، ومهدت السبيل للانقلابات العسكرية حيث لعبت الجيوش الدور الرئيس في تقرير مصير المجتمعات ورسم خطوط مستقبلها، أما اليوم فربما لا نتسرع في القول إن الفعل التاريخي بدأ ينتقل إلى الشعوب والى آليات التعبئة الواسعة، وأن ثمة قوى من طراز مختلف بدأت في التبلور وتحاول من زاوية هذه الآفاق أن تقود العمل العام الشعبي والسياسي.


إن حصول تحول في طرائق تفكير الناس تجاه الأحزاب السياسية ودورها، لا يعني أبداً أنه لم يعد لها مكانتها المهمة في المجتمع وأنها قد تفقد وظيفتها العريقة في بناء منظومة القيم الموجهة للسلوك السياسي والاجتماعي والثقافي، وبلا شك قد تتمكن الأحزاب السياسية من العودة لتأكيد حضورها وفاعليتها مع شيوع أجواء الحرية واحترام التعددية والرأي الآخر، لكنها عودة قد لا تكون حميدة في حال لم تقف نقدياً من تصوراتها الأيديولوجية وبناها التنظيمية العتيقة وتتجاوز ما درجت عليه في دعايتها لأفكارها الخاصة نحو الثقة بالناس والتفاعل العملي مع همومها الملموسة وأوجه معاناتها.

* كاتب سوري

 


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved