|
أعلن في بيروت امس، تشكيل حكومة جديدة «ترجمة» لالحاح سورية و«حزب الله»... فـ «الراي» كانت عنونت تقريرها من بيروت يوم السبت الماضي على النحو الآتي: «سورية تريد حكومة الآن لحماية خاصرتها الرخوة، و«حزب الله» اطلق كاسحته استباقاً لانتقال (النائب وليد) جنبلاط الى الرمادية... فهل يتجرع (نجيب) ميقاتي الكأس المرة وينصاع للتشكيل؟». و... هكذا كان، اعلن ميقاتي حكومته بعد 139 يوماً من «المراوحة والمراوغة»، وكان لسورية و«حزب الله» ما ارادا بعدما رفعا ما يشبه «البطاقة الحمراء» في وجه الرئيس المكلف الذي «اقتيد» الى تشكيلة سعى الى تفاديها طويلاً وتحت وطأة تجنبه ترؤس حكومة «محلية» من «لون واحد» تزيد الانقسام انقساماً، وحكومة من الموالين لسورية «تستفز» المجتمعين العربي والدولي. ولم يكن ادل على «الاستشراس» في ضخ «الطلق الاصطناعي» للاسراع في ولادة الحكومة من «التضحية الميثاقية» التي قدمها رئيس البرلمان نبيه بري من حصة الطائفة الشيعية لمصلحة التمثيل السني، عبر خفض التمثيل الشيعي الى خمسة وزراء من اصل ستة لتصبح حصة السنة سبعة وزراء بدل ستة، وهي المرة الاولى التي يكسر هذا التوازن بعد اتفاق الطائف، الامر الذي يخضع في بيروت لـ «تقويم» عكس في محصلته الاولى الى تظهير حجم الالحاح من حلفاء سورية على انجاز الحكومة و«الان».
ولم يتأخر «الدليل الحسي» على ذلك، اذ بعيد «دقائق» من اعلان ميقاتي حكومته الثلاثية كان «على الخط» الرئيس السوري بشار الاسد الذي اتصل بنظيره اللبناني ميشال سليمان وبري مهنئاً، في اشارة لـ «الارتياح البالغ» الذي قابلت به دمشق عملية تشكيل الحكومة في بيروت، في لحظة تعاظم الضغوط الداخلية والخارجية في وجه نظام الاسد.
وفي قراءة اولية لملابسات الولادة القيصرية لحكومة ميقاتي، قالت اوساط واسعة الاطلاع في بيروت لـ «الراي» ان دمشق ردت وسريعاً على انقرة في بيروت، اذ دفعت وعلى نحو حاسم في اتجاه تشكيل الحكومة «المعلقة» منذ اربعة اشهر ونصف الشهر في توقيت بالغ الدلالة وجاء غداة الفوز المرموق لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في الانتخابات النيابية في تركيا، الامر الذي سيجعله «اكثر اهتماماً» بالملف السوري. وكانت مصادر ديبلوماسية غربية في بيروت ابغلت الى «الراي» قبل مدة توقعها ان ترفع تركيا من حجم ضغوطها على الاسد بعد الانتهاء من انتخاباتها النيابية، وعلى النحو الذي من شأنه ان يعجل في حسم البورجوازية السنية في دمشق وحلب خيارها بالانتقال الى دعم الاحتجاجات ضد نظام الرئيس السوري، وهو ما مهدت اليه تصريحات الرئيس التركي عبدالله غول ورئيس وزرائه اردوغان اخيراً.
وكان «الدخان الابيض» تصاعد من القصر الجمهوري قرابة الساعة الثالثة الا ربعاً من بعد الظهر مع صدور مراسيم التأليف، لتنتهي مرحلة انتظار من 139 يوماً بدأت مع صدور مرسوم تكليف ميقاتي تشكيل الحكومة في 25 يناير الماضي. واذا كانت الحكومة الثانية التي يشكّلها ميقاتي في حياته السياسية، بعد حكومة إدارة الانتخابات النيابية العام 2005 و«الإشراف» على انسحاب الجيش السوري من لبنان (اُنجز في 26 ابريل 2005)، أبقت «نادي» رؤساء الوزراء اللبنانيين على 23 شخصية، 21 منهم سنّة بحسب العُرف المعتمد منذ استقلال البلاد العام 1943، في حين خرق «جنرالان» مارونيان هذه القاعدة عاميْ 1952 و1988 (لحكومتين انتقاليتين)، فان هذه الحكومة التي تحمل رقم 72 (منذ 1943) سرعان ما وُضعت في «الغربال» وانطلقت قراءات في أحجام وتوزُّع القوى من ضمنها حيث أمكن رصد المفارقات الآتية الى جانب «سابقة» كسر «التعادل» السني - الشيعي في حكومات ما بعد الطائف:
* حصول رئيسيْ الجمهورية والحكومة ومعهما النائب وليد جنبلاط على حصة من 12 وزيراً ونصف، موزّعين على ستة لميقاتي من ضمنهم اسمه (خمسة سنّة وارثوذكسي)، واثنان ونصف لرئيس الجمهورية هما ماروني (مستشاره السياسي ناظم الخوري) وارثوذكسي (سمير مقبل نائب رئيس الحكومة) ونصف ماروني هو وزير الداخلية العميد مروان شربل الذي يتقاسمه مع زعيم «التيار الوطني الحرّ» النائب العماد ميشال عون، وثلاثة لجنبلاط» درزيان (غازي العريض ووائل ابو فاعور) وسنّي (علاء الدين ترو). وفي مقابل حصول سليمان - ميقاتي - جنبلاط على «الثلث المعطلّ»، نال تحالف 8 آذار 17 مقعداً ونصف موزعين بين تسعة ونصف لتكتل عون (مع احتساب العميد شربل)، وخمسة لـ «حزب الله» وحركة «أمل» اضافة الى فيصل كرامي وطلال ارسلان ونقولا فتوش.
* نيل طرابلس «حصة الاسد» من الوزراء اذ تحوّلت «عاصمة» الوزراء السنّة اذ تمثّلت باربعة من اصل سبعة، فاضافة الى ميقاتي، ضمّت الوزراء محمد الصفدي، فيصل كرامي واحمد كرامي، وهو ما فسّر «كرنفال الفرح» وحتى بالرصاص الذي عمّها بعد تلاوة مراسيم التأليف.
* تسجيل خروج وزير الصحة محمد جواد خليفة (من حصة بري) من الحكومة بعدما أطاحت به وثائق «ويكيليكس» التي نشرت محضر اجتماع بينه وبين السفير الاميركي في بيروت ابان حرب يوليو 2006 جيفري فيلتمان.
* تحقيق ميقاتي «نصف فوز» بإبعاده الوزير شربل نحاس (من حصة عون) عن وزارة الاتصالات لقاء «نصف فوز» لعون بإبقاء نحاس في الحكومة وإن بحقيبة العمل.
* إبقاء القديم على قدمه بالنسبة الى تمثيل «حزب الله» في الحكومة مع احتفاظ وزيريه محمد فنيش وحسين الحاج حسن بحقيبتيْ التنمية الادارية والزراعة.
* تراجُع «حزب الله» عن وعده للوزير السابق عدنان السيد حسين بتسميته مجدداً وفاءً لانضمامه الى وزراء المعارضة السابقة (كان من حصة سليمان) وتأمينه نصاب الثلث زائد واحد الذي كان ضرورياً لإسقاط حكومة الحريري بالاستقالة.
* حصول تكتل عون على ثلاثة موارنة ونصف من خمسة هم شكيب قرطباوي (العدل) مع إبقائه على الوزيرين فادي عبود للسياحة وجبران باسيل للطاقة. واضيف إلى هؤلاء النائب سليم كرم (وزير دولة) ممثلاً تيار المردة (يقوده سليمان فرنجية)، اضافة الى العميد شربل، كما شملت حصة تكتل عون وزيرين من الطاشناق، ووزيرين ارثوذكسيين (غابي ليون وفايز غصن)، ووزيرين كاثوليك (نقولا الصحناوي للاتصالات) وشربل نحاس (العمل).
* ضمت الحكومة الجديدة 8 وزراء من حكومة سعد الحريري المستقيلة وخمسة وزراء سبق ان شغلوا مناصب وزارية، فيما لم تشارك اي امرأة في الحكومة الجديدة، فيما ضمت سابقتها وزيرتين. كما تمت تسمية 16 وزيرا يدخلون الوزارة لاول مرة.
* انها اول حكومة يغيب عنها «تيار المستقبل» منذ تكليف الرئيس الشهيد رفيق الحريري تشكيل اول حكومة له العام 1992. وسبق صدور مرسوم تشكيل الحكومة مناخ أوحى انها ستكون حكومة أمر واقع او حكومة «من جانب واحد»، وسط معلومات عدة اشارت الى توتر ساد لقاء الساعتين بين سليمان وميقاتي ونبيه بري في القصر الجمهوري والذي بدأ وسط إصرار من الرئيس المكلف على إعلان الحكومة «بمن حضر»، فيما كانت وسائل اعلام 8 آذار تشير الى ان العقد المتصلة بالوزيرين الماروني السادس والسني السادس والنائب طلال ارسلان لم يتم حلّها، محذرة من ان اي صدور لمراسيم التأليف سيقابله اعتراض راوح بين التحفظ او امكان حجب الثقة في البرلمان.
وفيما غادر بري القصر متجّهماً، كانت «ديبلوماسية الهاتف» تعمل بأقصى قوة، الى ان جاء المخرج لعقدة السني السادس بزيادة حصة الطائفة السنية الى 7 ليتمّ توزير «الكرامييْن» معاً، وهو ما تمّ على حساب الطائفة الشيعية التي خصّها ميقاتي بتحية غير مباشرة حين شكر بري على «تضحياته ووطنيته المميّزة» التي لولاها «ما كانت هذه التشكيلة لتبصر النور». اما الوزير الماروني السادس، فذكرت تقارير ان الاتصالات نجحت في تفكيك «اللغم» الذي كاد ان ينسف الاتصالات، على خلفية ما قيل عن اتجاه كان لدى سليمان لتوزير صهره وسام بارودي قبل ان يقرّ الرأي على تسمية مستشاره ناظم الخوري، من دون ان يتضح موقف لعون من هذه النقطة هو الذي كان عبّر عن رغبته في ألا يكون الماروني السادس من منطقتي جبيل او كسروان وألا يترشح للانتخابات النيابية المقبلة (الخوري ترشّح في انتخابات 2009 عن جبيل).
وبعد صدور مراسيم التأليف، اعلن الرئيس ميقاتي من قصر بعبدا العناوين العريضة لبرنامج عمل حكومته على قاعدة «التمسك بتطبيق دستور الطائف تطبيقا كاملا والدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله وتحرير ما تبقى من ارضه المحتلة من العدو الاسرائيلي ومعاودة حوار وطني هادف وبنّاء حول مواضيع تتباين آراء اللبنانيين حيالها تحت سقف المؤسسات الدستورية». وقال: «لقد اخترنا شعارا لحكومتنا (كلنا للوطن كلنا للعمل) ليقيننا ان اللبنانيين ملوا من الكلام (...)». واذ اعتبر «ان هذه الحكومة ستكون حكومة كل لبنان وستعمل من أجل جميع اللبنانيين فلا تفريق او تمييز بين من سيوليها ثقته او من يحجبها عنها»، قال: «لا مسايرة لفريق على حساب آخر ولا تسليم بمنطق المنتصر والمهزوم. ولا ممارسة كيدية او انتقامية وسنستمر بإذن الله على احترام قيم العدالة والمساواة والتسامح والمحبة والانفتاح».
واكد «ان هذه الحكومة حريصة كل الحرص على المحافظة على العلاقات الأخوية المتينة التي تجمع لبنان مع كل الدول العربية الشقيقة من دون استثناء (...) أما وفاء لبنان بالتزاماته العربية والإقليمية والدولية فهو من الثوابت في سياسة الحكومة التي سنحترمها بالتوازي مع تمسّكنا بكرامتنا وحرية قرارنا النابع من المصلحة الوطنية العليا التي لا تهاون فيها ولا مساومة». ورداً على سؤال، اوضح «ان قراري كان في الساعات الأخيرة الاقدام على اعلان التشكيلة لأنه لا يمكن ترك الأمور التي بدأت تسوء لدرجة انه اصبح من الصعب تشكيل حكومة بعد اليوم»، مضيفاً: «لا أذيع سراً اذا قلتُ انه كانت توجد تشكيلة وبناءً على طلب الرئيس بري ووطنيته طرأت عليها بعض التعديلات».
حكومة «كلنا للوطن كلنا للعمل» بالأسماء والحقائب
تألفت حكومة «كلنا للوطن كلنا للعمل» حسب مرسوم تكشيلها الرقم 5818 الاسماء الآتية: محمد نجيب ميقاتي: رئيساً لمجلس الوزراء. سمير مقبل: نائباً لرئيس مجلس الوزراء، طلال ارسلان: وزير دولة، نقولا فتوش: وزير دولة لشؤون مجلس النواب، غازي العريضي: وزيراً للأشغال العامة والنقل، علي قانصو: وزير دولة، علي حسن خليل: وزيراً للصحة العامة. محمد الصفدي: وزيراً للمال، محمد فنيش: وزير دولة لشؤون التنمية الادارية، وائل أبو فاعور: وزيراً للشؤون الاجتماعية، جبران باسيل: وزيراً للطاقة والمياه، حسين الحاج حسن: وزيراً للزراعة، شربل نحاس: وزيراً للعمل، فادي عبود: وزيراً للسياحة، سليم كرم: وزير دولة، علاء الدين ترو: وزيراً لشؤون المهجرين، أحمد كرامي، وزير دولة، ناظم الخوري: وزيراً للبيئة، فايز غصن: وزيراً للدفاع الوطني، شكيب قرطباوي: وزيراً للعدل، عدنان منصور: وزيراً للخارجية والمغتربين، نقولا نحاس: وزيراً للاقتصاد والتجارة، مروان شربل: وزيراً للداخلية والبلديات، فريج صابونجيان: وزيراً للصناعة، وليد الداعوق: وزيراً للإعلام، بانوس مانجيان: وزير دولة، حسان دياب: وزيراً للتربية والتعليم العالي، غابي ليون: وزيراً للثقافة، نقولا صحناوي: وزيراً للاتصالات، فيصل كرامي: وزيراً للشباب والرياضة.
أرسلان استقال من الحكومة وأنصاره قطعوا طرقاً وأطلقوا الرصاص
لم يكن جفّ حبر مرسوم تأليف الحكومة الجديدة في لبنان متضمناً تسميته كـ «وزير دولة»، حتى اعلن النائب طلال ارسلان استقالته احتجاجاً على عدم إعطائه حقيبة وزارية، «فاتحاً النار» على رئيس الوزراء «المدعو نجيب ميقاتي». وقال ارسلان في مؤتمر صحافي عقده على وقع قيام مناصريه بقطع طرق بالإطارات المشتعلة في خلدة (جنوب بيروت) والحاصباني (بين مرجعيون والبقاع) وإطلاق «رصاص الاعتراض»: «لا يشرّفني ان اجلس على يمين ميقاتي، ولدي كل التقدير لكل الوزراء بالحكومة، لكن ميقاتي تكاذب علينا وحاول احراج المقاومة بأكثر من مناسبة وكان يتبرع لكل اللبنانيين بانه حاضر لضمكم الى الحكومة شرط ان تأتيني اشارة من المقاومة وهذا التكاذب اثبت ان هناك قرصنة بكل المستويات».
|