|
القاهرة - أمينة خيري
تعيش ألسنة المصريين حالاً من الحراك اللفظي المستمر منذ اندلاع ثورة 25 كانون الثاني (يناير) الماضي، وهو حراك دخل مرحلة أيديولوجية بعدما أنجز مرحلتين سابقتين هما الثورية والتنسيقية. فبعد أيام من غزو مفردات الثورة من «جمعة الغضب» و «موقعة الجمل» و «استهداف الثوار» و «بلطجة النظام» قاموس المصريين، بدأت المرحلة التنسيقية لترتيب الأوراق بعد تنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك، وظهور الحاجة إلى «حكومة انتقالية» و «حكم توافقي» و «ائتلاف شباب الثورة» و «وزراء حكومة إنقاذ» و «مسؤولي فترة موقتة». وما كاد المصريون يتفهمون هذه المرحلة بمفرداتها المستجدة عليهم، وهم الرازحون الصابرون المتأقلمون مع نظام حكم ظل رابضاً على أنفاسهم طيلة 30 سنة، حتى فوجئوا بمرحلة جديدة أكثر تعقيداً وأعمق أثراً تطلبت قاموساً بمفردات لغوية ظلت عقوداً ودهوراً حكراً على الطبقة المخملية المتأرجحة بين الساسة والمثقفين والمنظرين وأساتذة الجامعات. فها هو سائق الأجرة الذي يشكو شظف العيش وبخل الزبائن وسماجة ضباط المرور ينخرط في حديث تنظيري يناقش فيه موبقات الليبرالية ومحاسن الديموقراطية المشبعة بثقافة إسلامية. وتسأله: «يعني إيه ليبرالية؟»، فيقسم بأغلظ الأيمان أنها أفظع من عبادة الأصنام وأبشع من إنكار الوحدانية وأقبح من الماسونية!
صحيح أنه يتهرب من الإجابة ويتذرع بتوجيه سباب إلى سائق باص اجتازه عنوة، لكنه يعود ويوجه دفة التنظير الليبرالي الإسلامي الماسوني إلى مسارها الأصلي: «الكفار من أعداء مصر هم من يحاولون الآن تجاهل نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية ويتشدقون بكلام فارغ عن الدستور أولاً». «الدستور أولاً» هو موضوع الملصق الذي يضعه كريم الشاب المصنف ثورياً تحت بند «ثوار التحرير» على زجاج سيارته الخلفي، وهو أيضاً السبب الذي دعا أحدهم قبل أيام إلى إلقاء حبة طماطم متعفنة عليه مصحوبة بتهمة «يا علماني يا فاسد يا ملتف»، وهي التهمة التي ينفيها كريم في شدة، مؤكداً أن الالتفاف ليس من سمات الليبراليين أمثاله، لكنه سمة من سمات أصحاب بعض التيارات التي تتخذ من الدين ستاراً لطموحها وأطماعها السياسية السلطوية، وليس هناك أدل على ذلك من تطويع الاستفتاء الأخير ليتحول من استطلاع آراء حول التعديلات دستورية إلى صك مرور إما إلى الجنة بـ «نعم» أو بتأييد الالتفاف على شرع الله بـ «لا».
المثير أن «لا» النافية للتعديلات يمكنها أن تصبح «ناهية» حين تحذر من مغبة الخلط العمدي بين الليبرالية من جهة وبين الشيوعية والشيطانية من جهة أخرى. ويجد المصريون أنفسهم واقعين بين شقي رحى، الأول يؤكد لهم بما لا يدع مجالاً للشك أن «كل الدعاوى التي ترشح العلمانيين والليبراليين لرئاسة الجمهورية لا تمت للإسلام، وكذلك أصحابها لا يمتون للإسلام بصلة»، والثاني يجزم بما لا يدع حيزاً للتردد بأن «الليبرالية والإسلام وجهان لعملة واحدة هي الديموقراطية المتوائمة تماماً والدين الإسلامي الحنيف، بل أن الدين الإسلامي هو الحاضن الحقيقي للديموقراطية كما ينبغي أن تكون».
لكن بين ما لا ينبغي أن يكون وما هو كائن بالفعل هوة واسعة، فالمصريون بكل فئاتهم وأطيافهم يتحاورون ويتسامرون وأحياناً يتفكهون على «جمعة الدستور أولاً» التي تدعو إليها نحو 63 حركة وائتلافاً في 8 تموز (يوليو) المقبل في ميدان التحرير. وهنا لم يجد أصحاب التيارات المناهضة لـ «الدستور أولاً» سوى الدفع بمفردات أكثر قوة وأعتى أثراً إلى ردهم، فباتت المطالبة بـ «جمعة الدستور أولاً» بمثابة «انقلاب على الديموقراطية» و «تواطؤ ضد مصر وضد إرادة شعبها». الانقلاب والتواطؤ قلما مارسهما المصريون بعيداً من منهج التاريخ المقرر على الصف الثالث الإعدادي وتحديداً الفصل الذي يتناول انقلاب والي مصر محمد علي على الزعامة الشعبية ونجاحه في التخلص منها، ثم تواطؤه للقضاء على فلول المماليك وأذنابهم في مذبحة القلعة الشهيرة التي يسمع عنهما المصريون كثيراً هذه الأيام. وتماماً كما يخلط البعض، سواء عمداً أو جهلاً، الليبرالية بالشيوعية، فإن البعض يخلط كذلك التحالف بالتواطؤ.
فبعد دقائق من دعوة حزبي «الحرية والعدالة» المولود من رحم جماعة «الإخوان المسلمين»، وحزب «الوفد» الذي ظلت كلمة «ليبرالية» لصيقة به على مدى عقود طويلة، دارت مناقشات المصريين المبنية في جانب كبير منها على «المرجعية الفضائية»، لا سيما برامج «التوك شو» المسائية، تارة حول «التحالف الذكي» بين الحزبين، وتارة أخرى حول «تواطؤ» التيارين المتناقضين والتفافهما على مصالح الشعب بحثاً عن السلطة. الحراك اللفظي الأيديولوجي الذي يتشدق به الجميع في مصر هذه الأيام سينتقل إلى مرحلة جديدة في غضون أيام، وهي مرحلة الحراك الانتخابي. ويتوقع أن تسيطر على هذه المرحلة مفردات على شاكلة «قائمة نسبية مغلقة» وأخرى «مفتوحة»، و «النظام الفردي» و «التصويت الإلكتروني». وسواء احتفظ «أصحاب الياقات البيضاء» لأنفسهم بالقدر الأكبر من الفهم لـ «أيديولوجيات» السياسة، أو تشاركوا مع «البروليتاريا» في فهمها، يظل الفكر «الراديكالي» مسيطراً على البعض، على رغم أن «البراغماتية» هي الأفضل في ظل «حكومة تكنوقراط» قادرة على التعامل مع «ثورة إصلاحية هادئة» وليست «راديكالية هادرة».
|