WED 1 - 4 - 2026
 
Date: Nov 28, 2010
 
ثقافة الانشقاق وأزمة الحياة الحزبية في مصر

الجمعة, 26 نوفمبر 2010
طارق أبو العينين *


برزت على الساحة السياسية المصرية في الآونة الأخيرة جبهة سياسية جديدة عرفت بجبهة المعارضة داخل جماعة الإخوان المسلمين مكونة من 50 عضواً من قيادات الجناح الإصلاحي داخل الجماعة الذين انشقوا عنها معلنين رفضهم خوض الجماعة الانتخابات النيابية التي ستجرى أواخر الشهر الجاري، ورفضهم كذلك غلبة الشق السياسي على الشق الدعوي في نشاط الجماعة، وهو ما أثار في مجمله سخط واستياء قيادات الجماعة وكوادرها على حد سواء، وأدى إلى اندفاع كلا الطرفين للدخول في صراع معلن على صفحات الصحف وصل ذروته بقيام القيادي البارز في جبهة المعارضة خالد داود بتقديم بلاغ للنائب العام يتهم فيه حمدي حسن زعيم الكتلة البرلمانية للجماعة بالتشكيك في ذمته المالية في إحدى تصريحاته الصحافية.


وهو الحدث الأول من نوعه منذ تأسيس الجماعة إلا أن الأمر اللافت هو أن الأزمة الحادثة داخل جماعة الإخوان على رغم أنها لا تعد الانشقاق الأول في صفوفها وهي كذلك شأن داخلي يخصها وحدها إلا أنها تلقي في الوقت ذاته بظلالها على الواقع السياسي والحزبي المصري ككل بخاصة أن ثقافة الانشقاقات باتت هي السائدة داخل أغلب الأحزاب السياسية المصرية في الوقت الراهن، فلا يخلو منها حزب أو تنظيم سياسي مصري، وهو ما تشهد عليه أروقة أحزاب يسارية وقومية وليبرالية مصرية عريقة كالوفد والتجمع والناصري، بل وأحزاب وليدة أيضاً كحزب «الغد»، ما يعني أن هناك خللاً في المفاهيم والممارسات يضرب بأطنابه في جذور الحياة الحزبية المصرية.


وتتجلى أولى علامات هذا الخلل في وحدة المرجع داخل أغلب تلك الأحزاب والتنظيمات السياسية، وهو مفهوم يختلف كلية عن وحدة المرجعية التي يفترض أن توجد داخلها. فإذا كانت وحدة المرجعية ترتبط في الأساس بنظرية سياسية وضعها فيلسوف أو منظر سياسي فارتأت جماعة من الأفراد أنها تعبر عن مصالحها وأفكارها فأسست انطلاقاً من تلك الأرضية الفكرية حزباً أو تنظيماً سياسياً فإن وحدة المرجع تعني أن تلك المرجعية لا ترتبط بنظرية فلسفية وسياسية بقدر ما ترتبط بزعامة تاريخية مؤسسة للتيار، كجمال عبد الناصر في الحزب الناصري، وسعد زغلول في الوفد وحسن البنا في الإخوان، وخالد محي الدين في التجمع، ما حول الجيل التالي لتلك الزعامات في هذه الأحزاب والتنظيمات إلى جماعة من الكهنة تحتكر وحدها الحق المطلق في الحديث نقلاً عن تلك الزعامات التاريخية وذاك المرجع الواحد محيطة إياه وإياها بهالة من القداسة تحرم وتجرم على أثرها كل من يعارضه أو يعارضها ما نتج منه وجود جيل ثالث من الكوادر الشابة داخل هذه الأحزاب والحركات السياسية المصرية لم يتبوأ حتى الآن مقعد القيادة على رغم أن أعمار بعض رموزه جـاوزت الخمسين سنة.


وتبرز في هذا الصدد أسماء بحجم عبد المنعم أبو الفتوح ومختار نوح وأبو العلا ماضي في التيار الإسلامي، وحمدين صباحي في التيار الناصري وأبو العز الحريري في حزب التجمع الماركسي. ولعل المفارقة المؤلمة حقاً أن هذه الأسماء باتت عنواناً لانشقاقات وخلافات حدثت داخل هذه الأحزاب والحركات السياسية نتيجة امتلاكها تصورات وتفسيرات سياسية جديدة وأكثر ملاءمة للواقع الآني ولأفكار ومواقف تلك الزعامات التاريخية المؤسسة لتلك الأحزاب والحركات، ما يدفعها دوماً للصدام مع الحرس القديم داخل تلك التنظيمات.


أما ثاني علامات هذا الخلل فيتمثل في فشل تلك الأحزاب والتنظيمات في أداء دورها الرئيسي بوصفها بديلاً راديكالياً للنظام من خلال تكريسها لآلية الزعيم الفيلسوف. فمن المفترض في أي تنظيم سياسي ديموقراطي أن تكون هناك مسافة فاصلة بين دور الفيلسوف المنظر ودور الزعيم الممارس للسياسة. إلا أننا ومنذ بدايات القرن المنصرم شاهدنا نماذج لأحزاب وتيارات سياسية شمولية تلاشت فيها المسافة الفاصلة بين دور الفيلسوف ودور الزعيم بدءآً من تفسيرات الزعيم الروسي لينين للماركسية والتي تحولت إلى ما عرف بالماركسية اللينينية، مشكلة المرجعية النظرية والعقائدية للحزب الشيوعي السوفياتي وصولاً إلى أطروحات كالماوية في الصين والناصرية في مصر. ما يعني أن تكريس تلك القوى والأحزاب السياسية لآلية الزعيم الفيلسوف يعد اجتراراً للمنطق الشمولي نفسه، في الوقت الذي يفترض أن تكون هي البديل الراديكالي لنظام سياسي ذي طابع شمولي متأصل وعتيد كالنظام المصري.


أما ثالث تلك العلامات فيرتبط بانسداد قنوات العمل السياسي الشرعي في مصر نتيجة الدور السلبـي والمعوق الذي تمارسه لجنـة شــؤون الأحـزاب التـي تـحـول في أغلب الأحوال دون قيام أو تأسيس أي حزب سياسي جديد ما يفضي إلى بروز إشكاليتين أساسيتين.


الأولى هي هيمنة منطق الإقطاع السياسي على عقلية قيادات أحزاب المعارضة في مصر انطلاقاً من قناعتها الراسخة بأن الدولة لن تمنح الترخيص لآخرين لتأسيس أحزاب جديدة، ومن ثم فإن تلك القيادات تواجه تيارات المعارضة داخل تلك الأحزاب بوسائل قمعية تخالف كلية اللوائح الداخلية التي تنظم العمل داخلها وحتى في حالة جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانوناً فإن رفض لجنة شؤون الأحزاب تأسيس حزب «الوسط» بقيادة أبو العلا ماضي أحد أبرز المنشقين عن الجماعة قد عمق شرعية الأجنحة المحافظة داخلها. إذ أن شق عصا الطاعة داخل الجماعة ومحاولة تأسيس تنظيم جديد أكثر انفتاحاً في الأفكار ويسعى في الوقت ذاته للحصول على شرعية ومباركة الدولة قد تحول في ظل هذا الرفض من قبل اللجنة إلى ما يشبه الانتحار السياسي.


أما الإشكالية الثانية فهي ازدياد استخدام البلطجة في الصراعات السياسية داخل تلك الأحزاب في حالة حدوث أية خلافات سياسية بين قياداتها وهو ما تجلى في الخلافات الأخيرة داخل حزبي «الغد» و «الوفد» والتي شهدت وقائع عنف مثيرة وبشعة انتهت بحرق مقار كلا الحزبين خلال محاولات الجبهات المتصارعة داخل تلك الأحزاب احتلال مقارها وفرض سياسة الأمر الواقع وهو الأمر الذي كان يمكن تجاوزه في حالة سماح لجنة شؤون الأحزاب لأحد الأطراف المتصارعة داخل كلا الحزبين بتأسيس حزب جديد وفق معايير موضوعية ونزيهة أو استجابة الدولة للمطلب الأكثر راديكالية من قبل قوى المعارضة، بإلغاء تلك اللجنة وتأسيس الأحزاب بالأخطار المباشر ما يعني إجمالاً أن ثقافة الانشقاق المستشرية في الحياة الحزبية المصرية باتت دليلاً دامغاً على مدى التردي الذي طاول الممارسة السياسية داخل أغلب تلك الأحزاب والتنظيمات السياسية والذي تعمقه الدولة بتضييقها دائرة العمل السياسي وحصرها في شخوص وقوى بعينها ما يغلق الباب في وجه الأجيال والأفكار الجديدة ويكرس حال الجمود القائمة في الحياة السياسية والحزبية المصرية.

* كاتب مصري


The views and opinions of authors expressed herein do not necessarily state or reflect those of the Arab Network for the Study of Democracy
 
Readers Comments (0)
Add your comment

Enter the security code below*

 Can't read this? Try Another.
 
Inside:
Why Algeria will not go Egypt's way
When revolutionary euphoria subsides: Lessons from Ukraine
A letter from the Cedar Revolution to the Nile Revolution
Mubarak, save Egypt and leave
Barack Obama sees Egypt, but remembers Indonesia
Just changing generals is not freedom
Egypt’s Youth are Responsible for Defending their Revolution from Those who Would Climb upon It
Can Lebanon kill its own tribunal?
Egypt's future in Egyptian hands
Social media are connecting Arab youths and politicians
The Mediterranean between sunny skies and clouds of pessimism
For the West, act of contrition time
Why Arabs have airbrushed Lebanon out
The Tunisian experience is likely to mean evolution in Morocco
Can Egypt's military become platform for political change?
Lost generations haunt Arab rulers
Democracy: not just for Americans
For better or worse, Arab history is on the move
The Middle East's freedom train has just left the station
Mubarak's only option is to go
Ben Ali's ouster was the start, and Mubarak will follow
Is this a Gdansk moment for the Arabs?
Tunisia may be a democratic beacon, but Islamists will profit
The Arabs' future is young and restless
Egypt's battle requires focus
Arab rulers' only option is reform
Exhilarating Arab revolts, but what comes afterward?
Hezbollah enters uncharted territory
Resisting change fans the flames
To participate or not to participate?
choice decisive for Lebanon
Lebanon typifies Arab political poverty
Between Tunisia’s Uprising and Lebanon’s Tribunal
Lebanon, Between Partnership and Unilateralism
What might Hezbollah face once the trial begins?
In Lebanon, echoes of the Iraq crisis
Is Hezbollah's eye mainly on Syria?
Egypt's Copt crisis is one of democracy
The thrill and consequences of Tunisia for the Arab region
Three Arab models are worth watching
Tunisia riots offer warning to Arab governments
Tunisia has a lesson to teach
Time for Lebanese to re-think stances
Amid stalemate, let negotiations begin!
North Africa at a tipping point
The Options Available When Faced with the Failure of Arab Governments
Latifa and Others
Troubling trends in this Arab new year
The past Lebanese decade
Beyond the STL
Yet another Arab president for life
An independent Egyptian Web site gives women a voice
Fight the roots of extremism
Fractures prevail as Arabs cap 2010
Truth about injustice will help reduce Muslim radicalization
Christian flight would spell the end for the Arab world
Defining success in the Lebanon tribunal
60% of the Lebanese and 40% of Shiites Support the Choice of Justice
Without remedy, Lebanon faces abyss
The Saudi succession will affect a broad circle of countries
The Arab world faces a silent feminist revolution
The canard of regime change in Syria
Egypt faces a legitimacy crisis following flawed elections
Lebanon: Reform starts with politicians
Human Rights: Three priorities for Lebanon
What's changed?
Monitoring in the dark
Myths about America
Lessons from the fringes
On campus, not all get to vote
'Your credit is due to expire'!
Blood for democracy
Lebanon can solve its own problems
The Janus-like nature of Arab elections
Social Structural Limitations for Democratization in the Arab World
Jordan’s Public Forums Initiative
Islamic Historic Roots of the Term
Copyright 2026 . All rights reserved