WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Jun 20, 2011
Source: جريدة النهار اللبنانية
محاكمة بن علي تبدأ بالفساد لا بالسياسة والاخفاق في استرداده يُبقي الثورة منقوصة

في ما عدا محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، لا تحمل الذاكرة العربية مشهد زعيم عربي في قفص الاتهام. ولا يبدو أن هذه القاعدة على وشك التغيير، حتى مع "الربيع العربي". فزين العابدين بن علي يُحاكم اليوم غيابياً، وليس في الأفق ما يشير إلى قرب استرداده من السعودية، بينما يحتمي حسني مبارك من القضاء بوضعه الصحي المتدهور.

إذ عرفت "ثورة الياسمين" بعض التعثر السياسي والأمني، تتجه الأنظار إلى الجسم القضائي، وهو كنظيره الإعلامي، موروث بجزء كبير منه عن العهد السابق بشبهات فساد وتَبعية للسلطة التنفيذية وقيود وضعها دستور عام 1959.


في هذه المرحة الانتقالية يقول أستاذ القانون العام وحيد فيرشيشي إن "القانون وحده لا يكفي، تنقصنا الشرعية والموارد". فرئيس "هيئة تقصي الحقائق عن انتهاكات النظام السابق" توفيق بودربالة يضطلع بمهمة ضخمة ويفتقر إلى أبسط أدوات إنجازها مثل أجهزة الكومبيوتر. لا تفويض واضحاً يحدد عمله، فهو يجهل ما اذا  كان يستطيع التعاون مع النيابة العامة والاطلاع على أرشيف البوليس السري المنحل المخبأ في أقبية وزارة الداخلية. ولا موازنة مخصصة له، إذ "حين أحتاج الى المال أطلبه من رئيس الوزراء" على ما صرح لمجلة "در شبيغل" الالمانية.
أما رئيس "هيئة التحقيق في أعمال الفساد والاختلاس" عبدالفتاح عمور فلم يراجع سوى مئة ملف من نحو 3300 تتعلق بأعمال أسرة بن علي وزوجته ليلي الطرابلسي وأشقائها وأبنائهم، وصهري الرئيس المخلوع صخر الماطري ومروان مبروك. واكتسب عمور شهرة حين عرض أمام الصحافيين كنوز خزائن بن علي في قصر ضاحية سيدي بوسعيد، وفيها مجوهرات ومبلغ 16،6 مليون أورو موزع في رزم من فئة 500 أورو. واسترعى الانتباه أنه كان يضع ساعة ثمينة يتعذر على محام مثله اقتناؤها.


محاكمة جنائية وعسكرية
على هذه الخلفية تبدأ اليوم أمام الغرفة الجنائية في المحكمة الابتدائية محاكمة الرجل القوي السابق، وتقتصر على ملفين من 93 قضية. وتُلاحق معه زوجته في قضية أموال سيدي بوسعيد، ويواجه منفرداً اتهامات بحيازة كيلوغرمين من المخدرات في مكتبه الخاص بقصر الرئاسة في قرطاج. وعُثر في المكان على أسلحة آلية وذخائر ومجوهرات في 169 علبة ومبلغ 11 ألف جنيه استرليني، إلى قطع أثرية مصادرة لا تقدر بثمن. وقد تصدر في حقه عقوبة بالسجن من خمس سنوات إلى 20 سنة، ويهدده الإعدام إذا دين بالقتل العمد والتعذيب في 35 قضية سيتابعها القضاء العسكري لاحقاً.
وشرح رئيس جمعية القانون الدولي في باريس مجيد بودن لقناة "فرانس 24" أن الرئيس المخلوع مطلوب لدى القضاء المدني لأنه متهم بقضايا تخضع للقانون الجنائي. أما المحاكمة العسكرية فتعود إلى كونه ضابطاً قبل توليه السلطة واضطلاعه بمهمات القائد الأعلى للقوات المسلحة.
على أهمية إخضاع بن علي للمساءلة، لم تثر أنباء محاكمته حماسة كبيرة لدى التونسيين الذي شاهدوا ابتهاج المصريين بسجن جمال وعلاء مبارك واستجواب والدهما. ذلك أن النيابة العامة المصرية أعادت الى الثورة زخمها حين لم تغفل رموز الحكم المخلوع ووزراءه. والأهم أنها حرصت على فتح ملف قمع المتظاهرين وقتلهم في "ميدان التحرير".
وفي المقابل، لا يُعرف لماذا لم تبدأ مقاضاة الرئيس المخلوع على نحو مماثل أو في قضايا التعذيب والسجناء السياسيين.
ولا شك في أن غيابه يُبقي الثورة منقوصة ويُضعف المحاكمة التي رآها ناشطون "تهرباً من محاسبة فعلية وتلاعباً بالرأي العام". غير أن مجيد بودن أوضح أنه يمكن السلطات التونسية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لاسترداده اذا تمسكت الرياض بعدم تسليمه.


بين جدة وأبها
وإذ تقول الصحف التونسية إن المملكة منحت بن علي جنسيتها لحمايته، لا يُعرف الكثير عن حياته في السعودية. وهو خرج قبل أيام عن صمته ليصف، عبر وكيله الفرنسي جان إيف لوبورني، المحاكمة بأنها "مسخرة". ونقل عنه أمس وكيله الآخر اللبناني أكرم عازوري أنه "لا يمانع في المحاسبة السياسية، ولكن ليس التجريح وإهانته من طريق تلفيق اتهامات مشينة ووهمية" وتمنيه أن "تنجو تونس من الفوضى والظلام وتكمل طريقها نحو الحداثة". كان لوبورني أفاد أنه التقى موكله في "ظروف طبيعية" و"هو ليس في الحال (الصحية) التي يُقال إنه فيها".
وأوردت صحيفة "البيان" الإماراتية أنه يعكف على كتابة مذكراته وانه بات يواظب على الصلاة، لكنه يعاني الاكتئاب، وهو في حال "طلاق غير معلن" مع ليلى بعد "مواجهات صاخبة بينهما".
وفي رواية لمجلة "باري ماتش" الفرنسية أنه مكث في جدة أسبوعاً حتى 22 كانون الثاني. ويومذاك قررت السلطات نقله وزوجته وابنته حليمة ونجله محمد من مقر الضيافة الرسمي، وهو قصر كان يعود إلى الملك فيصل، إلى أبها في إمارة عسير بجنوب غرب السعودية. هناك تعرض لأزمته الصحية في 15 شباط، لم تكن جلطة دماغية، بل كانت غياباً عن الوعي سببه انخفاض السكر في الدم على خلفية "مشادة عنيفة" مع ليلى. ونقلته طائرة هليكوبتر إلى مستشفى في جدة بقي فيه ثلاثة أيام.


وقد يكون نقل بن علي، صديق وزير الداخلية السعودي الأمير نايف، إلى أبها تقرر بعدما تعثر سفره إلى طرابلس كما أرادت زوجته، أو إلى القاهرة التي لم تكن ثورتها قامت بعد. وكانت صحيفة "الدستور" أوردت في 21 كانون الثاني أن الاستخبارات المصرية شاركت في تأمين فراره من تونس.
وتحدثت "جريدة عسير" الالكترونية عن أسباب أخرى هي الرغبة في إبعاده عن الأراضي المقدسة، تجنباً لإغضاب الأوساط الدينية، ذلك أن محافظة جدة تقع في منطقة مكة الإدارية، وهو معروف بمعاقرته الخمر.
وفي الخلاصة تملك السعودية وحدها الإجابة عن تساؤل مهم، هل يعود بن علي يوماً إلى تونس ليمثل أمام محاكمها وربما نفذ عقوبة في أحد سجونها التي زج فيها كثيرين، أم يكون مثل عيدي أمين دادا الذي غادر أوغندا عام 1979 وبقي في جدة الى حين وفاته عام 2003؟.
  



 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Related News
Tunisair workers to strike on Friday, union says
Tunisia PM designate to form technocratic govt without parties
Tunisians emerge from lockdown into mosques and cafes
Tunisians protest over jobs amid economic downturn
Hundreds of Tunisians blocked by virus on Libya border crossing
Related Articles
Crime, excessive punishment in Tunisia
How President Béji Caid Essebsi Helped Build Tunisia's Democracy
Can Tunisia’s democracy survive the turmoil?
Tunisian politics between crisis and normalization
A community approach to militants’ rehab in Tunisia
Copyright 2026 . All rights reserved